الامبراطورية الامريكية... العراق... فلسطين... الشأن العربي العام وتحديدا مسائل الاصلاح والحريات والديمقراطية. كانت تقريبا المحاور الاساسية التي ركز عليها محمد حسين هيكل في الحلقات العشر الاولى من حديثه المفتوح الى الجمهور العربي عبر شاشة قناة «الجزيرة» التي استضافت الليلة الماضية هيكل وثلة من ابرز المفكرين العرب لمناقشة المحاور المشار اليها. وفي سياق هذا النقاش الذي اثرته الى حد كبير مداخلات فهمي هويدي وعدنان ابو عودة ومحمد العربي المساري وغازي العريضي وسعيد حارب، الذين اشادوا بقوة بتشخيصه لما اطلق عليه «الشأن الجاري». أضاف الكاتب والصحفي المصري الكبير ملاحظات قيمة الى ما كان قد قاله خلال الحلقات العشر الاولى في معرض تحليله وشرحه لوضع الامة العربية وسط التحولات الكبيرة او كما اطلق عليه «الشأن الجاري» محذرا العرب من كارثة قادمة اذا لم يفيقوا من غفوتهم. ومع انه لم يستهلك الا حيّزا بسيطا من الوقت المخصص للنقاش باعتبار أن الضيوف هم الذين كانوا معنيين بالتعليق على مضمون الحلقات الفائتة، الا ان محمد حسنين هيكل دعم تحليله للمسائل التي تناولها بجملة من المعلومات الجديدة خصوصا في ما يتعلق بالعراق بعد الغزو، وتداعيات هذا الغزو بما في ذلك على الولاياتالمتحدة ذاتها. عودة الى العراق وبعدما اشار في مستهل النقاش الى ان الانقضاض الامريكي على المنطقة حصل في احلك مرحلة تمر بها الامة، تحدث هيكل عن بعض تفاصيل الغزو الامريكي للعراق مشيرا بالخصوص الى الاستخدام المكثف من جانب القوات الغازية للاسلحة الكيمياوية بما فيها اليورانيوم المنضب خلال الهجوم على العراق. وكشف في هذا السياق تحديدا ان الجيش الامريكي اجلى من العراق 11 ألفا من جنوده الذين أصيبوا جراء استخدام هذه الاسلحة التي فتكت بالاف العراقيين. وأكد ما كان قد قاله في احد الحلقات العشر الاولى من ان اسقاط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين يوم التاسع من افريل 2003 في بغداد كان مسرحية أعدها الامريكان فالذين حضروا المشهد وصفقوا له جيء بهم من احدى العواصم الخليجية. وأكد في الاطار ذاته ان السياسات العدوانية التي تنتهجها الولاياتالمتحدة والاخطاء التي ترتكبها هذه الدولة قد تفضي بها الى السقوط. مرجعية صامتة... والتمس محمد حسنين هيكل للسيد علي السيستاني عذرا في صمت مرجعيته، معتبرا ان الأخير لم يتواطأ مع الامريكان، وأن لديه مبرّراته فهو ان انتقد او اعترض علنا على الغزو والعدوان (تاليا) كان سيفقد الجسور التي يستخدمها للتحرك. واضاف انه لولا وجود السيستاني لانتهت ازمة النجف بشكل افظع مما انتهت اليه بعد تدخل السيستاني. ولكن رؤية هيكل لم تلق تجاوبا من المفكر الاسلامي فهمي هويدي الذي رأى أن السيستاني لم يتواطأ مع الامريكان لكنه ايضا لم يقف ضد التواطئ، مع أن تدخله كان سيكون حاسما على اعتبار القاعدة الشعبية لمرجعيته. وردّ هيكل انه لم يكن بمقدور السيستاني او غيره منع الغزو والعدوان ولا قطع الطريق على مطامع الامبراطورية الامريكية. من جهته أوضح غازي العريضي ان اخطاء امريكا وورطتها مشكلة امريكا، لكن اين العرب من كل ما حدث ويحدث، مشيرا الى أن العرب حين كان يجري الترتيب للعدوان صمتوا والان مع ما يحدث من مجازر في العراق صمتوا ايضا وهذه مشكلة الامة. وقال ان استهداف فلسطين والعراق استهداف لكل الامة وان لم تنهض من سباتها فكل دولة ستكون مستهدفة. الامر ذاته اكده هيكل موضحا انه اذا ظلت الامة على حالها فإن كارثة ستحل بها لأن ما يجري اكبر من القضية الفلسطينية والعراق. القضية... والاصلاح ومن الشأن العراقي الى الوضع في فلسطين والاصلاح في العالم العربي، تحدث ضيوف الحلقة العاشرة من سلسلة المقابلات مع «هيكل». ورأى محمد حسنين هيكل ان المقاومة امر مهم ولكن في ظل عدم التوازن في القوى وفي ظل تراجع الدعم العربي لها سيكون المصير مأساوي. وتساءل هيكل ايهما «الارهاب» ان يفجر فلسطيني نفسه افقده المحتل كل مقوّمات الحياة أم أن يقصف الابرياء بأطنان من اليورانيوم المخصب. وعبر عن قلقه من أن تسهم دول عربية في تصفية القضية الفلسطينية التي هي اصلا قضية كل العرب وان تقدم لاسرائيل والولاياتالمتحدة اكثر مما يفعله شارون وعصابته. ومن الاخطاء التي استهجنها ضيوف الحلقة ومعهم هيكل ابعاد القضية عن عمقها العربي واعتبارها قضية فلسطينية وليست عربية، ثم تلتها اخطاء اوسلو. وفي هذا السياق انتقد هيكل مسارعة مسؤولين فلسطينيين لادانة العمليات الفدائية، في وقت يقتل فيه مئات الابرياء والعالم لا يحرك ساكنا. أما عن قضية الاصلاح فقد اجمع ضيوف هيكل و»الجزيرة» على ضرورة ان يكون الاصلاح عربيا وليس مفروضا من الخارج. كما يتوجب ايجاد آلية لتنفيذ البرامج الاصلاحية وفقا للمصالح القومية العربية وليس وفقا لمصالح واشنطن والغرب. وحذّر هيكل من جهته من ان الوضع قد يتحول الى كارثة في الشارع العربي وقد تنفجر الشعوب ما لم يكن هناك اصلاح يعيد الثقة للشعوب في انظمتها ويرفع عنها حالة الاحباط.