لم يكن اختيار يوغرطة للكاف اختيارا عشوائيا بل لاعتقاده أن هذه الأرض هي أرض مقدسة تهابها آلهة الشر لذلك لم يتردد لحظة واحدة للتمركز فيها والاحتماء بها من جنون روما وغطرسة قادتها وبربرية عسكرها ولأن التاريخ لا يتكرر إلاّ في شكل مهزلة فإن نيويورك تقتفي آثار روما للإجهاز على المقاومين في العراق وهم الذين انسحبوا الى مدينة يفترض أنها مثل مكة والقدس والفاتيكان وسان بيترسبورغ والتبت لا يحق لأحد أن يقاتل فيها. فالنجف منبر الطرح الشيعي ومرقد رموزهم هي مدينة مقدسة وقلب الملايين من المسلمين لا ينبض إلا وهي آمنة سالمة. لذلك فإن ما يحدث هذه الأيام يدعو فعلا إلى التساؤل حول مصير المقدسات داخل النظام العالمي الجديد الذي بدأت معالمه تتشكل بعد نجاح الولاياتالمتحدة في التموقع كقوة وحيدة تمسك بمفاتيح الأرض والإنسان معا. والآن وقد حصل ما في الصدور صار لزاما علينا التكتل داخل جبهة واحدة من أجل اجبار المالكين الجدد للأرض على احترام مشاعرنا ومقدساتنا ورموزنا وهو أبسط الإيمان. لقد خسرت الإنسانية معركتها في دحر قوى الشر والظلم وعار أن تخسر معركتها في الدفاع عن انسانيتها بما هي قناعات ومبادىء واختلاف. لقد نجحت الولاياتالمتحدة في قتل المعنى وتسعى الآن إلى طمس رموزه وهي بذلك على وعي تام بأن إحكام سيطرتها على الإنسان والأرض معا لن يتم إلاّ باعادة تشكيلهما وفق ما يقتضيه الطرح العام للنظام العالمي الجديد بما هو الخلفية الايديولوجية التي ترتكز عليها الآلة العسكرية الأمريكية كقوة إسناد للتركيبة الكونية القادمة. والحال على ما هو عليه فليس بغريب أن يحول الأمريكيون الصحن الحيدري إلى قاعة ألعاب كبرى شبيهة بكازينوهات لاس فيقاس والقدس الى ملهى ليلي على شاكلة ملاهي بيفرلي هيلز والفاتيكان الى ديزني لاند يشتغل فيه البابا مهرجا والتيبت إلى سيرك عملاق يتحول فيه الدايلي لاما إلى أرجوز. نخلص إلى هذه القول بعد أن طرحت احدى دور البيع الكبرى بالمزاد العلني رأس لينين المقتلع من احدى تماثيله للبيع في نيويورك محوّلة تجربة من أقوى التجارب الثورية في العالم إلى نزوة عابرة يحكمها منطق امبريالي بغيض. وعليه لا نستبعد أن يكون مصير باقي رموز الإنسانية كمصير لينين... ومن أدرانا إن لم يبع يوما ما بالمزاد العلني ماوتسي تونغ ولوممبا وقيفارا والآخرون..