هذه الخلافات التي تشق الاحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة والتي ستتناسل منها قائمات مستقلة، هي امر طبيعي، إذ يوجد بون شاسع بين الافكار وبين المواقع. وعندما سنحت الظروف في تونس، وانعقد العزم على تشريك المعارضة في المؤسسات الدستورية، وفي بعض هياكل الدولة الاخرى، كان بالنتيجة أن يحصل تحوّل في النظرة للعمل السياسي وأن يسعى كل فرد أن يضمن له مكانا وموقعا يستطيع من خلاله ان يفيد ويستفيد! وتلك هي طبيعة العمل السياسي، وذلك هو مآله في الاخير. يتطوّر الفرد فيه من مناضل مثالي، الى مناور شرس ان اقتضت الضرورة ليّن إن قضت بالعكس. وبالتالي فإن هذا الذي يحصل عند احزاب الضفة الاخرى، ليس بالضرورة دليل أزمة وإنما هي طبيعة حراك تعرفها كل الاحزاب التي تبحث عن موقع، وترنو الى مكان تحت قبّة برلمان او سطح مجلس. لكنّ هذا الامر يصبح دليل ازمة في حالتين فقط: عندما لا تستطيع الاحزاب المعنية به ادارته ادارة صحيحة، وأن تنظر اليه وكأنه مؤامرة او اعلان حرب. عندما تكون الاحزاب وهنة وصغيرة الحجم بحيث كلّما تقابلت مصالح رموزها وتياراتها انقطع فيها التيار ولم يعد يمرّ.ويخشى كل مراقب للمشهد السياسي رغم طبيعة الحراك نظريا ان يجزم بأن احزاب العارضة في تونس لم تنضج بعد لا على مستوى الكم خصوصا ولا على مستوى الكيف عموما لادارة مرحلة ما بعد المثالية، والتحكم في سباق نحو مواقع عزيزة وغالية فحجمها معروف ومكشوف رغم مثابرة البعض، واعتبار ترديد هذه الحقيقة مسعى لمزيد وضع العصي في عجلاته. ثم إن طبيعة ادارتها للاختلافات التي يمكن ان تحصل، كانت دائما متشنجة بل واقصائية في اغلب الاوقات. ففي عرفها يدل الاختلاف بالضرورة على معركة وجود، وفي ثقافتها يعني التقابل منطلقا لا انشقاقا! وبالنظر الى ما عوّدتنا به هذه الاحزاب، وتأسيسا على سلوكياتها الماضية يعسر جدا لاي مراقب أن يتصور بأن هذه الاحزاب ستبقى على وحدتها قبل وبعد موعد الانتخابات التشريعية، وهو ما سيؤثر ليس على هذه الاحزاب لوحدها، وإنما ايضا على ثقل ووزن المجتمع المدني ككل الذي يحتاج بلا جدال الى مزيد تنمية مكوناته وليس الى مزيد التقهقر بها. هذا بالاضافة الى تلك الاسطوانة المشروخة والموضة القديمة التي تأبى عندنا الا تحميل السلطة تبعات ما يحدث عندما وعد الاخرين حتى اذا كانت اخر من يعلم. وبالتالي يصبح لزاما على كل طرف أن يتحمّل مسؤولية ما يجري وما سيجري عنده، وأن لا يوحي لا بأن السلطة معه ولا بأنها ضده. فهذا شأن حزبي داخلي، وأمر يخص طرفا معيّنا وليس كل الاطراف، ومطلوب من الجميع ان يدلّل على نضجه وأن يبرهن على قدرته. فذلك هو الشرط الوحيد لدعم المجتمع المدني وتلك هي التميمة الوحيدة التي يمكن لها أن تدفع بالمسار الديمقراطي الى الامام.