في هذا الجدل السّياسيّ الكبير الذي تملأ أصداؤه أعمدة الصّحف وبرامج القنوات التلفزيونيّة يبدو صوت المثقّفين ضعيفا، خافتا، قاصرا عن لفت الانتباه إليه. فلا صوت يعلو هذه الأيّام على صوت أهل السياسة...فهؤلاء ،دون سواهم، يملؤون بحضورهم الغامر المشهد الإعلاميّ فيما يتضاءل حضور أهل الثقافة إلى حد ّالصّمت ،إلى حدّ الغياب . هذا الانسحاب ،انسحاب أهل الثقافة من هذا الجدل، أفضى إلى نتائج كثيرة لعلّ أهمّها اختفاء المسألة الثقافيّة من معظم برامج الأحزاب السياسيّة أو اختزالها، إن وجدت، في بعض الأفكار العامّة التي لا تفي بحاجة المتابع أو تجيب عن أسئلته الكثيرة....لكأنّ الثقافة باتت، في هذه الظروف التي نمرّ بها، ترفا يمكن الاستغناء عنه...لكأنّها باتت هامشا أو نفلا زائدا. فليس غريبا بعد هذا أن يهمل رجال السياسة في كلّ حواراتهم ومداخلاتهم المسألة الثقافيّة فلا ينعطفون عليها بالنّظر والتأمّل... قد لا أضيف جديدا إذا قلت إن ّكلّ برنامج سياسيّ لا يقوم على مشروع ثقافيّ مخصوص برنامج ناقص، بل ربّما أذهب إلى القول إنّ المشروع الثقافيّ هو الذي يضفي على البرنامج السياسيّ معنى.. وهو الذي يمدّه بأسباب الحياة... فالثقافة ليست فرعا من فروع شجرة السّياسة الكثيرة وإنّما هي الأرض التي تنمو فيها هذه الشّجرة وتزكو. ثمّ إنّ مستقبل البلاد ،أيّ بلاد ،لا يصنعه رجال السّياسة فحسب وإنّما تصنعه كلّ الفئات ومن بينها فئة المثقّفين ...لكنّ هذه الفئة آثرت الصمت ترفّعا أو تمنّعا أو بحثا عن سلامة موهومة....لكأنّ هذه الفئة مازالت سادرة في حلمها لا تريد أن تتلطّخ يداها بطين الواقع ووحله فاستطابت ّوظيفة الشّاهد على الأحداث يبصرها ولا يتورّط فيها... ينبغي الإقرار بأنّ المثقّف التقليديّ صاحب المعرفة الواسعة الذي خُصّ بقوّة خارقة تجعله قادرا على هتك حجب الغيب ورؤية مالا يراه الآخرون قد اختفى الآن ...فالمثقّف الحديث ليس نبيّا مخصوصا برسالة ،وليس رائدا أو مستكشفا يستدلّ بحدسه ليفتح الطريق للنّاس يقتفون خطاه ، وليس الفادي المخلّص الذي يقدّم نفسه قربانا للحقيقة، وليس العلاّمة الذي يعرف الإجابة عن كلّ سؤال ... كلا المثقّف الحديث لا يمتلك أجوبة بقدر ما يمتلك أسئلة ، ومن ثمّة لا يقدّم معرفة وإنّما ينتج حوارا ...أي أنّ المثقّف الحديث ليس الملهم والمؤسّس وإنّما الشّريك والمساهم ...فهولا يسعى إلى الاستئثار بالحقيقة وإنّما يسعى إلى تنسيبها. لهذه الأسباب مجتمعة لا يرضى أن يكون أمام الآخرين أو خلفهم وإنّما يريد أن يكون معهم....لكنّ الاندماج مع الآخرين لا يعني التطابق معهم، أو الذوبان فيهم ..فالتطابق والذوبان علامة الموت أمّا الاختلاف والعدول فعلامة الحياة والعافية. لذلك فإنّه من الأهمّية بمكان أن نؤكّد الدور الذي يمكن أن يؤدّيه المثقّف في تصوّر المستقبل، ثم في صياغته، ثمّ في إخراجه من حيّز الاحتمال إلى حيّز الوجود الفعليّ، لكنّ هذا الدّور لن يكون بعد الآن، كما أسلفنا القول، دورا رياديّا أو قياديّا وإنّما سيكون دورا مهمّا من جملة الأدوار المهمّة التي تنهض بها أطراف عديدة...فليس للثقافة زمن وللسياسة زمن وللاقتصاد زمن ثالث...وإنّما هناك زمن واحد يستغرقها جميعا..لهذا وجب أن تكون الإجابة عن سؤال الواقع إجابة جماعية على الرغم من اختلاف زوايا النّظر واختلاف طرائق التفكير وتباين مناهج التّحليل ... هل يمكن أن تكون الثقافة ورقة انتخابيّة رابحة؟ لن أجيب عن هذا السؤال لكن سأكتفي بتقديم مثال يمكن الاستئناس به من غير أن أقول بإمكان نقله أو استنساخه. فمن المعروف أنّ الرئيس الفرنسيّ الرّاحل فرنسوا ميتران قد ركّز خلال حملاته الانتخابيّة الثلاث على الجوانب الثقافيّة، فكانت سببا مباشرا في انتخابه وإعادة انتخابه وقد وعد في هذه الحملات الفرنسيّين بإقامة أشغال كبرى تستهدف تشييد عدد من القصور الثقافيّة الفاخرة تحتضن كلّ حقول المعرفة الإنسانيّة كالموسيقى والفنون التشكيليّة...وممّا وعد به مواطنيه بناء مكتبة وطنيّة تكون من أكبر المكتبات في العالم وأكثرها أناقة وحداثة ...وقد أصرّ على أن يدشّن هذه المكتبة قبل خروجه من الإليزيه... فأمر بالإسراع في تشييدها بعد أن وضع تصميمها في هيئة كتابين نصف مفتوحين المعماريّ الكبير دومنيك بيرو...وحين سئل عن اهتمامه اللافت بهذا المشروع أجاب إنّه تحقيق لحلم قديم راوده منذ أن كان طفلا وقد أراد منذ تولّيه الرئاسة أن يشرك الفرنسيين في هذا الحلم الجميل.