منذ شهر تقريبا نشرت صحيفة «الباريسي» (Le Parisien) بيانا أمضته أكثر من 300 شخصية تطالب فيه بإلغاء الآيات القرآنية التي تحرّض على عقاب أو قتل اليهود والنّصارى والكفّار. ومن بين الممضين على هذا البيان رجال سياسة من الصفّ الأول أمثال الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي والوزير الأول الاشتراكي الأسبق امنويل فالس والرئيس الحالي لحزب الجمهوريين لوران فوكاياي وكذلك مثقّفون وفنّانون مشهورون أمثال جيرار دوبرديو وشارل أزنفور وغيرهما. هذا البيان لم يأت فجأة وإنّما نتيجة لتحرّكات عديدة سابقة قادها بعض الحركيين وعلى رأسهم الفيلسوف برنار هونري ليفي بهدف دعم الفكرة القائلة إن القرآن نصّ يدعو الى العنف. في نفس الفترة التي ظهر فيها البيان نشر جمع من الباحثين الأوروبيين نتائج دراسة حول النصوص السماوية كانت خلاصتها أن النص القرآني أقل النصوص الدينية دعوة الى العنف وأن 5 آيات فقط من جملة ال6220 آية التي يضمّها القرآن فيها دعوة الى القتل(1). في نفس التوقيت تقريبا نشرت جريدة «لوطون» السويسرية حديثا لأحد أكبر المستشرقين حاليا الألماني راينهارد شولزي يوضّح فيه أن مفهوم «الجهاد» الذي يعتمده الدواعش لتبرير جرائمهم مفهوم دخيل على الاسلام وأنه صنيعة ألمانية استوردها المسلمون في بداية الحرب العالمية الأولى بإيعاز من الألمان لمحاربة الأنجليز والفرنسيين. يُعتبر الجهاد الركن السادس في الإسلام. ولكن أي جهاد؟ عند عودته من احدى الغزوات وقد تكون غزوة تبّوك قال النبي صلوات الله عليه «رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر» قالوا «وما الجهاد الاكبر؟» قال: «جهاد القلب»(2). وقال: «أفضلُ الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه»(3). فالجهاد لغويا هو القيام بمجهود وأن يجتهد الانسان في عمله ويتغلّب على التراخي والكسل. فمفهوم الجهاد هو روحي بالأساس كما تؤكّد ذلك عدة آيات قرآنية: «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبلنا وإنّ الله لمع المحسنين»(4). وأيضا: «يَا أيُّهَا الذين آمَنُوا ارّكَعُوا واسّجُدُوا واعْبُدُوا ربَّكُمّ وافعَلُوا الخير لعلّكم تُفّلِحُون وَجَاهِدُوا في اللّه حَقّ جِهَادِه».(5) فالجهاد لا يعني الحرب كما زوّرت معناه بعض الفرق المتطرّفة وآخرها المجرمة «داعش» وإنّما يعني حشد طاقة الانسان، فردا كان أم جماعة وتسييرها نحوالله، في جميع مناحي الحياة. وقد عدّه بعض علماء الإسلام بالرّكن السادس في الاسلام لأنه يشتمل على الأركان الخمسة الأخرى باعتبارها كلّها تحتاج الى بذل الجهد وتحمّل الجهد (6). وأما الجهاد في معناه الحربي فهو أمر استثنائي ولا يتعلّق إلا بالقتال الدفاعي عندما يُهاجم الاسلام في عقر داره. فلماذا إذن هذا الانقلاب في مفهوم الجهاد ومن المسؤول عن تزوير معناه من جهد النفس إلى جهد العنف، ومن «جهد مقدس» الى «قتال مقدس»؟ كيف يمكن أن نقبل لحظة واحدة أن القرآن الكريم الذي «فيه هدى ورحمة» والذي يستهل كل سورة منه ب «باسم الله الرحمان الرحيم»، يمكن أن يكون مصدرا للعنف والقتل والدمار؟ إننا اليوم في حاجة الى جهاد حقيقي لتخليص قراءتنا للقرآن مما أصابها من تضليل وتشويه بسبب بعض التيارات المذهبية الخليجية والفقر الفكري والثقافي ومصالح البلدان الغربيّة. 1) القرآن الكريم يتضمّن 6236 آية حسب رواية حفص و6214 حسب رواية ورش 2) رواه البيهقي 3) رواه ابن النجار وصححه الألباني 4) سورة العنكبوت آية 69 5) سورة الحج آية 77 78 6) اقرأ الدراسة الجيّدة ليونس جوفروا: «التعددية في الاسلام أو الوعي بالغيرية»