بقلم: الاستاذ جمال الدين بوغلاب يُحكى ان الاحداث الكبرى تمر في «بهتة» وتعظم الصغائر في «نزوة» وبين هذه وتلك لابد من وسيلة بدل الحيلة، وفي «صحاح» اللغة عرّف الفقهاء «البهتة» و»البهتان»، يقال «بهت الرجل اي كذب عليه» والبهتان هو الكذب الشديد الذي يثير الدهشة، وكثيرا ما سمعنا عن «البهتة» في المقابلات الرياضية لتسير الهزائم وحتى التلاميذ والطلبة تسأل بعضهم عن سبب الاخفاق في الامتحان فيقال لك «إنها البهتة»: علمت الشيء وفقدت حسن التعبير عنه ولكن وللحقيقة فاني لم اسمع الا في زمانا هذا عن «البهتة» التي تضيع الارض والعرض والاوطان حتى قال أحدهم: لقد ضاعت منا فلسطين في بهتة من أمرنا ومن قبلها ضاعت معاقل ومواطن عزة وبالأمس ضاعت عاصمة الرشيد وتاهت قافلة «النخوة» لأنها تنكبت من السبيل، والخشية ان نكون قد أصبنا بداء «البهتة» وهو ما يدعو الى طرح سؤال: أهو مرض جديد؟ وهل طريقه العدوى؟ وان صادف وصدق التخمين هل له من شفاء؟ «البهتة» اصابت منا ذاكرتنا الجماعية فاستحلنا الى أمة مستهلكة نجتر «مقولات» غيرنا ونتدافع انبهارا «بالآخر» وبأسنا بيننا شديد، أكاد أقول أننا أمة استقالت عن انتاج المعرفة فتخشب منا غالب العقل ونهضت فينا «الغيبيات» التي لا هي بالزهد ولا بالورع ولا بالعزوف بعد «شبع» وفهم وليس كل مغادر لميدان او قائم من على مائدة دال على «التمام» و»الاستكمال».فقد يغادر الميدان لاعب بعد ان أدّى دوره بامتياز وقد يغادره آخر بعد «إجهاد» وقد تجد المغادر بسبب الفشل. وقد يقوم من على مأدبة الطعام جائع لم يفقه طريقة «التعاطي»!! عندها يصبح الظاهر «خديعة» و»التورع» قبحا والانتحال على المعرفة فجورا وصناعة اللفظ المنمق قصورا، ألم نسأل النفس يوما لماذا تتقهقر لغتنا في عالم اليوم ويعزف عنها حتى أبناؤها؟ أخشى ان تكون «أعراض البهتة» قد طالت جوهرنا وكلست شكلنا فمن حرص على «ابداع انتاج العقل الى إطالة الذقن؟». ولأنني أفقه بعض الشيء في القانون أتوجس من اثر اضافة مصطلح جديد للقانون الدولي والقانون الانساني وهو «البهتة» مما يحدث وبمن يحدث، لانك لا تملك الا ان تصاب بالبهتة حيال الصداع المزمن الذي يجابهك به «العالم المتحضر» من دروس في أفانين الحرية والانسانية والثقافة الكونية وتساوي الثقافات وخلع مجتمع المؤسسة الدينية لصالح المؤسسة الدستورية. فاذا بالموجود فجور» قول وسطوة «معتقد» ونكران الآخر واستعداء واستعلاء حتى أضحت «صفوتهم» تضيق ذرعا بالكلمة الأخرى بل تعد المخططات لإلغاء الآخر ونحن أمة «الضاد» على رأس القائمة وعنوانها الأبرز، فهذه المؤامرات تحاك على مهل ضد «أرض الله» مركز الكون العربية السعودية او ليست كذلك بقرار الهي منذ النبوة الأولى و»سوق عكاظ». ففي اللحظة الزمنية التي تكون فيها هذه البقعة من الأرض مركز الدنيا وقبلة أكثر من مليار انسان في العالم تطلع علينا وسائل الاعلام بتحذيرات من مغبة السفر الى هناك. وهي مسألة غاية في الخطورة لأن المستهدف ليس المكان كجغرافيا بأهلها وقاطنيها فحسب بل ب»كل» الأمة المتوجهة الى هناك انها الدعوة الى القطيعة معنا جميعا بل أكثر من ذلك فهي التهيئة والاعداد «لبهتة» وخوف جديدين يسهل بعدها تمرير أي عدوان او قرار قد يكون أتخذ أو في طريقه ليكون ويزداد التوجس رسوخا حينما تأتينا «الأنباء» عن حملة شعواء لاقفال «الأكاديمية السعودية ببون»، وقد تتوالى الخطوات والمبادرات من أجل محاصرة كل مظاهر وفضاءات «العروبة» في الغرب وقد دلت كل المؤشرات التاريخية وتجارب الماضي ان السكوت على السابقة الأولى انما بداية لسلسلة عدّ للقادم، ولهذا جازت الخشية على الأجيال الجديدة ومؤسساتنا هناك، وان بدت لنا غير معنية اللحظة بمثل هذه القرارات، فلابد من التحرك العقلاني الديبلوماسي لقطع الطريق عن هذه التداعيات، وحتى لا نقول غدا انها «بهتة» يا ليتها ما كانت. وبالمحصلة لم يبق لنا للاتقاء من آثار دهشة البهتان وصخبه الا الاحتماء بالداخل وعدم الاستهانة به والرهان على ارهاصاته حتى لا نصاب ب»البهتة» ففي وطننا أكثر من سبب للعقلاء للتشبث بمشروع الصحوة الجديدة ولان ذكرى «التغيير» قادمة فلا بد من إعادة صياغة السؤال حول آفاق المشروع والانصهار بقناعة وتعنت من أجل ان تتمادى المسيرة فصمام الامان يكمن في صدقية الجبهة الداخلية والتمترس خلف انجازاتها وثوابتها والانطلاق بها ومن خلالها الى «الأمل» من أجل انتاج مجتمع العقل الناجز، ومؤسسات النبوغ واشاعة سلامة العقل والارادة فقد اختلف معك عزيزي القارئ ولكنني لن أدخر أي ذرة من عقل او فعل من اجل ان تصدع برأيك وتتاح لك مساحة للفعل، وليس كل مسكوب بمشروب.