خبير في السياسات الفلاحية ل«الشروق» تشخيصنا لأزمات منظومات الإنتاج خاطئ    بطولة كرة اليد ...الترجي والافريقي ينتصران    مباراة كندا وتونس فضحت المستور ...تلفزتنا الوَطنية.. خطوة إلى الأمام و60 خطوة إلى الوراء    الذِّكْرَيَاتُ وَكْرٌ مَنْ لَا وَكْرَ لَهُ    سِرّ الكُرسي البُنّي    الجريمة جدّت بالجبل الأحمر .. الإعدام لقاتل صديقه بآلة حادة    بين ضغوط الأزمة ومحاولات الفتنة ..مصر تفعّل دبلوماسيتها لوقف الحرب    سأكتب عن العرب    عاجل: وزارة الفلاحة تحذر الفلاحين: انتشار 'الميلديو' في حقول البطاطا    كشفها حجز طنين بالعاصمة .. شبكة لسرقة النحاس وسوق سوداء للبيع    استعدادا لعيد الاضحى: شركة اللحوم تعلن..#خبر_عاجل    عاجل/ تنبيه: تحويل جزئي لحركة المرور لمدة ثلاثة أشهر بهذه الطريق..    توزر: أنشطة متنوعة لدعم قدرات المربين والتصدي للسلوكيات المحفوفة بالمخاطر في إطار مشروع ضمان حق التعليم للجميع دون تمييز    عاجل/ من بينها تخلي الأمين العام عن السيارة الادارية: قرارات هامة للمكتب التنفيذي الجديد للاتحاد..    قرار جديد من وزارة الصحة يضبط تركيبة اللجنة الفنية للإشهاد على استئصال شلل الأطفال والتحقق من القضاء على الحصبة والحميراء    ''بصمات الروح'': مغامرة فنية جديدة للفنانة التونسية عايدة نياطي    مندوب التربية بسوسة يكشف ملابسات محاولة اعتداء تلميذ على زميله داخل القسم    تعيين هذا الحكم لمباراة الترجي الرياضي وصانداونز..#خبر_عاجل    ترامب: سنخرج من إيران سريعا ونعود إذا لزم الأمر    القضاء الفرنسي يرفض تسليم حليمة بن علي إلى تونس    تصنيف فيفا: المنتخب التونسي يتقدم إلى المرتبة 44 عالميًا    عاجل/ اسرائيل تعلن اغتيال هذا القيادي البارز في حزب الله..    ترامب: النظام الإيراني طلب للتو من الولايات المتحدة وقف إطلاق النار    عاجل/ في ظل تواصل التقلبات الجوية: بلاغ تحذيري لمتساكني هذه الولاية..    مع التقلبات الجوية .. طبيب ينصح هؤلاء بتجنب الخروج من المنزل    بداية من اليوم: تعريفات جديدة لدخول المتاحف والمعالم التاريخية والمواقع الأثرية..وهذه التفاصيل..    جندوبة: الإعلان عن انتدابات جديدة لتعزيز القطاع شبه الطبي    من أفريل إلى جوان 2026..توقعات بتسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات..    "احذر الوقوع في الفخ اليوم..! القصة الكاملة ل "كذبة أفريل"..ولماذا يحتفل العالم "بالكذب"؟..    كونكت، تعرب عن "انشغالها البالغ" إزاء تداعيات المذكرة الجديدة للبنك المركزي التونسي    عاجل: طيران الإمارات تحظر دخول الإيرانيين للبلاد    عاجل/ ترامب يعلن عن هذا القرار..    كسوف الشّمس الأقوى في القرن...الوطن العربي على موعد مع ظاهرة فلكية تاريخية    ''موجوع...'': كلمة تونسية تفسّرها الدكتورة مزغنّي    شوف كان انت منهم: قائمة الفئات المستفيدة من ''الدخول المجاني'' للمتاحف التونسية    زيارة المتاحف: التذكرة الموحّدة للأجانب ستصل الى 70 دينار بداية من هذا التاريخ    عاجل/ الرصد الجوي يصدر نشرة متابعة ويحذر متساكني هذه الولايات..    وزارة الأسرة تفتح باب الترشح لنيل جائزة أفضل بحث علمي نسائي بعنوان سنة 2026    وين تنجّم تشوف الثلج في تونس؟ هذه أبرز المناطق    للتوانسة : ردوا بالكم يقولولكم حاجة و تصدقوها اليوم    الألماني "أندرياس فاغنر" يكشف عن حقيقة عودته لتدريب فريق أكابر كرة السلة للنادي الإفريقي    عاجل/ في ظل اغلاق المجال الحوي العراقي: سفارة تونس في العراق توجه نداء للجالية..    شوف سوم الخضرة،الغلّة واللّحم اليوم    التقلبات الجوية: أهم الظواهر المسجلة خلال ال24 ساعة الماضية وكميات الأمطار    تعادل سلبي بين تونس وكندا في اختبار ودي استعدادًا لمونديال 2026    مجموعات كأس العالم لكرة القدم 2026 بعد نهاية التصفيات    شهر أفريل: أهم المواعيد ..مالشهرية لنهار ''الفيشتة'' شوف وقتاش    عاجل/ قضية أحداث المطار: هذا ما قرره القضاء في حق سيف الدين مخلوف..    عاجل-حمدي حشّاد: قريباً ''التيار النفاث''...الصيف في أوروبا والبرد في المتوسط... شنّوة الحكاية؟    زيادة ب100 د : علاش الاساتذة متغشيين و أعلنوا الاضراب 7 أفريل ؟    عاجل/ رئيس الدولة يسدي هذه التعليمات..    ما تفوتهاش: عادة يومية بسيطة تحمي قلبك وصحتك    تراجع أسعار النفط دون 100 دولار مع تصاعد آمال التهدئة    بلدية تونس : التشاور حول استغلال "نزل الفرنسيس " في مشروع دولي لصيانة التراث العمراني    العراق يتأهل إلى كأس العالم 2026 بعد فوز مثير على بوليفيا    علاش رزنامة امتحانات الابتدائي تُثير الجدل؟    عاجل-خبير يكشف: ما يحدث في تونس ليس اضطرابًا عابرًا بل هو منخفض ''إرمينيو''    تُقَدّمُهُ الفنانة كوثر بالحاج بمشاركة يسرى المناعي: "دار العز" يعيد عز فناني الزمن الجميل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد حاذق ل«الشروق»: على المبدع مواجهة أنصاف المواهب
نشر في الشروق يوم 14 - 02 - 2011


أجرى الحوار: عبد الحليم المسعودي
لعلّه آخر الطوباويين، إنّه «الإمبراطور» أحمد حاذق العرف، المثقف التونسي والناقد المسرحي والإعلامي والنقابي، نشر كتابا يتيما في النقد المسرحي بعنوان «المسرح التونسي وعوائق التجاوز»، ولا يمكن لمؤرخ أو دارس في هذا المجال من تخطيه أو تجاوزه كمرجع فكري ونقدي ضروري، مدونته النقدية هي أكبر من هذا الكتاب مبثوثة في الصّحف وممتدة طوال أكثر من أربعين عاما... إنّه الشّاهد على الحركة الثقافية منذ سبعينات القرن الماضي، ومعلّم الأجيال الشرسة، يحتفظ بذاكرة مذهلة، والتماعات فكرية هي مزيج من الشّعرية العالية والذكاء الحاد، لم ينفصل عن الشّارع وهمومه و ظل في جهة اليسار من الجادة، وفي طرف الجادة من حيث الجدية كسخرية سوداء لاذعة... حلو الرّوح رغم الذبح المعنوي والاغتيال الرّمزي الذي ذاق حرارة مديته، سكين الإحباط واليأس المغروس في الظهر في ليلي العزلة والقهر. .. ولأنه كلّ ذاك و غير ذاك، تحاوره «الشّروق» لا في مجال اختصاصه كناقد مسرحي بل لأنه معنيّ بالهامش المتن الذي تمثله هذه اللحظة التاريخية الفارقة من الثورة. فكان هذا الحوار عن طبيعة الثورة و دور المثقف وعن المضاربات السّياسية القائمة الآن والأيديولوجيا والطوباوية وعن اللائكية و الإسلام السّياسي، فكان هذا الحوار.
يجمع الكثير على أن هذه الثورة التونسية قد فاجأت الجميع، و تحديدا فيما تعبر عنه هذه النخبة التونسية في خطابها عن الثورة، إلى أي مدى يمكن أن يكون الأمر صحيحا؟
فاجأتنا هذا صحيح. لأنه لطالما احتفينا بالثورات في الكتب وانتشينا على نخب انتصاراتها وتألمنا لخيبتها أو لانحرافاتها، إلا أننا هذه المرّة عشنا هذه الثورة الاستثنائية بكثير من الدّهشة والذّهول خصوصا بالنسبة إلى أجيال اكتوت بسنوات الجمر وثقّلت بالهزائم حتى كاد اليأس والإحباط يصبح خبزها اليومي. فوجئنا نعم لأنها تمت بسرعة قياسية لم تترك مجالا للتدبر في آلياتها وفي الأفق الذي تتجه فيه، ونحن الذين نعرف كم من ثورة التف حولها وطعنت من بعض صانعيها أنفسهم، وكم من ثورة أكلت أبناءها بسرعة عجيبة. فالثورات التي عرفناها أو قرأنا عنها في الكتب إنما تأتي بزعماء يقودونها و تصنع لها معجما جديدا بل وتغير نحو و صرفها.
إنها ثورة استثنائية جعلتنا أمام حيرة كبيرة في كيفية تصنيفها وفي استشراف المآل الذي يمكن أن تؤول إليه. إنها ثورة انخرطت في صلب الحداثة بما أفرزته من زخم معرفي ووسائط جديدة في التواصل بل و في كيفية صياغة الخطاب.
كان لينين يقول في كتابه « ما العمل؟» يقول: «من يملك جريدة يستطيع أن يجر وراءه الجماهير الغفيرة»، فالفرق جلي بين جيلنا الذي عاش على المناشير توزع بسرية كاملة وببهجة مشوبة بالمخاوف، وبين هذا الجيل الجديد الذي ترعرع بين أحضان الأنترنات وال«فايس بوك» وغيرها من الوسائط الحديثة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة.
هي ثورة استثنائية بمقياس آخر لأن شرارتها الأولى اندلعت من حادث عابر ( Un fait divers ) و لكنه حادث اختزل و كثف ما تراكم من السنين الطوال من الأحلام والخيبات التي اكتوى بها جيلنا حتى كاد يقنط من أي بارقة أمل، بل كاد ييأس من هذا الشّعب بأسره وقدرته على صياغة التاريخ بصورة أو بأخرى وأصبح الأكثر تفاؤلا منا مكتفيا بترديد الشّابي: «يا ليتني كنت حطابا فأهوي على الجذوع بفأسي...» ومع ذلك فإن الشّباب الذي كان في مقدمة من كان في هذه الثورة غير متنكر لما اختزله هذا البلد الحبيب من تراكم معرفي وتضحيات جسام قادها شباب قبله، أي أنه ليس بالجيل اليتيم القادم من الفراغ أو العدم.
إنها ثورة أكدت مرّة أخرى أن الشّعوب قد تنام و لكنها لا تموت فتظل كالأشجار واقفة مهما كان القهر والقمع و تنوّع العسس والحرس و اللصوص وأكدت أيضا كيف يستطيع الجيش الوطني حليفا لشعبه منتصرا له لا كما قال نيرودا Neruda « إن الإطاحة بالزّعيم العظيم سلفادور ألندي S. Allende مرة أخرى يخون الجيش التشيلي شعبه»... فلم يعد هذا الجيش التونسي الوطني يقاد لتأديب شعبه.
من هنا فإن هذه الثورة قد أربكتنا جميعا مثقفين وساسة في تحديد هويتها وكيفية أن نكون فاعلين فيها قادرين على المضي بها إلى شاطئ الأمان وصيانتها من الانتكاس والارتداد والنكوص وجيوب الرّدة متعددة الواجهات. فهذه الجيوب متنفسة في النسيج المجتمعي ولا بدّ أن نكون حذرين مما يتربص بهذه الثورة الغضّة من ذوي الأطماع الافتراسية، وفي هذا السّياق لن ننسى كيف أن الجنرال نابليون بونابرت جاء لإنقاذ الثورة الفرنسية المجيدة ثم تحوّل بعد ذلك إلى طاغية برتبة إمبراطور. ولنتذكر دوما ما يقوله الشّاعر الكبير محمود درويش « الكراسي المآسي. فإما الكراسي وإمّا الممات»، فلتكن ثورتنا التي أزاحت الخوف من المحيط إلى الخليج وأعادت إلى تونس ريادتها وبهاءها واخضرارها المستديم. ولتكن ثورتنا منارة للقادمين وحصنا منيعا لمقوّمات الفكر المستنير والعقلانية الرّصينة وكل المقوّمات التي يكون بها المواطن مواطنا بعيدا عن أشكال الوصاية والتدجين واستبطان الخوف المعمّم، تلك هي المواطنة الحقة التي يمكن أن نفخر بها ونفاخر، ثورتنا نريدها أن تكون نبراسا يكنسُ كل أشكال الظلامية و التقهقر و الانحطاط.
نتفق على أن النخب قدمت طوال عقود من جهدها ونضالاتها وهو ما ندرك أنه تراكم أوصلنا إلى تحقيق هذه الثورة من منطلق أن الشباب الجزء الظاهر في الصورة لهذا التراكم النضالي. هل يمكن أن نحدد اليوم رغم ضبابية المشهد وانفلاته الجمالي تحديد دور جديد للمثقف ؟
أوّلا، إنها هذه الضبابية هي من طبيعة هذه الثورة التي كاد أن يكون تحققها بمثابة المعجزة. بل و يمكن أن نعد من خصائص هذه الثورة قدرتنا على تحريك الحسّ المدني في شتى المجالات و على قدرة مجتمعنا أن يستوعب متطلبات الرّاهن بسرعة و أن يمضي قدما في الدّفاع عن نفسه بنفسه دون اللجوء إلى أطراف خارجة عن نسقه و ما راكمه من نضالات داخل مؤسّسات أنجزتها دولة الاستقلال و إن تمّ إفراغها من محتوياتها و من فاعليتها لسّنين طوال.
لئن كان الإنفلات الأمني طبيعي في مثل هذه الظروف الاستثنائية، لكن استمراره يشكل خطرا كبيرا على الثورة واستمرارها في سيرورتها وصيرورتها. بل وعلينا أن ننتقل من الانفلات الأمني إلى الإنفلات الجمالي. فالثورة هي أوج الفرح وهي جمالية أخرى وجماليات متعددة ينبغي على الشارع أن ينبض على إيقاعها من هنا فصاعدا. فما جدوى ثورة لا تطلق العنان للخيال حتى يصبح هو نفسه هو السلطة. بتفجير القرائح وتوسيع المدارك و الارتفاع بالذوق والذائقة نحو مزيد من رهافة الحس ويناعة الوجدان.
صحيح أن العقود التي مررنا بها من دولة الاستقلال إلى الآن لم تفسح المجال شاسعا كي تتحقق هذه الطفرة الرائعة إذ ضللنا نراوح بين تعبيرات جريئة وجسورة ولكنها سرعان ما تنطفئ جذوتها وتدخل صقيع التكرار واللوم على قارعة المنجز. وأخرى تكرّس الرّداءة إلى حدّ الموت و القرف حتى تجعل منجزتنا الإبداعية تعيش انقطاعات دائمة لا تؤسس لفعل جمالي أرقى جعلنا نعود دوما إلى قولة الشابي « يئست من المشاريع التونسية».
ثانيا، لأننا خرجنا من الزّمن البورقيبي بنبرة مأساوية تختلط فيها الحداثة بالعكاظيات، فإن فضل السّنوات التي مرّت علينا، قد هيأتنا إلى النمط الكرنفالي في السّلطة وأعادتنا إلى رابلي Rabelais وأدرجتنا ضمن الرّواية الواقعية السّحرية في أمريكا اللاتينية من باب «ليس للكولنال من يكاتبه» أو «خريف البطريق» وغيرها من الخرافات السريالية والسّراويلية.
ثالثا، يقول أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci «إن بناء مصنع أيسر من تغيير ذهنية»، وهنا يأتي دور المثقف في أن يذهب بعيدا في التساؤل والمساءلة وتكريس الشك والحيرة، ويأتي كذلك دور المبدع الذي عليه أن يذهب إلى الأقاصي في مغامرته الإبداعية الشّاقة والخلاقة، فالدرب مازال طويلا أمام المبدع والمثقف بصفة عامة كي يتخطى المسامير الخشنة التي زرعت في الدرب طول العقود الطوال، كي يقاوم الأرواح الميتة على حد تعبير غوغول Gogol وأن يواجه طوابير من أنصاف المواهب والكتبة الذين لا يربطهم بمشاغل الشأن العام إلا ربطة العنق وضيق الأفق و التمسح على الأعتاب من باب «اخلع نعالك يا أبتي...».
ولعل من مآثر هذه الثورة بل ومهمتها العاجلة قدرتها على الفرز بين هذه الطوابير المختلفة من المهرولين الجدد والقدامى نحو ما تبقى من فتات الموائد وهم الذين يمتازون بقدرة خارقة على إلغاء ذاكرتهم بسرعة أو وضعها في ثلاجة مؤقتا. لذلك يا صديقي أصارحك إن هذه الثورة قد عسرت دور المثقف و فرضت عليه جهدا ومجاهدة إضافية كي يخرج من المسالك المعبدة ويكون في مستوى اللحظة التاريخية التي دشنها شعبنا.
خارج المضاربات السّياسية الآن و مستقبلا، كيف ينظر أحمد حاذق العرف و هو المنتمي إلى اليسار فكريا و العمل النقابي ممارسة لملامح المجتمع التونسي ما بعد الثورة، بعبارة أخرى هل يمكن أن نرسم حدا أدنى لجملة من المطالب التي تحدد طبيعة هذا المجتمع التونسي ؟
الشيء الأكيد أن الكلّ في مأزق الآن ولا نستثني أحدا أحزابا أو منظمات أو من الشّخصيات السياسية القديمة أو الجديدة. لسبب بسيط أنهم لم يذهبوا إلى الثورة إلا في الهزيع الأخير من الصّياح. وكأنما أتتهم الثورة منقادة كي يقتسموا غنائمها أو على الأقل امتطاء موجات فاقدة للجسور. ونخشى أن يكون هذا التهافت المحموم أن يتحوّل إلى ضرب من ضروب الاغتصاب للثورة وإلى القيم التي رفعتها. فما تراكم عبر السنين من ممارسات فيها الكثير من المساومة بل وبعض التنازلات المخجلة و الحسابات الضيقة وقصيرة المدى، ليس من السّهل كنسه بين عشية وضحاها. وليس من السّهل أيضا الخروج من هذا المأزق إلا حين يأخذ هذا الشّباب الذي قاد الثورة مصيره بيده دون أن يعوّل على آبائه وقد بلغ بهم العمر عتيا ولتكتسحوا الفضاء العام الذي حرموا منه من أجل إرساء الفضاء العمومي. فللدّكاكين السّياسية عقول... «ما هكذا تقاد الإبل يا سعيد»... «ونحن نعرفها تلك الشطآن». صحيح أنهم لم يخوضوا حربا و لكنهم مصرون على المشاركة في غنائمها ومجالسها وهذا أمر مربك للجميع.
إن هذه الثورة قامت على مطالب أساسية هي الشغل و الحرية والكرامة الوطنية ولكنها بعد ذلك فاضت على شعاراتها لتنخرط في مقومات الحداثة بما تتطلبه من تكريس لحس المواطنة وإرهاف هذا الحسّ وذهبت بعيدا لإرهاف هذا الحسّ عن أية متاجرة سياسية، فهي عفوية انطلقت وارتقت بالخطاب والممارسة إلى ما يشبه اليوطوبيا، واليوطوبيا ضد الأيديولوجيا المتكلسة والمتقوقعة على نفسها لتطلق جماح الرّغبة التي لا يمكن بدونها أن تكون الذات ذاتا محصنة من أشكال الاغتراب والذّهان والعُصاب.
هناك أبجديات لا يمكن التنازل عنها و بها يستقيم النظام الجمهوري الذي يجعل من الدستور فيصلا بين السلطات و أن يكون هذا الدستور مثار احترام و تقديس لا أن يكون مجرد كساء يتسع و يصوغ حسب بدانة الحاكم أو نحافته. و ليس أمامنا إلا أن نتسلح بالتفاؤل لأن هذه الثورة أعادت الأمل لمن لا أمل له.
بما أننا في دائرة السّياسي، لطالما انشغلت النخب السّياسية والثقافية منذ تأسيس الدولة الوطنية ببلورة على الأقل نظري بمشروع المجتمع اللائكي الذي يفصل فصلا قطعيا بين الدّين و الدّولة، و قد اتضحت في أذهان شقّ من اليسار ضرورة الاعتراف بالإسلام السّياسي و حقه في التواجد على الخريطة السّياسية. و بالمقابل ثمّة شقّ من هذه النّخب عبر عن تخوّفه من هذا الإسلام السّياسي، كيف ترون من زاوية شهادتكم عن الحراك السّياسي في تونس إلى حضور هذا الطيف السّياسي ؟
هذا سؤال جوهري في ما ستؤول إليه هذه الثورة، جوهري ومفصلي في نفس الوقت.
لا ننسى أن دولة الاستقلال قد لوّحت بمشروع لائكي ضمن شروط تاريخية لم يكن المجتمع التونسي مهيئا لها. ولا بدّ من زعيم كبورقيبة ومن حوله نخبة من الصادقين لكي يمرّروا هذا الخطاب اللائكي ولو في ضبابية تحتكم إلى ميزان القوى السّائد آنذاك وتحاول في نفس الوقت أن تتخطاه إذ لا ننسى أن الدستور التونسي في فصله الأول يقرّ بأن تونس دينها الإسلام و العربية لغتها ولكن هذا الدستور نفسه يقرّ في نفس الوقت بحرية المعتقد وقد لعبت كريزما بورقيبا في أن يذهب إلى صياغة لائكية هجينة تحققت بفضلها مجلة الأحوال الشخصية كمكسب كبير ما زلنا نستند إليه إلى حدّ هذه اللحظة، كما أن بورقيبة هو الزّعيم العربي الوحيد الذي جاهر بالإفطار في رمضان باسم صيغة رشيقة اسمها الجهاد الأكبر، نحن الآن من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وما يعنيه من الذّهاب والإنكباب على العمل أساس التنمية، وكنا ونحن تلامذة مجبرين على الإفطار مقابل الإنكباب على الدراسة والكد المعرفي، إلا أن الرّياح جرت بما لا تشتهي السفن فبعض هذا الإرث اللائكي سرعان ما التفت حوله قوى مشبوهة لإفراغه من محتواه عوضا عن التقدم به أشواطا أخرى ضمن أفق الحداثة والتحديث التي طرحتها دولة الاستقلال نفسها.
لا ننسى أيضا أن المدّ الإسلامي بدأ أساسا بجمعيات حفظ القرآن الكريم ليصبح جزءا مخططا له من قبل حزب الدستور الحاكم قصد ضرب اليسار و محمد الصياح مهندس هذا المخطط. خسر اليسار بعض المعارك لتقوم على هزائمه الحركة الإسلامية و قد ساهم الظرف العالمي في توسيع هذا المد إثر انتصار الثورة الإيرانية ( لا ننسى أن مفكرا فذا كميشال فوكو Michel Foucault ساند هذه الثورة ) من هنا دخل الإسلام السياسي اللعبة السياسية، و لا يأتي التعريب الذي قاده محمد مزالي بتعريبه للفلسفة و حفظ النصوص التي كانت تدعو إلى الشك بنصوص تلقينية إلا ليفرغ الفلسفة من محتواها الجوهري مرفقا إياها بتفكير إسلامي عقيم.
لذلك تورط النظام القائم على الحزب الواحد و تزامنا مع شيخوخة بورقيبة في ما أنشأه هو نفسه و تلك هي مأثرة الدكتور فرانكنشتاين. .. ولأن حكومة مزالي قد دشنت مشروعا من الرداءة أصبح التنفس اليومي للمجتمع التونسي وأضحى تبعا لذلك الإسلام السّياسي طرفا في اللعبة السّياسية الكل يطلب وده.
وجاء 07 نوفمبر بالوعود الكاذبة التي أعلنها في بيانه الشّهير والذي انتهت صلاحيته يوم 08 نوفمبر ليتخذ من مجابهته للتيار الإسلام السياسي حصان طروادة، فزج بزعمائه في السّجن درءا لخطرهم و الذي انساقت وراءه القوى اليسارية نفسها، فكان باسم مقاومة هذا التيار أن زجّ بالمجتمع في سجن مفتوح. في هذا الخضم طرحت مسألة فصل الدين عن الدولة و رفعها رجال مثقفون كالطيب البكوش مثلا (انظر نص مفهوم فصل الدين والدولة للطيب البكوش في جريدة البطل). والتي تستفيد منها الدّولة والدّين في نفس الوقت، لذلك فإن هذا الطرح مازال قائما بل بأكثر حدة إزاء الخطاب المخادع والمخاتل لهذا التيار تيار الإسلام السياسي و تلوناته.
لا شك أن هذا التيار استفاد كثيرا خلال إقامته في الغربة وإقامته في بلدان غربية ديمقراطية لها تاريخ في الممارسة الديمقراطية. واستفاد من هذه الآليات الديمقراطية فمن الغباء والحمق تصديق الشعارات البراقة الموضوعة الآن. لأن المسيحية بتجربتها المريرة وحروبها الدموية التي أخرجتها من القرون الوسطى لم تستعد هذا الحضور إلا حين انفصلت عن الدولة، فللدولة شؤونها وللدين شؤونه، وفي ذلك درء للخلط و نحن مع الممارسة الدينية النقية كما نحن مع الممارسة السياسية الصارمة بناء على القاعدة المأثورة ما لقيصر ما لقيصر وما لله لله.
صحيح أن هذا المطلب فصل الدين عن الدّولة و في ظل الجغرا- السياسية السائدة لا يخلو من صعوبة و من مناورات جهات عدة لكنه قابل للتحقيق إذا احتكمنا إلى فلاسفة الأنوار مثل ديدرو أو مونتسكيو أو في التراث الفلسفي العربي كابن رشد. نحن نمر بمخاض صعب وعلى كل الأطراف التقدمية والعقلانية أن تتدبر مثل هذه الأمور التي لا تحتاج الكثير من التأجيل حفاظا على هذه الثورة الاستنائية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.