من خلف النافذة أزاحت أمّ عليّ قطعة قماش بالية مازالت تحمل آثار الغارات. الغيمة مازالت تعبر الأفق دون أن تحدّد أين سينزل مطرها القادم والبحر البعيد يحمل غماره بين يديه يبحث عن ميناء جديد يشحن فيه موجه بنهره المشتّت. النصر قادم لا مفرّ لكنّ أمّ علي تريده الآن.. في زجاج النافذة.. في أشلاء القماش.. في دمعة خدّها.. في رعشة يديها.. في انحناءات جسمها.. في حزن قلبها.. في زيّ الشرطي الخائن.. في استنطاقات القيادات البائسة.. في محرّكاتالطائرات التي حملت وراء الحدود الغادرين والغادرات. تريده في بنك بغداد.. في بئر بغداد.. في نزل بغداد.. في نهر بغداد.. ي سوق بغداد.. في ملجئ بغداد.. في مطار بغداد. لكنّه البرق العابر حجب الرؤية مرّة أخرى وأعاد أمّ عليّ إلى ركن البيت المدجّج بالخيبة وأشباح الهزيمة.. كيف ستقضّين ليلتك يا أمّ عليّ والنّصر لازال بعيدا.. فالعراق ليس فيه جبال ليحتمي بها الثوار وليس فيه مغاور لتردّد أصوات الأحرار.. لا خيار أمامك إذا يا أمّ علي من إزاحة السّتار مرة أخرى وانتظار الأمطار المحبوسة داخل الغيمة. حتما سيكون اللّيل طويلا.. حتما ستخرّ قدم الجندي الواقف أمام الباب.. حتما سيتذكّر الشرطي الموشح بالأبيض أنه في الأصل عراقي.. حتما ستداعب خدّك الجامح الى الكبرياء قطرة ندى يهتزّ لها في السيف الحنظل وفي الرّمح العويل وفي الهزيمة عطر الشهيد. فمن أسقط طائرة يا أمّ عليّ لن ترهبه الحاويات النّجسة ولا التحالفات القذرة ولا المبايعات الفاجرة. لا تبرحي إذا يا أمّ عليّ النافذة فالطائرات ساقطة.. ساقطة.. ساقطة.. ساقطة..