قبيل العدوان الأمريكي على العراق وما استتبعه من غزو واحتلال، أجرى الصحفي الأمريكي الكبير «دان راذر» لحساب شبكة ال»سي. بي. اس» (بث بتاريخ 26 فيفري 2003) حديثا مطولا مع الرئيس العراقي صدام حسين تعرض الى كل النقاط والملفات الحارقة في ذلك الوقت وأساسا مسألتا التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل ومخاطر الحرب التي كانت تقرع أبواب العراق بشدة. في ذلك الحديث تطرق الرئيس العراقي في تحليله للأسباب الخفية التي تدفع أمريكا دفعا نحو غزو العراق واحتلاله الى مسألة النفط كورقة في الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على العالم من خلال التحكم في النفط والتحكم بالتالي في وتائر وأنساق قيام أقطاب دولية محتملة.. صدام قال وقتها بالحرف تقريبا: لقد قلنا للعالم منذ بداية التسعينات أن أمريكا قادمة لاحتلال العراق وذلك تحقيقا لهدف استراتيجي كبير من خلال التحكم في نفط الخليج بالكامل والتحكم بالتالي في انساق التنمية في الصين واليابان والاتحاد الاوروبي الذي يملك مقوّمات تؤهلها لأن تصبح اقطابا دولية وذلك بغية اقصاء هذه الامكانية بالكامل او على الاقل بالتشويش عليها وتأجيلها الى أبعد فترة ممكنة... صدام اضاف في اجابته بأن كل العالم وفي طليعته مفكرون واستراتيجيون امريكيون باتوا يعلنون هذه الاهداف الاستراتيجية... وختم بقوله: الا يستحق العراق وشعب العراق جائزة من المجتمع الدولي لأنه نبّهه وقبل قرابة 14 سنة الى مخاطر الاستراتيجية الامريكية على استقرار الخليج والعالم. وبالعودة الآن الى حالة الفوضى الكبيرة التي تضرب سوق النفط العالمية يمكن الوقوف على دقة وصحة ما قاله الرئىس العراقي في ذلك اللقاء... فقدعرفت هذه الاسعار ارتفاعا جنونيا بلغ تقريبا ضعف السعر الذي وضعت على اساسه ميزانيات دول مثل دول الاتحاد الاوروبي واساسا فرنسا والمانيا ومثل الصين والاثنان (الصين من جهة والاتحاد الأوروبي ونواته فرنسا وألمانيا) يمثلان مشروعين مكتملين تقريبا لقطبين دوليين في المدى المنظور... ذلك أن كل التوقعات وفي مقدمتها التوقعات الأمريكية ترشح الصين لكي تكون القطب العالمي الأكبر في أفق 2030 تقريبا وكذلك الاتحاد الأوروبي اذا نجح في بناء قوة عسكرية تمكنه من لعب دور سياسي على الصعيد الدولي يوازن دوره ووزنه الاقتصادي دوليا.... ونتيجة هذا الارتفاع الجنوني للأسعار والذي يلامس عتبة الخمسين دولارا فإن أصوات الشخصيات الاقتصادية المرموقة والمؤسسات المختصة أوروبيا باتت تطلق صيحات الفزع المحذرة من الأثر المدمر لارتفاع أسعار النفط على وتائر ونسب النمو داخل دول الاتحاد... وقد باتوا يؤكدون أن الأرقام الأولية التي وضعت على أساس أسعار محتملة تحوم حول 30 دولارا أو أقل كانت متفائلة جدا وأنه بات لزاما مراجعتها الى الادنى لتكون اكثر ملاءمة للحقائق الجديدة التي تجعلها تتراوح حول نسبة نمو بحوالي 1 تقريبا. ونفس الاثر المدمر يعرفه الاقتصاد الصيني حيث بات اكيدا أن تتأثر نسبة النمو التي عادة ما تتجاوز ال10 لتصبح ذات رقم واحد (أي أقل من 10) نتيجة ارتفاع اسعار النفط ونتيجة اعتماد الصين بالكامل تقريبا على نفط الخليج لتلبية حاجاتها النفطية المتعاظمة والتي سوف تطرح اشكالا كبيرا في قادم الايام حين تستكمل الصين بناء نهضتها ويصبح بمقدور كل مواطن صيني شراء سيارة، اذ ترجح التوقعات ان يوازي طلب الصين من النفط كمصدر للطاقة اجمالي الطلب العالمي حاليا... ولكن ما علاقة امريكا بفوضى سوق النفط وجنون الاسعار؟ هنا نعود الى كلام الرئيس صدام حسين والى خفايا الاستراتيجية الامريكية التي كشفها ونبّه إليها منذ ذلك الوقت.. فالولايات المتحدةالأمريكية، بعد احتلال العراق أكملت تقريبا دائرة سيطرتها على نفط الخليج وبحر قزوين علاوة على سعيها الدؤوب لاسقاط رئيس فينزويلا هوغو شافيز أو ترويضه على الأقل بما يمكّن المخطط الأمريكي من المضي قدما.. ثم ان واشنطن وكما خططت لتتخذ من العراق (وفق ما أكده باول مثلا أمام الكنغرس قبل العدوان بأيام) «قاعدة متقدمة لاعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها» فإنها خططت أيضا (وهذا التخطيط غير معلن) لتتخذ من العراق ومن نفط العراق قاعدة متقدمة لارباك سوق النفط العالمية وورقة لتأجيج الأسعار بهدف لخبطة حسابات كل المنافسين على الصعيد الدولي وارباك انساقهم التنموية وحرمانهم من ظروف وامكانيات تحقيق نسب نمو مرتفعة ترشح لو تواصلت لعقود لأن تكون أقطابا دولية قادرة على احباط مخططات أمريكا لجعل القرن الحادي والعشرين أمريكيا والألفية الثالثة أمريكية أيضا. ذلك ان سوق النفط الدولية والبورصات تتأثر فيما تتأثر به بالعوامل النفسية وتتأثر بالأوضاع السائدة في مناطق الصراع.. وقد نجحت أمريكا في تحويل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة تمكنها من استغلال عوامل عدم الاستقرار والتهديدات التي يمثلها هذا الوضع على التزويد وبالتالي على العرض بهدف إصابة السوق الدولية بنوع من الجنون الناتج عن الخوف.. الناتج بدوره عن المواجهات وعدم الاستقرار وعدم توضح الرؤيا بالنسبة لمستقبل الوضع في العراق وفي منطقة الخليج عموما. ومن هنا فإن أمريكا التي تضع يدها بالكامل على نفط العراق يمكنها أن تنهب ما شاءت من الكميات لتدير بها عجلة اقتصادها وتثري بها مخزونها الاستراتيجي وهو ما ينعكس ايجابا على صحة اقتصادها وعلى قدرة مؤسساتها على المنافسة فيما تصاب اقتصاديات باقي العالم بنزيف ضخم يجعل الجميع يتخبطون في أزمات خانقة لا تنتهي.. يضطر معها الجميع وفي طليعتهم الكبار كمنافسين محتملين للقوى الامريكية ولنزعة الهيمنة الامريكية الى الانكفاء على لعق الجراحات التي يسببها نزيف ارتفاع اسعار النفط بحيث تتلخبط مشاريعهم وتعرقل مسيراتهم التنموية ويُقصون بالتالي عن تهديد سيادة أمريكا للعالم ومخططها لجعل القرون القادمة قرونا أمريكية... لأجل كل هذا تتعمد أمريكا الابقاء على حالة الفوضى والاحتقان في العراق وان كانت تبدو وكأنها تتقدم نحو حل سياسي.. ولأجل ذلك تعمدت تدمير الدولة العراقية وكل مؤسساتها بما فيها الموروث الحضاري وهو مكسب انساني وأبقت على وزارة النفط فقط التي لم يمسها سوء وسلمت من عبث جحافل الغوغاء الذين جيء بهم لتدمير العراق دولة وشعبا ومؤسسات ونهب ومصادرة خيراته وفي طليعتها النفط لتتحول الى سلاح تكسب به أمريكا معركتها مع باقي الأقطاب الدولية وفي طليعتهم الصين وفرنسا والمانيا.. تماما كما توقع الرئيس صدام في مطلع التسعينات.. وكما أعاد تأكيده للصحفي الامريكي «دان راذر» ولكن الكل كافؤوه وكافؤوا العراق بالصمت والتواطؤ ليمر من حصار شامل مدمر الى غزو واحتلال أعاد العراق فعلا الى العصر الحجري وأغرقه في بحار من الدم والدمار.