لا يمكن لمفاهيم هي في الأصل اقتصادية صرفة، كمفهوم نهاية الجغرافيا، ان تجعل الناس وخصوصا النخب، يصدقون بأن سيادة الدول انتهت وان الأوطان أصبحت بالتالي أشبه بشركة إذا ما هي درّت أرباحا توطّد الانتماء إليها وإذا ما شحت مواردها تحوّل الولاء إلى غيرها. إن هذا الخطاب الساذج والخطير أيضا، ليس في الأخير إلا استنباط لوسائل جديدة، تريد أن تشرّع التدخل في شؤون لا تعني إلا شعب ما، ودولة ما، عبر الإلحاح على شعارات خادعة، وتزيينها بأشكال تخفي ما تحمله من كمية قبح، وترنو إلى سحق أي وجدان وطني تحت تعلة أن العالم أرحب. ولا شك انه كذلك، لكن بأي معنى؟ لا شيء، أرحب من تربة وطن.. ولا شيء أشسع من حدوده عند الضرورة. ولكي تنبت لا تحتاج الزهرة إلا إلى سنتيمرات محدودة من أرض، ولكي تورف لا تحتاج شجرة إلا إلى أمتار قليلة. أما التمطّط السريالي الذي تدعو إليه هذه المفاهيم الجديدة، فغير واقعي بالمرة. اللّهم في بعض نظريات الفن، وبعض مدارس الرّسم، ليس إلا. ويعدّ الاستحقاق الانتخابي القادم مسألة تونسية صرفة، لا يمكن أن تعني غير التونسيين مهما كانت تقييماتهم، ومدى رضائهم، إن هذا الاستحقاق مناسبة وطنية لا تنعكس إلا على الداخل في الأخير. ولن تؤثر إلا عليه. والسبب الذي يلحّ على الواحد منّا للتذكير بهذه البديهة، هو هذه المهنة الجديدة التي ظهرت مع «نهاية جغرافيا» البث التلفزي واختصاص بعض القنوات العربية البدوية في تحليل وتمحّص أوضاع دول بعينها، في الوقت الذي مازالت شعوب البلدان التي تبث منها، محرومة حتى من انتخاب عضو في بلدية. وهذا الأمر لا يمثّل فقط مفارقة، بل لعبة تلهي تلك الشعوب بما لا يهمها وتريدها أن ترضى باعلام نزيه لكنه خارجي وان تتوهّم بأنها حرّة منطلقة، ما دامت وسائل إعلامها على تلك الجرأة والصراحة. والنتيجة، ان تلك الشعوب تتقيّد بمشاهدة ما هو فوقها عوض ان تنظر تحت أرجلها. فتختلط المشاهد على أعين المشاهد.