ان انسى لا أنسى ذلك المشهد البديع للاستعراض العسكري الكبير الذي كان جرى بشوارع بغداد خلال صائفة سنة 1990 وبالتحديد قبيل قيام أزمة الخليج الأولى وتولت الفضائية العراقية نقله مباشرة انذاك وأضفى عليه المزيد من الروعة ظهور الرئيس صدام حسين ضمن افراد القوات المسلحة ممتطيا جوادا أبيض اللون وهو يتبختر في مشيته كما لو أنه قد أحس أنه يحمل على ظهره واحدا من خيرة قادة هذه الأمة العربية المجيدة. وهو المنظر الذي أعطى الانطباع بأن بلاد ما بين النهرين انما هي بحق على أهبة الاستعداد لاستعادة عصر هارون الرشيد بربوعها واحيا لدى الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج الآمال العريضة في لم الشمل وقيام الوحدة بينها من أجل ترتيب البيت العربي وتحقيق المناعة والازدهار بأرض العرب قاطبة. وما تجدر الاشارة إليه بهذه المناسبة هو ان الرئيس صدام قد كان قدره وهو يتسلم مقاليد الحكم وزمام الأمور بالعراق أواخر السبعينات من القرن المنقضي ان يواجه الكثير من المعارضين له من العملاء بالبلد وكان لابد له لغرض تأمين النجاح لمشروعه القومي، من التصدي لهم بكل حزم وعزم شأنه في ذلك وما بالعهد من قدم شأن البعض من نظرائه الرؤساء العرب أمثال جمال عبد الناصر بمصر.. ثم يشاء القدر أن يجتاح العراق دولة الكويت فيتصدى لهذا الحادث الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب انذاك ليدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور دفاعا عن الشرعية الدولية التي تقتضي مبادؤها منع الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة (وهي قضية حق أريد بها باطل) وذلك استوجب قيام تحالف دولي لاخراج القوات المغيرة من الكويت غصبا. واستنارة برصيد مشاعر العداء الأمريكي نحو العرب الذي ظل يتراكم منذ ثورة جويلية 1952 بمصر حتى ساعة انهيار الاتحاد السوفياتي في شهر ديسمبر 1991 قد احسست بالخطر الداهم لا على العراق فحسب بل على الأمة العربية كافة ورأيت ان لا مندوحة للتوقي منه إلا أن يسعى الحكام العرب لسحب البساط من تحت اقدام ذلك التحالف وليس أمامهم من سبيل لانجاز ذلك إلا أن يتنادوا إلى عقد اجتماع فيما بينهم حالا يعلنون اثره اتفاقهم على قيام الوحدة بينهم وانتهاء الخلاف الحاصل بين العراق والكويت نتيجة المصالحة بينهما وتبعا لذلك مطالبة القوات الحليفة المعسكرة بالمنطقة بمغادرة المكان. واستمر التوتر على أشده بمنطقة الخليج العربي حتى اندلاع الحرب التي كان من نتائجها خروج القوات العراقية من الكويت وضرب الحصار على العراق الذي لم يكن ليرفع عنه إلا بعد انتهاء الحرب الثانية التي شنها عليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بتهمة امتلاكه للأسلحة المحظورة لم يثبت لها أثر حتى الآن وبرغم ذلك استمرت تلك القوات المغيرة على العراق قابعة على أرضه إلى الآن وهي تلوح باعتزامها الاضطلاع بمهام أخرى تنتظرها هناك وتتمثل برايها فيما اسمته (تشكيل الشرق الأوسط الكبير). وحينئذ فقد تبين بما لا يدع مجالا للشك ان هناك نية مبيتة ضد الأمة العربية لدى اعدائها لعرقلة مسيرتها التنموية واعاقتها عن التقدم وذلك ما يستحث الدول العربية على العمل لاحباط هذا التوجه الآثم والحيلولة دون تنفيذ تلك المخططات العدوانية ضد الأمة العربية ورسم خطة مضادة لذلك كفيلة بوضع حد لهذه العنجهية الأمريكية وحل كل المشاكل لا في العراق فحسب بل في فلسطين وسوريا وغيرها من البلدان العربية الأخرى تتمثل في الاسراع بإقامة الوحدة العربية المنشودة التي قد طال عليها الأمد وكان غيابها سببا في استضعاف الأمة العربية وتطاول اعدائها على أبنائها وهضم حقوقهم حتى انتهى بهم الحال إلى ما هم عليه من هوان وذل. وذلك اقتداء بالاتحاد الأوروبي الذي بادر في المدة الأخيرة الماضية وعقب تفوه الوزير الأمريكي للخارجية كولن باول بعبارة «أوروبا العجوز» باستكمال بقية الدول الأوروبية صلب منظومته تعزيزا لجانبه وتحسبا لتقلبات الزمن ما حدا بالمناوئين لأوروبا والمستهزئين بها إلى مراجعة موقفهم منها والتودد إليها والتقرب منها. ان اقامة الوحدة العربية المنشودة قد أضحى مطلبا على غاية من التأكد لتأمين مستقبل الشعوب العربية ودعم مناعتها وهيبتها وذلك ما يتحتم على الحكام العرب ان يجدوا دون هوان لانجازه في أقرب وقت ممكن.