الأمن الرئاسي يتدخل لفك اعتصام عبير موسي ونوابها؟    حسناء بن سليمان: هيئة الانتخابات لم تتلق إشعارا من البرلمان بخصوص الاستعداد لانتخابات مبكرة    الناقلة الوطنية توقع عقدا تمهيديا لبيع وإعادة تأجير خمس طائرات    التشكيلة المحتملة للترجي أمام شبيبة القبائل الخنيسي يتفهم قرار الشعباني والغاني بونسو يتحدى    النادي الافريقي: اليونسي يلتقي لاعبي كرة اليد وينهي الاضراب    جريمة قبلاط : الطفلة التي ادعت تعرضها للإغتصاب كشفت تفاصيل تهشيمها لرأس والدتها بحجز يزن 7 كلغ ثم تعنيف جدتها حتى الموت    روني الطرابلسي يعتذر    البحرين والسعودية في نهائي كأس الخليج    بعد نعيم السليتي أسامة الحدادي يساهم في المباراة الافتراضية للافريقي ضد الفيفا    القصرين: اتلاف 5 اطنان من الدجاج المصاب بجرثومة " السالمونيلا "كانت ستروج خلال احتفالات اخر السنة    حجز 27350 أورو و36 غرام من مخدّر القنب الهندي بمطار تونس قرطاج الدولي    صلاح الدين المستاوي يكتب لكم: ثواب الإكثار من الصلاة على رسول الله ليلة الجمعة ويوم الجمعة    يوميات مواطن حر : يفيض الوادي في البحر فصلا ولا يهيج    نقابتا الملابس المستعملة تقرر إيقاف نشاط منظوريها    وزيرة الصحة بالنيابة تزور مستشفى الرابطة    هذه الليلة: الحرارة تتراوح بين 5 درجات و15 درجة مع ضباب محلي    الهوارية: من يوقف آفة التدخين داخل القاعة الرياضية المغطاة؟    شركة الطيران الجديدة " ياسمين للطيران" تتحصل على الموافقة الرسمية    الاتحاد المنستيري: انتداب إدريس المحيرصي لمدة موسم ونصف وأمريكي لكرة السلة    الديوان الوطني للزيت يتدخل لشراء كميات من زيت زيتون    الأكبر في تاريخ البلاد..إضراب عام في فرنسا بسبب نظام التقاعد الجديد    القلعة الكبرى: وفاة الشّاب الذي أحرق نفسه مطلع الأسبوع الماضي    لبنان..جدل حول تشكيل الحكومة وتواصل قطع الطرق    تونس/ زهيّر المغزاوي:”نحن غير معنيين بحكومة لا تكون فيها المشاكل الإجتماعية أولوية” [فيديو]    الرابطة 1: برنامج مباريات الجولة 11.. وتعيينات الحكام    هذا ما دعا إليه حزب “قلب تونس” الحبيب الجملي    محمد الناصر: الوضع المتردي للبلاد لا يمكن الخروج منه الا بالذهاب الى هذا الحل    مصدر من الحماية المدنية يكشف حقيقة توقف السيارات الناقلة للجرحى والجثامين للاستراحة واحتساء القهاوي    حمة الهمامي باكيا : نعيش كابوسا منذ سنة ونصف..مرض راضية سببه «شارون» وهذه التفاصيل    الولايات المتحدة: "هواوي" تهديد للأمن القومي الأمريكي    بلغت 45 ملم بمنوبة.. كميات الأمطار المُسجلة على امتداد ال24 ساعة الأخيرة    المكناسي: اتحاد الفلاحة والصيد البحري يعلن عن وقف جمع صابة الزيتون وإغلاق المعاصر    في رواق الفنون علي خوجة بالمهدية : معرض الفنان خالد عبيدة "خط الترحال2 و"شك ّ جميل" للشاعر كمال الغالي    فيديو/ رئيس الزمالك: حمدي النقاز خائن ونصّاب    الولايات المتحدة تعلن أنها ستعين سفيرا في السودان للمرة الأولى منذ 23 عاما    باريس : ممثلة تونسية تشتم سائق تاكسي وتنعته ب"عربي وسخ"    الموسيقى نافذة سجينات منوبة على العالم الخارجي    متحيل أنشأ حدودا وهمية ووعد مهاجرين بتهريبهم    يوميات مواطن حر : طلاق بطلاق    القيروان: حجز 4000 لتر من المياه تروج بصفة عشوائية بواسطة خزانات بلاستيكية    حادث عمدون: القبض على شخص سرق مقتنيات الضحايا    الشاعر الفلسطيني منير مزيد ل«الشروق» : عندما يرفع السياسيون أيديهم عن الثقافة ستتحرّر الشعوب    رمزية البيت في «ما لا تقدر عليه الريح» لفاطمة بن محمود (2 2)    بلغت قيمتها الجملية زهاء 800 الف دينار: حجز 54 الف علبة سجائر مهربة و معسل على متن 5 شاحنات بتطاوين    الشخير عند الطفل يقلل من ذكائه ومستواه الدراسي    اتفاقية بين وزارة التعليم العالي والخطوط التونسية تمكن إطار التدريس الجامعي من أسعار تفاضلية على متن رحلات الناقلة الوطنية    صفاقس: حجز 3 أطنان من اللحوم البيضاء الفاسدة    السعودية تفتح باب التجنيس أمام هؤلاء    إشراقات..الفرقة الناجية    في الحب والمال/هذه توقعات الابراج ليوم الخميس 05 ديسمبر 2019    بداية من مساء اليوم..جولان المترو رقم 4 على سكة واحدة بين محطتي بوشوشة والسعيدية    هند صبري عن شعبان عبدالرحيم: ''صاحب القلب الطيب''    بطولة الكرة الطائرة ..نتائج مقابلات الجولة العاشرة    حظك ليوم الخميس    البنتاغون: لن نرسل 14 ألف جندي إلى الشرق الأوسط    فتح باب المشاركة في الدورة الثانية لمهرجان ''قابس سينما فن''    الفوائد الصحية والغذائية لزيت القرفة    مشروبات ساخنة لدفء وصحة الحامل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التحدي النووي الإيراني وتداعياته الدولية و الإقليمية
نشر في الوسط التونسية يوم 06 - 04 - 2007

استقبل العالم الغربي ، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية منه،إعلان إيران انضمامها إلى "النادي النووي"، أي انضمامها إلى الدول الحائزة تكنولوجيا نووية بقلق بالغ و تنديد. واحتفلت إيران ب "إنجازها" في استكمال دورة الوقود النووي،ذلك أن إعلان إيران أنها نجحت في تخصيب اليورانيوم إلى المستوى الضروري لإنتاج الوقود النووي، و بالتالي صارت الدولة النووية الثامنة في العالم، يسلط الضوء على الدول التي سبقتها إلى عضوية النادي النووي.
حتى الآن هناك أقل من عشرة بلدان تمتلك السلاح النووي . و من أصل الدول التي تمتلك التقنية النووية ، هناك خمس دول تمتلك أسلحة نووية وفق التعريف الذي تعتمده " معاهدة منع الانتشار النووي TNP)) "، وهي فوق ذلك القوى الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، أي الولايات المتحدة الأمريكية و روسيا (تحديدا الاتحاد السوفياتي السابق) وبريطانيا، و فرنسا، و الصين ، و كلها باستثناء الصين كانت الدول الحليفة التي انتصرت على "دول المحور" في الحرب العالمية الثانية.
ومن المعروف هنا أن المواقف التقليدية من طرف القوى النووية الكبرى، الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين)، تصر على احتكار السلاح النووي، وتعارض امتلاكه من جانب أي دولة أخرى. لكن جرى خرق هذا الحظر، وقامت العديد من الدول بصناعة أسلحتها النووية، مثل "اسرائيل" والهند وجنوب إفريقيا وباكستان وكوريا الشمالية. بعض هذه الدول تمكن من خرق القاعدة خلال فترة الحرب الباردة ("اسرائيل"، جنوب افريقيا)، والبعض الآخر انتظر حتى نهاية العقد الماضي حتى ينجز مشروعه النووي العسكري، مثل الهند التي أعلنت امتلاكها القنبلة الذرية في بدايات مايو/ ايار سنة 1998 ،وباكستان التي تلتها بأيام معدودة. وحدها كوريا الشمالية انتظرت حتى السنة الماضية، لكي تعلن استكمال برنامجها النووي العسكري.
إن تجاوز هذا المحظور من طرف المجموعة الأخيرة، يعني عمليا رفض توقيع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التي تم التوصل إليها سنة 1995. وقد صار بدءا من هذا التاريخ، في حكم الممنوع على أي دولة أن تكون مالكة للسلاح النووي، وتتمتع بعضوية الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نفس الوقت. والسبب هو أن أحد شروط العضوية هو التوقيع على اتفاقية حظر الانتشارالنووي، وهذا لا ينطبق من حيث المبدأ على القوى النووية التقليدية، كون برامجها النووية أصبحت سابقة للإتفاقية.
وهذا يعني أن على الدول التي سعت منذ ذلك الحين لدخول النادي النووي، أن تختار بين برنامج نووي عسكري يعرضها لمتاعب مع المجتمع الدولي، كما هو الحال مع ايران، وبين برنامج نووي سلمي تتولى منظمة الطاقة الإشراف عليه ومراقبته بصورة دائمة، وتقديم المساعدات الفنية اللازمة له. وقد ندر حتى الآن التسامح مع حالة من الحالات، حاولت خرق هذه القاعدة، وهذا يمكن ملاحظته بوضوح من خلال النزاع حول الملفين الكوري الشمالي والإيراني، حيث تبدو امكانية الجمع بين الخيارين النوويين العسكري والمدني مستحيلة، وهي تلقى الرفض من جانب الأطراف الغربية المؤثرة.
لقد فضلت غالبية القوى النووية الجديدة، أي الواقعة خارج نادي الكبار، الخيار الأول الذي وصلته عبر أساليب ملتوية، بدأت عادة بإقامة برنامج مدني، ثم انتهت إلى برنامج عسكري. وقد رأت هذه القوى التي تقع أغلبها في منطقة جغرافية واحدة (آسيا الوسطى، وشرق آسيا)، أن امتلاك سلاح الردع أفضل لها من الناحية الاستراتيجية، من التوظيف النووي في الميدان السلمي، فالمشاكل التي تعيشها بسبب مخلفات نزاعات الحرب الباردة، والخلافات الاثنية والحدودية، دفعتها للتأمين على النفس بوجه التهديدات التي يمثلها الجار الآخر، كما هو الحال بين الهند والصين، وباكستان والهند، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، أو اليابان وجاراتها.
دولتان من الدول غير الموقعة للمعاهدة انضمتا علنا إلى النادي النووي و هما الهند وباكستان بعد إجرائهما تجارب و تفجيرات نووية . أما إسرائيل التي تتكتم على وضعها وترفض توقيع المعاهدة، فتؤكد التقارير أنها تمتلك ما لايقل عن 100 رأس نووي.أما كوريا الشمالية فقد اجتازت العتبة النووية على الأرجح، و الحال هذه يبدو أن إيران يستهويها مسار النمط الكوري الشمالي.
وفي الواقع هناك خمسون دولة تمتلك اليوم مفاعلات أبحاث أو محطات طاقة التي تسمح لها باجتياز العتبة النووية إما عاجلا و إما آجلا. بيد أنه من الملاحظ أن عدد الدول المرشحة لإمتلاك السلاح النووي قد تضاءل تدريجيا مع مر العقود. و لابد من لفت النظر إلى أن أن هناك بلدانا مختلفة أيضا ، مثل كندا ، و سويسرا ،و ألمانيا، و السويد، و البرازيل ، وتايوان، و إيطاليا، و كوريا الجنوبية، و الأرجنتين ،و ليبيا، و العراق، قد استهوتها المغامرة النووية في مراحل مختلفة و في ظروف متنوعة . فجنوب إفريقيا سعت خلال فترة الحكم العنصري إلى دخول " النادي النووي" لكنها تخلت عن طموحها ودمرت موجودات ترسانتها لاحقا. كما أنه يتعذر بدقة رصد المستوى الذي وصل إليه النشاط التخصيبي لكوريا الشمالية.
هناك ثلاثة عوامل رئيسة مرتبطة عضويا سمحت إلى حد الآن استبعاد آفاق عالم حيث تتنافس فيه عدة قوى نووية . بيد أن هذه العوامل هي اليوم ضعيفة ، منفردة و مجتمعة.
في مركز هذا الترتيب ، يرمز بشكل طبيعى نظام حظرالانتشار النووي الذي تم التوقيع عليه في عام 1968، و الذي وقعت عليه منذ حينئذ كل الدول باستثناء إسرائيل ، و الهند ، وباكستان و كوريا الشمالية. وهذه المعاهدة هي مضمومة إلى نظام المراقبة و التفتيش للوكالة الدولية للطاقة النووية .
وترى الدول الغربية، لاسيما الولايات المتحدة الأميركية ، أن الأزمة الإيرانية تتعلق بالنتائج المحتملة لصنع قنبلة نووية إيرانية، إذ ستلجأ بصفة خاصة السعودية و تركيا ومصر إلى إنتاج قنابلها النووية . وهنا لا يصبح الاختيار بين أن يكون في العالم 9 أو 10 دول نووية، ولكنه سيصبح بين أن تكون هناك 9 و30 دولة أو أكثر.
إيران أمة قديمة تقع في قلب منطقة حيوية من الناحية الاستراتيجية ، و يشكل خروجها من النظام الدولي لمنع الانتشار النووي تحطيما لمنطق الثقة و الامتناع المتبادلين اللذين شكلا أساس معاهدة حظر الانتشار النووي.فإيران النووية ستفجر سباق التسلح النووي في المنطقة من قبل الدول العربية الرئيسة.فقد اعتبر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إن:" مصر لا تقبل ظهور قوة نووية عسكرية في المنطقة،حيث أن ذلك سيزيد من تعقيد حالة الخلل الأمني الإقليمي". و ذكر أبو الغيط أنه لم يحرز تقدما بعد "لشرق أوسط " خال من السلاح النووي في ضوء الإصرار الإسرائيلي على عدم الانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي أو حتى نيتها للانضمام للمعاهدة".
ثم إن وجود إجماع في ظروف الحرب الباردة بين قائدي المعسكرين الغربي والسوفياتي ضَمِنَ الأمن للقوتين الأعظم ، و مَنَعَ بروز قوى جديدة متمردة على نظام منع الانتشار النووي.بكل تأكيد كانت حرب الخليج الثانية في عام 1991 و ملحقاتها قد فرضت هذا المنطق الثائي على المجموعة الدولية، بما أنه من خلال الإجماع الذي حصل في مجلس الأمن ، فكك المفتشون الدوليون البرنامج النووي العراقي.
بيد أن نظام الإدارة المشتركة لأمن البلدان غير النووية قد اختفى مع زوال النظام الدولي ثنائي القطبية ، وجاءت الحرب الأنكلو- أمريكية على العراق في عام 2003 لتحطم الإجماع داخل مجلس الأمن . فعلى الرغم من إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن ، كما فعلت مع أسلحة الدمار الشامل العراقية في بداية عام 2003، فإن معضلة هذا الملف للإدارة الأميركية، هي "شبح غزو العراق" الذي يخيم عليه، إذ إن واشنطن، بعد إخفاقها الاستخباراتي في موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية، تواجه "تحديا لمصداقية الإدارة في إقناع الأميركيين والعالم بأن واشنطن محقة هذه المرة بشأن إيران".
مع الأزمة الإيرانية الحالية ، نحن نشهد من جانب الأوروبيين محاولة إعادة خلق إجماع دولي ، و لكن في شروط مختلفة جراء الكارثة العراقية و الأهداف المتباينة بين أمريكا التي تريد إحداث تغييرات ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وفق رؤية المحافظين الجدد، و بين الصين و روسيا اللتين ترفضان مثل هذا النشاط. الصدام الإيراني - الامريكي الراهن، ليس في الواقع أكثر من واجهة لصراع اوسع وأضخم بكثير، تلعب فيه إيران الدور نفسه الذي يلعبه الثقب الأسود الكوني الذي يجذب إلى أعماقه كل/ وأي شيء يقترب منه.
القوى العالمية المشاركة في الصراع تشمل، عملياً، كل الدول الكبرى الحالية: الصين وروسيا، أوروبا واليابان، الهند والنمور الآسيوية وغير الآسيوية (البرازيل وجنوب إفريقيا). صحيح أن مشاركة كل من هذه الدول في النزاع تتفاوت بتفاوت قدراتها ومصالحها، إلا انها جميعاً في النهاية معنية كلية بما يجري في الهضبة.
الصين تبدو على رأس القوى المنغمسة في سباق حرب الموارد هذه، لسببين: الاول، أنها الدولة العظمى الصاعدة الجديدة التي ستشَكل بعد نحو عشر سنوات القوة الموازنة الرئيس للزعامة الامريكية العالمية. والثاني، لأنها بحاجة ماسة للغاية إلى كل قطرة نفط وقارورة غاز لتزييت اقتصادها العملاق.
في آخر تقرير صدر عن القوة العسكرية لجمهورية الصين الشعبية في 23 مايو/ أيار ،2006 انتقدت وزارة الدفاع الأمريكية المساعدات العسكرية الصينية لبعض الدول مثل إيران والسودان، ووصفتها بأنها وسيلة لتحفيز هذه الدول على فتح الطريق أمام الصين كي تتمكن من وضع يدها على احتياطي الطاقة في الشرق الأوسط وإفريقيا. كما اتهمتها بتطوير السفن الحربية التي تشكل الأسس المتينة لبناء قوة قادرة على التوغل في مناطق إنتاج النفط على الأرض.
الصين، من جهتها، لا تخفي رغبتها في مد أصابعها وخطوطها إلى إيران. وهي تعتبر أن الحظر الاقتصادي - النفطي الأمريكي على إيران، هدية ثمينة لها تتلاءم ومخططاتها النفطية، لأنه يفسح في المجال أمام الشركات الصينية للاستفراد بساحة النفط الإيراني.
فالصين على تعاون مع إيران منذ فترة طويلة، وخصوصا في ميدان الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وهناك آفاق واسعة للعلاقات الثنائية في المستقبل القريب، في ظل حاجة إيران للخبرات الصينية في تشييد البنية التحتية. ثم إن حيازة إيران للسلاح النووي لايزعج الصين، مثلما هو الأمر لروسيا.ولم تقدم الديبلوماسية الصينية على أي خطوة من شأنها تعكير صفو العلاقة و الصداقة مع طهران التي وجدت أن مصدر انطلاقتها في السنوات الأخيرة هو امتلاكها للنفط .و الصين اليوم سعياً وراء امتلاك الطاقة تتوق إلى الانخراط في الرهانات الجيوبوليتيكية أصبحت منذ عام 1993 مستوردًا صريحَا للذهب الأسود. فهي تشتري ثلث احتياجاتها من الخارج، وسوف يتجاوز هذا المعدل ليصل إلى 50% في عام 2020، و من المحتمل إلى 80 في عام 2030. ويضع هذا الأمر الصين في حالة فقدان للأمن الاستراتيجي، مادام ثلثي هذه الاسترادات مصدرها الشرق الوسط. زد على ذلك حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها المنطقة، النفط يصل الصين عبر الطرق البحرية أي 12000كم تفصل ما بين شنغهاي و مضيق هرمز الواقع تحت سيطرة القوات البحرية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية.
هذا يعني أن الحماس الصيني للفكاك من ربقة الحصار الأمريكي عبر إقامة علاقات وثيقة مع دول نفطية لها حساسيتها الخاصة تجاه واشنطن، و الهدف هوفتح مزيد من نقاط العبور إلى ممرات آسيا الوسطى التي اشتهرت بالأمان. و في هذا الصدد تقدم إيران ورقة رابحة مزدوجة. ففي عام 2004 ، وقع البلدان اتفاقا تشتري بموجبه الصين مادتي الغاز و النفط بقيمة 70 مليار دولار، ومدة التسليم تصل على ثلاثين عاما. ومن هذا المنطلق سوف يساهم الصينيون في استثمار آبار يادفاران الواقعة على مقربة من الحدود العراقية، كما تأمل بكين أن تشارك في مشروع خط الأنابيب مرورًا بإيران و حتى بحر قزوين، حيث يمكنها لا حقًا الاتصال مع خط الأنابيب الآخر الذي يربط كازاخستان بالصين الغربية.
الصين تحتاج إلى إيران بشدة لأنها عطشى بشدة للنفط. وهي تجد في بلاد فارس ضالتها الرئيسة المنشودة. فطهران المتمردة على واشنطن وشركات النفط الأمريكية العملاقة، تمتلك ثاني أكبر احتياطي للبترول في العالم، يقدر ب 132 بليون برميل (11% من الاحتياطي العالمي) وثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي (971 ترليون قدم مكعب أو 1.15% من الاحتياطي العالمي). صحيح ان النفط الايراني أقل منه في السعودية، وصحيح أن كمية الغاز الإيراني أقل من الكمية الموجودة في روسيا، إلا أن ميزة إيران تكمن في قدرتها على السيطرة الوطنية على هذه المصادر الحيوية للطاقة.
وهذا بالتحديد ما يغري بلاد الهان (الصين) على الاندفاع إلى بلاد فارس، برغم التهديدات الامريكية القوية لها بعرقلة اندماجها في الاقتصاد العالمي.ثم إن قسطا اساسيا من قوة الموقف الايراني يعود الى الموقفين الروسي و الصيني. فإلى وقت قريب بدت روسيا و الصين على غير اتفاق مع اوروبا والولايات المتحدة فيمايخص البرنامج النووي الإيراني. ويعود تميزهما هذا إلى أسباب تخص كل منهما على حدة، لكنها مرتبطة في كل الأحوال بعلاقات التبادل مع إيران.
إن الاتفاق الأمريكي لآسيا الوسطى لا يتفق مع تلك المخططات. وهذا بدوره قد أحيا مخاوف بكين حيال الطرق القارية البديلة، يغذيه قلق الصينيين من الوقوع بين فكي كماشة من الشرق و الغرب. من هنا عملت بكين وطهران اللتين تواجهان نفس الإستهداف لتصليب جبهتيهما في مواجهة الاندفاع الأمريكي في المنطقة.
هدف إيران المعلن هو جعل الصين في رأس قائمة مسوقي النفط و الغاز الإيرانيين بدلا ًمن اليابان. وفي هذه الظروف لم يكن مستغربا معارضة الصين في عام 2004 لقرار مجلس الأمن الخاص بالملف النووي الإيراني . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستواضب الصين على حماية إيران حتى ولو أدى التحدي الإيراني الجديد إلى أزمة دولية حادة؟.
في الوقت الحاضر لا تزال الصين تعارض فرض عقوبات قاسية على طهران أو الحديث عن أية إجراءات عسكرية أخرى. فالصين "لاتزال ترى أن الحل الدبلوماسي هو الحل الأنسب".
وفيما كان قسطا اساسيا من قوة الموقف الايراني يعود الى الموقفين الروسي والصيني، طرأت مفاجأة للإيرانيين تكمن في التحول في الموقف الروسي، الذي أصبح يؤيد الغرب في سعيه لتقييد البرنامج النووي الايراني. فإلى وقت قريب بدت روسيا على غير اتفاق مع اوروبا والولايات المتحدة فيمايخص البرنامج النووي الايراني. ويعود تميزها لارتباطها في كل الأحوال بعلاقات التبادل مع ايران.
بعد أن توافقت القوى العظمى على إصدار قرارمن مجلس الأمن يتعلق بفرض عقوبات مشددة ضد طهران،اندلعت ازمة جديدة بين موسكو وطهران حول محطة "بوشهر" الكهروذرية الايرانية، التي أنجزتها مؤسسة "آتوم ستروي اكسبورت" الروسية . واللافت في الازمة ليس التناقض الروسي - الايراني في تفسير ملابساتها وحسب، بل في انها شكلت ضربة مفاجئة هزت واحداً من عناصر قوة الموقف الايراني في مواجهة الضغوط الغربية، لاسيما ان الأزمة اندلعت في مرحلة دقيقة من مراحل العمل في المحطة، اي عندما حان أوان البدء بإرسال الوقود النووي اللازم لتشغيلها الى ايران.
ومن المعروف تاريخيا أن محطة "بوشهر"، كانت شركة"سيمينز" الألمانية قد تكفلت ببنائها منذ العام 1980 ، غير أن نشوب الحرب العراقية –الإيرانية الطويلة في السنة عينها ، دفع بالشركة الالمانية الى التخلي عن المشروع، ورفض الخبراء الالمان بعد انتهاء الحرب 1988 العودة لاستكمال العمل فيه. و في العام 1995وافقت روسيا على استكمال العمل لبناء محطة"بوشهر" ،بعد أن وجدت المؤسسة الروسية"آتوم ستروي اكسبورت" مبنى المحطة الكهروذرية مدمراً ومهجوراً لأكثر من 15 سنة.
و بينما كان من المفروض أن تعطي المؤسسة الروسية المسؤولة عن محطة "بوشهر"الوقود النووي اللازم لتشغيل المحطة مع بداية شهر مارس الجاري، أثارت روسيا في شكل مفاجئ مسألة التأخير في دفع المستحقات المالية من جانب الحكومة الإيرانية. وهكذا أعلنت موسكو أن الشركات الروسية "مضطرة لوقف العمل في انجاز المرحلة الأخيرة من بناء المحطة بسبب عدم وفاء إيران بالتزاماتها المالية". وقال مدير الوكالة الروسية للطاقة الذرية سيرغي كيريينكو للصحافيين "إن روسيا لا تستطيع إكمال بناء المحطة الكهرذرية في بوشهر على نفقتها الخاصة"، وان بلاده لم تتسلم منذ اوائل العام الحالي الدفعات المستحقة على الإيرانيين.
في المقابل أكد نائب رئيس مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية محمد سعيدي أن طهران دفعت لموسكو " أكثر من 80 مليون دولار خلال الستة أشهر الخيرة" من أصل المبلغ المستحق، و المقدر بنحو مليار دولار، هو كلفة المشروع. لكن التحويلات تأخرت بسبب انتقال ايران من التعامل بالدولار الأميركي الى اليورو. ولمّح المسؤول الإيراني إلى أن أثارا سياسية ستترتب على الموقف الروسي الجديد، حين قال إن المشاكل المتعلقة بمشروع محطة بوشهر "تحمل طابعاً مالياً وفنياً في الوقت الحاضر، ولكن، إذا لم تجهز روسيا الوقود النووي في آذار من هذه السنة فهذا يعني أن المشكلة تجاوزت هذه الأطر".
وفي هذا السياق، من التصريحات و التصريحات المضادة، بدأت الأوساط الروسية تتحدث عن بداية مغادرة لألفين من من التقنيين والمهندسين الروس وغيرهم من المختصين الذين كانوا يعملون في بناء محطة"بوشهر" ، رابطين بين هذا الرحيل وعدم دفع المستحقات المالية.
وتعزو تحليلات الصحافة الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة بين موسكو و طهران ، لا لأسباب مالية ، و إنما لأسباب سياسية.
1-يرى المراقبون الغربيون أن التحول الذي طرأ على الموقف الروسي نابع من تخوف موسكو ، من أن يكون للإيرانيين برنامج نووي سري.فقد أظهرت تصريحات المسؤولين الروس في الاسابيع الاخيرة تزايد مخاوف موسكو من احتمال تجاوز طهران "الخط الرفيع الفاصل بين الصناعات النووية المدنية والقدرة على تطوير سلاح نووي" تعزز وجهة نظر اطراف ترى ان التطورات الاخيرة وتزامنها مع الحديث عن عملية عسكرية أميركية محتملة تعكس تحولاً جدياً في الموقف الروسي، ويكفي ان سكرتير مجلس الامن القومي الروسي ايغور ايفانوف تعمد ان يعلن اخيراً وفي حمّى السجالات الروسية - الإيرانية أن بلاده "لا يمكن ان تقبل بأن تمتلك إيران سلاحاً نووياً"، وحذر من ان تطوراً من هذا النوع سيشكل تهديداً لأمن روسيا الاستراتيجي. في الوقت نفسه كتب رئيس الوزراء الروسي الاسبق يفغيني بريماكوف الذي يعد مهندس سياسة روسيا في الشرق الاوسط مقالاً اعتبر فيه "ان هناك أقوالاً وأفعالاً تتنافى مع تأكيدات القادة الايرانيين على سلمية برامجهم النووية"، منها رفض ايران تقديم اجوبة على اسئلة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعلان طهران تصميمها على عدم تجميد اعمال التخصيب، وتسريع وتيرة تركيب المزيد من اجهزة الطرد المركزي المخصص لتخصيب اليورانيوم..
2-تزايد الضغوطات الأميركية على روسيا الذي تزامن مع الاحباط الذي ولده اصرار الايرانيين على تجاهل النصائح الروسية في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومطالب المجتمع الدولي، لجهة التخلي عن تخصيب اليورانيوم.و في ظل هذا التعنت الإيراني ، يبدو أن روسيا قررت التخلي عن حليفها الإيراني ، إذ وافقت موسكو ومعها بكين على مشروع قرار دولي جديد بفرض عقوبات جديدة ضد إيران. ولاشك أن هذا التطور يخدم مصلحة الولايات المتحدة الأميركية ، في الوقت الذي بدأت فيه طهران تخسر آخر حلفائها.
وما يؤكد صحة هذا التحليل قول الباحث الروسي الكسندر بيكايف (من معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية) من أن قادة إيران "يساهمون بطريقة مباشرة في إنجاح السياسة الأميركية تجاه إيران" على رغم خطابهم العدائي حيال الولايات المتحدة لا سيما والغرب عموماً"، مشيراً إلى أن سلوك إيران خلال الأسابيع الأخيرة أوقع بلدين كانا يتخذان موقفاً ودياً تجاه إيران هما روسيا والصين في حرج. وزاد ان موسكو وبكين "لم يعد في مقدورهما أن تقفا مع طهران التي تصر على تجاهل قرارات مجلس الأمن".
الموقف الروسي، هو الأكثروضوحًا و تأثيرًا. فروسيا هي الحليف الأول لإيران فيما يتصل بالبرنامج النووي ، و كانت مواقف موسكو مؤيدة لطهران دائمًا ، أو رافضة لمسايرة الضغوط الأوروبية والأمريكية عليها، وآخر هذه المواقف الاقتراح الذي قدمته روسيا لإيجاد مخرج من عقدة تخصيب اليورانيوم الذي تصر عليه إيران. فقد أقرت روسيا للمرة الأولى بوضوح أن طهران تعطي حججًا إلى الأطراف التي تشتبه في أنها تسعى لامتلاك السلاح النووي مشددة موقفها من حليفتها. ودعت روسيا إيران إلى وقف كل نشاطاتها لتخصيب اليورانيوم لاستخدامه وقودًا نوويًا بأنه "خطوة في الاتجاه الخاطىء".
فحسابات و مصالح روسيا التي تجعلها حريصة على استمرار التعاون مع إيران ، لم تعد كافية لتستمر موسكو في الدفاع عن إيران و التصدي لواشنطن و أوروبا بالوقوف في خندق واحد مع الإيرانيين.وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في تصريحات أوردتها وكالات الأنباء:"إن اقتراح روسيا بتخصيب اليورانيوم الإيراني على أراضيها ما زال قابلا للتفاوض" . و أضاف أن الخطة الروسية"لاتزال مطروحة على طاولة المفاوضات و تشكل عنصرًا مهماً في البحث عن حل"للأزمة النووية الإيرانية.و تقترح موسكو منذ أشهر على طهران تخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية لطمأنة الغربيين الذين يشتبهون في أن طهران تطور شقا عسكريًا سريًا تحت ستار برنامجها النووي المدني.وكان هذا الاقتراح المدعوم من الأمريكيين و الأوروبيين موضع جولات مفاوضات عدة عقدت في موسكو و طهران بدون أن تسفر عن نتيجة.
ومهما أحرجت المواقف الإيرانية الصين أو روسيا، لن تدخل هاتان الدولتان طرفاً في عمل عسكري ضد إيران بسبب طموحاتها النووية وذلك لاعتبارات نفطية واقتصادية ومصالح جغرافية - سياسية لموسكو وبكين.
هناك إتفاق عام في واشنطن يقوم على عدم السماح لإيران بإمتلاك السلاح النووي.و قد رأينا مؤخرا كيف أن واشنطن و تل أبيب تخوضان الحرب النفسية ضد طهران. فإيران تريد القنبلة النووية ، رغم أن قادة طهران أكدوا للمجتمع الدولي مرارا و تكرارا أن هدفهم من وراء تخصيب اليورانيوم ، يتمثل في توظيف التكنولوجيا النووية لخدمة الأغراض السلمية، و أن نزاهتهم في هذا الشأن لا يجوز أن يرقى إليها شك من جانب الحكومات الغربية. و تكمن المسألة في معرفة " ماهو غير مقبول " حقا، من وجهة نظر أوروبية و أمريكية ، هل إن إيران تريد صنع القنبلة النووية؟ و هل إن المسألة تكمن في " تغيير النظام " الحاكم في طهران ، أم في منع إنتشار الأسلحة النووية؟ لأنه لا يوجد أي حزب سياسي إيراني ، و لا حتى المعارضة الملكية الموالية للشاه و القريبة جدا من واشنطن ، تعارض إمتلاك إيران القنبلة النووية.و هناك شبه إجماع في المشهد السياسي الإيراني- الذي ليس هو أحاديا- على ضرورة إمتلاك إيران السلاح النووي .
وفي إطار هذا الصراع مع الغرب، تحدت ايران الدول الغربية وباشرت ابحاثها النووية بعد تعليق طوعي استمر نحو عامين ونصف العام .وعاد المشروع النووي الايراني الى الواجهة من جديد، وأخذ يتصدر الاهتمام الدولي، بعد أن وصلت المفاوضات بين الترويكا الاوروبية(فرنسا، المانيا، بريطانيا)، والسلطات الايرانية الى طريق مسدود
ويثير البرنامج النووي المدني الايراني خصوصا مخاوف الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي اللذين يخشيان أنه يشكل غطاء لشق عسكري لامتلاك السلاح الذري.ويعتبر تخصيب اليورانيوم مرحلة اساسية في العملية النووية لأنه يسمح وفقا لدرجة التركيز، بإنتاج وقود يمكن استخدامه في مفاعل نووي وفي انتاج شحنة قنبلة نووية.ولكن إيران تؤكد بقوة وبصورة متكررة أن برنامجها النووي مخصص حصرا للأغراض المدنية، وأنها لا تسعى لحيازة السلاح النووي.
ومع استئناف أبحاثها النووية مؤخرا، باتت ايران على مسار تصادمي مع الدول الغربية، حين أعلن رئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية غلام رضا اغا زاده الثلاثاء10نيسان 2007ان الجمهورية الاسلامية مصممة على نصب 50 ألف جهاز طرد مركزي في نطنز لتخصيب اليورانيوم، من دون تحديد رقم "منعا لإثارة الالتباس" حول أهداف إيران. وقال "فكرت ان وسائل الإعلام الأجنبية قد تفسر ذلك بأن برنامج إيران انتهى بتثبيت ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي"، مؤكداً أنه "على العكس، لقد دخلنا المرحلة الصناعية وسيتواصل تثبيت الأجهزة الى ان تبلغ خمسين ألف جهاز". وأشار الى ان "التجهيزات الكهربائية وأنظمة التهوية (..) في نطنز مصممة لتثبيت خمسين ألف جهاز".
وكان اغا زاده والرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد قد أعلنا أول أمس انتقال تخصيب اليورانيوم الى مستوى صناعي من دون ان يكشفا عدد أجهزة الطرد المركزي التي نصبت في نطنز.
وعلى الرغم أن الكثير من الخبراء يعتبرون أن إيران تحتاج إلى سنوات قبل التزود بالأسلحة النووية،إذ يحتاج برنامج القنبلة الحقيقية إلى 50 ألف آلة نابذة ويستغرق تطويره 5 أو 10 سنوات،فإنهم يرون اليوم أن الخطر النووي الإيراني أصبح المعيار لتحديد الحلفاء ورسم المعسكرات المتخاصمة التي تقسم الأسرة الدولية. وهو يقود بدون شك إلى أزمة دولية جديدة.
وتبلورت هذه الصورة تماماً بعد التحدث إلى مجموعة من الخبراء في الملف الإيراني وملف الشرق الأوسط: إن واصل الإيرانيون هذا المسار وطوروا الأسلحة النووية، الاحتمال كبير بأن تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية بدعم من حلفائها أو من دونه.
وفي إيران، يعوّل الرئيس أحمدي نجاد على ضعف الأوروبيين والصعوبات التي يواجهها جورج بوش في العراق.
ثلاثة خيارات
وتمتلك الإدارة الأمريكية ثلاثة خيارات في التعامل مع الملف النووي الإيراني .
الخيار الأول، و يتمثل في بدء مفاوضات شاملةمع إيران.أن تتخلى إيران عن البرنامج النووي و دعم ما تسميه واشنطن"الإرهاب" مقابل تعويضات تقدمها واشنطن تتمثل في رفع العقوبات الاقتصادية، و دخول إيران إلى منظمة التجارة العالمية، و ضمانات أمنية أخرى. ويبدو أن هذا الخيار صعب التحقيق، إذ إن الأمريكيين ما انفكوا يقترحون الخيار عينه منذ عشرين سنه ، بينما كان الإيرانيون يرفضون.و في معرض شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية للكونغرس، قالت كوندليزا رايس أن الخلاف مع إير ان يتعدى برنامجهاالنووي:"إنه من الصعب إيجاد أرضية مشتركة مع حكومة تعتقد أن إسرائيل يجب أن تزول و تساند حزب الله و المنظمات الإرهابية الأخرى المصممة على تحطيم مسار السلام".
الخيارالثاني، و هو المتبع اليوم. إنه خيار الدبلوماسية الذي يقوم على العصا والجزرة.ويعتقد كينيث بولاك:"أن الإيرانيين حساسون للضغوطات الاقتصادية.و يتمثل المشكل في قدرة الأوروبيين و الأمريكيين على العمل بصورة مشتركة . فإذا توصلوا، ستتنازل طهران. ويجب أن يكون الحل الذي يقترحة الأوروبيون ذو مصداقية ، لكي يجربوه الإيرانيون، و في الوقت عينه يجب أن تستعد الإدارة الأمريكية لتقديم تنازلات.فهناك طريق يجب قطعه من الجانبين."
و يفترض هذا الخيار أن تتخذ الإدارة الأمريكية و كذلك الحكومة الإيرانية قرارات صعبة.و لا يمكن أن يؤكدأي إنسان أن موقف طهران هو ستاتيكي (ثابت)و غير قابل للإختراق: إن تطبيع العلاقات مع واشنطن سيزيد من التكلفة السياسية لبرنامج عسكري،و سيؤثر على شرائح داخل النظام الإيراني، و سيفسح في المجال لتوسيع المبادلات التجارية التي سيستفيد منها البعض.
و قدأخفقت الدبلوماسية، بعد أن فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية . وإذا رفضت إيران الامتثال لقرارت مجلي الأمن ، عندئذ سيبقى أمام واشنطن اللجوء إلى الخيار العسكري.
ويبدو الخبير العسكري الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط، ريتشارد روسيل متشائما بشأن الخيارات تجاه إيران. فهو يعتقد أن الدبلوماسية الأوروبية التي تركز على الخيار السلمي لا مكان لها من النجاح، و أن العقوبات التي فرضها من قبل مجلس الأمن ستضرب الشعب الإيراني أكثر منه النظام . و أخيرا ، يعتبر الخيار العسكري خيارا مليئا بالمخاطر، إذ سيترتب على القوة المهاجمة ضرب المئات من المراكز الحساسة، أو إحتلال البلاد، و هي مغامرة في الحالتين كلتيهما تفوق قدرات الولايات المتحدة الأمريكية الحالية الغارقة في المستنقع العراقي.
و في نطاق البحث عن الخروج من هذا النوع من الحلقة المفرغة ، تقترح اللجنة حول الخطر الداهم (Committee on Present Danger-CPD) ،التي تشكلت في أيام الحرب الباردة- و كانت تحذر من سوء تقدير الخطر السوفياتي - و التي استعادت دورها الآن ، إستراتيجية شاملة ، تستهدف تغيير نظام الحكم في طهران. و كان تقريرها الذي نشرللعلن في ديسمبر 2004 ، قد صاغه بشكل جوهري مارك بالمير المستشار السابق في عهد ريغان و كاتب خطبه، و الذي أصدر مؤخرا كتابا جديدا حمل العنوان التالي:تكسير محور الشر الحقيقي: كيف يمكن التخلص من آخر الديكتاتوريين في العالم لعام 2025" .على أية حال ،أظهرت السابقة العراقية أن أفكار مثل هذه المجموعات (مراكز أبحاث وضغط) لها تأثير حقيقي على الرئيس بوش و مستشاريه أيضا. و تظل الطريق إلى طهران طويلة و مبلطة بعدة أفخاخ.
و لاتوجد أية ضمانات حقيقية مستقبلا في حال أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على تغيير النظام . فأحداث العام المنصرم ( إخفاق الإصلاحيين في الإنتخابات التشريعية، و إرتفاع أسعار النفط، و الصعوبات الأمريكية في العراق) ،عززت دعاة الخط المتشدد ،و زادت من ثقة النظام في نفسه في أعلى مراتبه منذ عشر سنوات .
أما المسار الثاني للتعامل مع إيران ، فسوف يتم من خلال تفعيل المستوى الدبلوماسي والسياسي الدولي، وبشكل مواز للمسار الأول . ويقضي بحشد المجتمع الدولي بشكل ثنائي مباشر لا سيما مع الحلفاء الأوروبيين وفي العالم العربي، وأيضاً من خلال الأمم المتحدة، لاسيما مع الصين وروسيا، ضد إيران وخططها النووية، "على حد الوصف الأمريكي"، وسيكون لوكالة الطاقة النووية الدولية دور في هذا الحشد، وكذلك مجلس الأمن الدولي، وذلك تمهيداً لتقبل دولي لأي قرار "ستجد واشنطن نفسها مضطرة لاتخاذه"، وهو قرار قصف المفاعلات النووية الايرانية المتاخمة بعضها للعمق الإيراني.
ويبدو أن التصور الأمريكي الحالي لمواجهة إيران توسع ليس لضرب أو قصف مفاعلات ايران النووية فقط، بل الى استهداف الحرس الثوري الايراني، وتقديم المساعدة بكافة أشكالها المباشرة وغير المباشرة لمن يطلق عليهم أمريكياً "تيارات المعارضة الايرانية" في الداخل والخارج.
5-إيران النووية تثير جدلاً حول خيار الحرب
يتفق المحللون الغربيون أن التصريحات التي تصدر عن بعض المسؤولين الإيرانيين حول الملف النووي ، و التي تبدو متناقضة، تعكس في جوهرها حالة من الإرباك التي يعاني منهاقادة إيران .فالنظام الذي أصبح سجين "التعبئة القومية " التي أطلقها داخليا حول النووي- حين استطاع الرئيس الإيراني أن يجيش شعبه ويحشده ببراعة خلف المشروع النووي الايراني، وينقل المسألة النووية من مجرد حاجة عادية قد تسعى اليها أية دولة إلى مسألة قومية تتعلق بكرامة الأمة الإيرانية- بات يعي أن عقوبات جديدة تتضمن حظراً على صادرات الأسلحة الايرانية، وحظراً على تقديم قروض حكومية إلى إيران، وتجميد ممتلكات بعض الأفراد الإيرانيين والشركات المرتبطين بالبرامج النووية الإيرانية،ستكون لها إسقاطات مدمرةعلى البلاد.و لهذا ، فهو يرسل رسائل إلى الأطراف الدولية تتعلق باستعداد إيران للتفاوض ، و لكن من دون أن يفقد ماء الوجه.فهو لا يقبل وقف تخصيب اليورانيوم من دون مقابل .
إيران تريد أن تكون في نفس وضعية اليابان "على عتبة النووي"، أي أنها تريد أن تمتلك التكنولوجيا النووية المدنية كي تستطيع استخدامها ، في المجالات العسكرية، إذا اقتض الحال.و هذه سياسة الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي : انفتاح باتجاه الدول الأوروبية، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة سنتين و نصف، على أمل أن يتم الاعتراف بالدور الإقليمي الإيراني في المنطقة.
وعلى الصعيد الإقليمي تمتلك إيران أوراقا قوية ، استطاعت أن توظفها عبر سياستها الخارجية ، إذ زرعت ما يمكن تسميته "مراكز نفوذ متقدمة" في بلدان عدة، تكون نصيرا حادا في أي نزاع قد ينشب مع أية دولة كبرى وبالذات مع الولايات المتحدة. لقد استطاعت إيران منذ الثورة الايرانية دعم الروح الثورية واستنهاض المسلمين عبر سياسة تصدير الثورة، وعندما أخفقت في ذلك، بسبب اندلاع الحرب العراقية –الإيرانية الطويلة، قوّت من شوكة الأقليات التي تستند و إياها إلى نفس المرجعية الدينية في العالم العربي، كما هو الحال مع "حزب الله" ،الذي استطاع بفضل مقاومته الباسلة في لبنان ، وصموده البطولي في حرب تموز الماضية أن يحبط المخطط الأميركي الصهيوني في المنطقة، ، ومن خلال علاقاتها العضوية مع الأحزاب الدينية في كل من البحرين و العراق التي فازت في الانتخابات التشريعية الأخيرة في البلدين كليهما، وأصبحت مسيطرة على السلطة على الأقل في العراق، و عبر تحالفها الإستراتيجي مع سوريا.
من جانبها، تريد الولايات المتحدة الأميركية إبقاء الحديد ساخنا في النار من خلال حشد أساطيلها في الخليج، وممارسة الضغوطات على إيران من أجل دفعها نحو الحل الوسط الذي قد ينقذ ماء وجهها ويقلل في الوقت ذاته من خطر برنامج إيران النووي. فهي تستكشف الطريقة الدبلوماسية و العقوبات الاقتصادية.و هي ترسل إشارات قوية في الوقت عينه على تصميمها باتجاه الخيار العسكري:وتعتبر حاملتي الطائرات الأميركيتين في الخليج العربي صورة شهيرة وحديثة عن "السياسة المسلحة".
و من المعلوم أن قرار الإدارة الأميركية باستخدام القوة العسكرية لتدمير المفاعلات النووية الإيرانية سوف لن يقود إلى محو كل المراكز النووية ، أو على الأقل استئصال القدرة العلمية و التكنولوجية لخبراء إيران النوويين ،إذ إن المراقبين يعتقدون إيران تملك مفاعلات أخرى مخبأة جيدا، وبوسعها استخدامها للمضي قدما في مشروعها. علاوة على ذلك كله، فإن قرار الحرب سيفجر سلسلة من ردود أفعال إيرانية ضد الكيان الصهيوني و المصالح الأميركية في المنطقة .فإيران قادرة على تحريك "حزب الله" في لبنان وفتح جبهة مع الكيان الصهيوني، وتحريك الشارع في العالمين العربي و الإسلامي الذي يعادي السياسة الأميركية في المنطقة بسبب انحيازها الأعمى "لإسرائيل"، وهو لن يقف على الحياد. وإيران قادرة أيضا على تحريك الأحزاب العراقية الموالية لها ضد أميركا في العراق، فتصبح القوات الأميركية عرضة لهجمات مختلف أطياف الشعب العراقي على اختلاف طوائفه. كما أن خيار الحرب، سيعزز من الوحدة الوطنية للشعب الإيراني ، التي من المؤكد أنها ستنسى مشاكلها الاقتصادية، وتصاعد الغلاء والتضخم، وزيادة البطالة، لكي تتخندق في الخندق الواحد مع قيادتها السياسية ، التي ستركز على ضرورة محاربة العدو القومي، الذي يريد إذلال إيران المسلمة، ومنعها من امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.
إذا كانت مخاطرالحرب تعد كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية، لجهة تفوقها على إيجابياتها من ناحية ، ولإخفاق الإدارة الأميركية في العراق التي تريد التستر عليه من خلال البحث عن كبش فداء يتمثل في التركيز على دور إيران السلبي جدا من ناحية أخرى، فهل تستطيع "إسرائيل " أن تتعايش مع إيران النووية؟
الصهاينة يعتقدون أن إيران على مسافة ثلاث أو أربع سنوات من إنتاج القنبلة النووية، (و لكنهم يقولون أن هذه التقديرات لا تأخذ بعين الاعتبار احتمال أن يكون لإيران برنامج نووي سري )، بينما يتحدث الخبراء الأميركيون من خمس إلى ثماني سنوات.
ويفضل قادة الكيان الصهيوني أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بهذه الضربة العسكرية المعقدة و المحفوفة بالمخاطر. فهم يعتقدون أن الأميركيين مجهزون بصورة أفضل على صعيد الوسائط العسكرية في ميدان العمليات، و هم من دون أدنى شك يستطيعون أن يتحملوا النتائج الدبلوماسية لمثل هذه الحرب المدمرة.بالنسبة للكيان الصهيوني ، الأمر يتعلق بتحدي من طبيعة استراتيجية : المواقع النووية الإيرانية هي متفرقة، و غالبا مخبأة تحت الأرض، و تبعد عن "إسرائيل " بمسافات تتراوح ما بين 1200 كيلومتر إلى 1500 كيلومتر، وهذه المسافات قابلة للزيادة إذاكان على الطائرات الصهيونية أن تتجنب المجال الجوي الأردني ، بل العراقي.
ولكي تكون لهذه العملية العسكرية معنى استراتيجي ، يجب أن يتم تدمير مراكز التحويل ، و التخصيب، و الإنتاج لليورانيوم بشكل كامل، الأمر الذي يتطلب تدمير على الأقل ، المنشآت النووية في إصفهان ، وناتنزو آراك.و لكي تنجح "إسرائيل " في تحقيق ذلك، يجب عليها أن تحظى بدعم الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن الإدارة الأميركية المحاصرة دوليا وإقليميا و حتى أميركيا من الداخل، تعلم جيدا أن خوضها الحرب ضد إيران ، سوف يجرها إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، وهي تدرك أنها قد تخسر كثيرا، لا سيما أن استخدام القوة ليس مضمونا.
6-العرب و التحدي النووي الإيراني
من وجهة نظر الغرب ، يعكس القرار 1747 الذي اتخذه مجلس الأمن بالإجماع ، القلق العميق للمجتمع الدولي في شأن البرنامج النووي الإيراني، حيث لا يزال المسؤولون الإيرانيون يؤكدون على مواقفهم الثابتة حيال هذا الموضوع ، ألاوهي أن نشاطات إيران النووية مشروعة بصوره تامة وتجري وفقاً لمعاهده حظر الانتشار النووي، وأن قرارات مجلس الأمن غير شرعية. ويبدو أن قطب النظام الدولي، واشنطن، حسمت خيارها الاستراتيجي حيال إيران: إما الاعتراف لها بدور إقليمي كبير أو مواجهة طموحاتها الإقليمية بكل الوسائل ، بما فيها الخيار العسكري. وفضلا عن ذلك،فإن المواجهة الإيرانية - الأميركية الراهنة لن تخرج إلا بإحدى نتيجتين: إما محاصصة بين الطرفين والاعتراف بدور إيران الإقليمي ،أو مواجهة مدمرة بينهما تدفع خلالها الساحات العربية وفي مقدمها لبنان والعراق أغلى أثمانها.
و إذا كانت الدول العربية ، و لا سيماالخليجية منها، مارست سياسة الصمت لمدة طويلة إزاء البرنامج النووي الإيراني ،فإن تخوفها الآن نابع من أن برامج إيران باتت تشكل مشكلة كبرى لنظام منع الانتشار النووي، وللأمن الدولي ، و لأمن الخليج على وجه الخصوص،في ظل تظافر الدلائل على أن إيران أنجزت مشروعا سريا لتخصيب اليورانيوم، وتسير بخطى ثابتة و قوية على طريق امتلاك السلاح النووي، الأمر الذي ينصبها على رأس المعسكر الراديكالي المتشدد في الشرق الأوسط العربي والإسلامي. ومن المرجح أن تحمل إيران إذ ذاك الدول الإسلامية و العربية على التزام سياستها الراديكالية ، وعلى قطع علاقتها مع الكيان الصهيوني.
بيد أن العوامل التي جعلت هذه الاستكانة العربية لا يمكن احتمالها على أكثر من صعيد، ورجحت كفة القلق، وتصدرت دواعي التساهل ،هي الصعود القوي لإيران في المنطقة بعد الاحتلال الأميركي له في العام 2003، ، و بروزها كقوة طليعية للتيار الراديكالي بزعامة الرئيس أحمدي نجاد، فضلا عن احتمال ظهور جار نووي قريب من الخليج .
على نحو غير مألوف، أظهرت الحرب العدوانية التي خاضها الكيان الصهيوني ضد حزب الله في صيف 2007، في نظر القادة العرب عمق وقوة التأثير و الاندفاع الإقليمي الإيراني في المنطقة ،لا سيما في لبنان .فهذه الحرب، لا الوضع السائد في العراق، هي التي أسهمت في خلق تعبئة سياسية لا مثيل لها، بعد أن أثبتت الحرب أن إيران أصبحت اللاعب الأول على الساحة اللبنانية، وأن قدراتها العسكرية المتطورة، التي أظهر "حزب الله" جزءاً صغيراً منها، هي إحدى أهم أوراقها الردعية. و هناك "البراعة" الإيرانية في نسج التحالفات سواء مع أحزاب تنطوي تحت مظلة "الشيطان الأكبر" في العراق؛ أو مع أخرى تناصب واشنطن العداء العقائدي في لبنان، جعلت جمعها للتناقضات الأيديولوجية في سياسة إقليمية تخدم مصالحها الوطنية مثالاً يومياً على براغماتية سياسية قلَّ نظيرها .و منذحينئذ توالت المبادرات الدبلوماسية و الدفاعية، بعضها حصلت بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، و بعضها الآخر على غرار المبادرة السعودية برعاية الملك عبدالله المتعلقة ب "حماس" و"فتح" التي عصمت دماء الفلسطينيين ووحدت الجبهة الفلسطينية.
و كانت الدبلوماسية الأميركية بقيادة وزيرةالخارجية الأميركية كونداليزا رايس قد خصصت الجزء الأساسي من جولتها للدفاع عن استراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الجديدة في العراق ، وزيادة المساعدة لإعادة الإعمار ،ونشر صواريخ مضادة للصواريخ من نوع باتريوت في المنطقة لحماية حلفاء الولايات المتحدة العرب المعتدلين،و تعزيز توافق الدول التي لديها مخاوف مما تفعله إيران في المنطقة،محذرة من أن الولايات المتحدة لن تبقى "مكتوفة الأيدي" في وجه التصرفات الإيرانية في العراق و الخليج.
ضمن هذا السياق جاء اجتماع وزراء الخارجية في دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن (مجلس التعاون +2) في كانون الثاني الماضي ، إذ تنوي واشنطن الاعتماد عليه لوقف تزايد نفوذ إيران في المنطقة. فمن وجهة نظر أميركية تهدف هذه المبادرة إلى تحسين التعاون في مجال الدفاع بين دول الخليج والمصريين والأردنيين و الولايات المتحدة الأميركية.
و إذا كانت إيران و لا تزال ترى أن جوهرالمشكل في الخليج هو الحضور الأميركي في المنطقة، وجود حاملة الطائرات الأمريكية "ستينيس" التي وصلت إلى المنطقة في أواخر فبراير/ شباط وعلى متنها 6500 بحار لتنضم الى حاملة الطائرات الأمريكية "ايزنهاور" ومجموعة سفنها القتالية، حيث يقول الأميركيون أن مهمة مجموعة الحاملة "ستينيس" تهدف إلى "دعم عملياتها الجارية في أفغانستان والعراق وتطمين شركائنا الإقليميين الى التزامنا في المنطقة"،فإن الدول العربية من جهتها، لا تنظر إلى هذا المشكل بنفس المنظار الإيراني، بل إنها تعتبر الولايات المتحدة الأميركية، و على الرغم من إخفاقها في العراق، الضمانه الوحيدة لأمنها ضد أي تهديد خارجي، بدءا من إيران.
وفضلا عن ذلك فإن القضايا الكبرى التي تواجهها المنطقة، بدءاً من الصراع العربي – الصهيوني ، ومروراً بالأزمتين العراقية واللبنانية، وانتهاء بشبح امتلاك ايران لسلاح نووي وطموحات الإقليمية ، تؤكد ليس فقط الارتباط الاقليمي البنيوي المستجد الذي أصبح يربط بين هذه القضايا، ولكن ايضاً امتداداتها السلبية سواء بشكل مباشر، أم عبر تفرعاتها وتجلياتها، وخصوصاً السياسية والايديولوجية والطائفية، إلى داخل المجتمعات العربية نفسها.
ويلاحظ المراقبون الغربيون أن هناك تطورا حصل لدى الزعماء العرب. في البدء، كانوا يعارضون أية مغامرة عسكرية أميركية ضد إيران ، لما يمكن أن تلحقه من أضرارتشمل المنطقة كلها .غير أن آفاق أن تصبح إيران قوة إقليمية مهيمنة، ومزودة بالسلاح النووي، ويقودها زعيم راديكالي مثل الرئيس أحمدي نجاد، دفع بعض الدول العربية إلى ضرورة دخول سباق التنافس الإقليمي لامتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية .
وتتحمل دول الخليج مسؤولية في تدهور الأوضاع الراهنة . فهي من ناحية ساندت بشكل قوي نظام الرئيس السابق صدام حسين خلال الحرب العراقية –الإيرانية الطويلة في عقد الثمانينيات ،و هي من ناحية أخرى لا تساند السلطات العراقية المحمية من قبل الولايات المتحدة الأميركية و إيران في الوقت عينه.
و بسبب عدم فاعلية دول الخليج العربي في تحقيق مسائل الأمن الإقليمي ، عزز هذا الوضع موقع إيران، وزاد من تبعية الدول العربية الخليجية تجاه الولايات المتحدة الأميركية.فالعرب القلقون من الإخفاق الأميركي في العراق، و الذين أصروا على اإدارة الأميركية برفض توصيات تقرير لجنة بيكر هاملتون، طلبوا من واشنطن تجديد التزامها اإقليمي.من هنا جاء نشر حاملة الطائرات الثانية "نيميتز" في مياه الخليج، إضافة إلى منصات بطاريات صواريخ باتريوت.
ضمن هذا السياق من سيطرة شبح الحرب الأميركية على الجمهورية الإسلامية ، أعلنت البحرية الأمريكية أن حاملة الطائرات "نيميتز" ستحل محل الحاملة "ايزنهاور" منتصف أبريل المقبل، تواكبها مدمرات وفرقاطات وصواريخ عابرة.
وتؤكد مصادر الاستخبارات الروسية أن القوات المسلحة الأمريكية المرابطة في الخليج أكملت تقريباً استعداداتها لتوجيه ضربة صاروخية ضد الأراضي الإيرانية،وأن اشنطن حددت لائحة بالأهداف المحتملة التي تنوي ضربها في إيران، وأشارت إلى أن المناورات العسكرية التي أجرتها حاملتا الطائرات الأمريكيتان "ايزنهاور" و"ستينيتز" في مياه الخليج تدخل في هذا السياق. وتضيف هذه المصادر أن الاستعداد العسكري الأمريكي في المنطقة وصل إلى المستوى الذي كان عليه في مارس/آذار عام 2003 عند غزو العراق، مما يعني أن هناك ضربة عسكرية وشيكة.
بيد أن هذا التأكيد الروسي على قيام أميركا بهجوم عسكري على إيران ، تقابله ، إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بتجديد عرضها على إيران للتفاوض حول تسوية دبلوماسية للمواجهة الحالية حول ملفها النووي، وقالت إن وجود قوة بحرية أمريكية كبيرة في الخليج حالياً لا يهدف إلى استفزاز طهران وإنما إلى تطمين الحكومات الصديقة في المنطقة.وعبر عن هذا الموقف مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز في شهادة أدلى بها الخميس أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، حين اعتبر أن "الخليج ليس بحيرة إيرانية".
وقد أكدت الولايات المتحدة ضرورة إعطاء الجهود الدبلوماسية “الوقت الكافي” من أجل تسوية الأزمة النووية مع إيران، وشددت على أن النزاع مع الجمهورية الإسلامية “ليس حتمياً وليس مرغوباً فيه”، واستبعدت روسيا ورئيس اللجنة الدولية حول أسلحة الدمار الشامل هجوماً أمريكياً على طهران. وقال الرجل الثالث في وزارة الخارجية الأمريكية نيكولاس بيرنز في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي" إن الغرب يجب أن يتحلى بالصبر حيال إيران، وأكد أن هناك وقتاً لتسوية دبلوماسية للوضع، وأضاف "لا يمكن الرد بطريقة انفعالية عند الحديث عن قضايا خطيرة". وأردف بالقول "إن وجهة نظرنا هي أن نزاعاً عسكرياً مع إيران غير مرغوب فيه، وبالتأكيد ليس حتمياً".
أرسل الى الوسط التونسية بواسطة الكاتب التونسي توفيق المديني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.