برع العرب من جملة ما برعوا في فنّ تصفيف الكلام وانتقاء العبارات وتحويلها الى مقولات وشعارات وحتى عناوين لمواقف من أحداث تشهدها الساحة العربية خصوصا والساحة الدولية عموما.. والمفارقة أن هذه العبارات والشعارات التي تكشف سعة اطلاع وادراك بخفايا وظواهر الأمور والأحداث تبقى في مستوى الفرقعات الكلامية وسرعان ما تذروها الرياح كما تذرو الفقاقيع الهوائية.. فتذهب دون ضجيج وتغيب بلا أثر.. والشواهد على ما نقول كثيرة ولكننا سوف نختزلها في عبارة أو مقولة «الهرب إلى الأمام» التي كثيرا ما تعود في الخطاب السياسي العربي لتوصيف سياسات اسرائيل اجمالا وسياسات شارون تحديدا في تعاطيه مع الشعب الفلسطيني ومع الدول العربية المتاخمة لفلسطين المحتلة. شارون يدمر السلطة الفلسطينية.. شارون يحاصر عرفات ويحوله الى سجين بكل ما في الكلمة من معنى والحال أنه رئيس منتخب. شارون لا يخرج من مجزرة إلا ليقترف أخرى..وبين الاثنين مجزرة. شارون يدمّر عشرات المنازل ويجرف المزيد من الأراضي الزراعية. شارون يصادر المزيد من الأراضي الفلسطينية ويطلق العنان لغول الاستيطان يفترس المزيد من الأراضي ويتمادى في تهويدها. شارون لا يتوقف عن الاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات. شارون لا يعترف بقرارات الشرعية الدولية وبالاتفاقات وبالمواثيق الموقعة. شارون يبني جدار الفصل العنصري ويعيث فسادا في المدن والأراضي الفلسطينية فيقطع أوصالها ويحولها الى قطعة جبن. شارون يسرّّع وتائر تهويد مدينة القدس ويدنس الأماكن الاسلامية المقدسة فيها، شارون يرسل طائراته بانتظام في انتهاك واضح وصريح لحدود لبنان وسيادته. شارون يرسل زبانيته ليمارسوا القتل المنظم في العاصمة السورية. وفي كل هذه الحالات وغيرها كثير نجد من العرب من يبرع في ترديد عبارة «ان شارون يمارس الهرب الى الأمام» او أنه «يسعى الى فرض الامر الواقع»... السؤال المطروح في هذه الحالة واضح وبسيط جدا : اذا كان قادة الكيان الصهيوني يتداولون منذ اكثر من عقود على ممارسة هواية «الهرب الى الامام وفرض الامر الواقع» وما دامت هذه السياسة اواللعبة السياسية مجدية، فلماذا لا ننسج على منوالهم مرة واحدة فنمارس بدورنا لعبة «الهرب الى الأمام وفرض الأمر الواقع» فنعيد تفعيل المقاطعة الاقتصادية الشاملة للكيان الصهيوني ونفتح حنفيات الدعم المالي لنمكّن الشعب الفلسطيني من أدوات الصمود ومقارعة المحتل... ولماذا لا نمعن في «الهرب الى الأمام» فنعلن فتح الحدود في وجه المقاومين العرب ليساعدوا أشقاءهم الفلسطينين ويخففوا عنهم قبضة اسرائيل الحديدية التي تكتم أنفاسهم وتسلبهم كل حقوقهم؟ ولماذا لا نزيد فنضغط لتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تضمن قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف؟ ليتنا نفعلها مرة واحدة فنمارس لعبة الهرب الى الأمام ونمارس الاستبداد في سبيل استرداد حقوقنا حتى لا تصح فينا مقولة الشاعر العربي الكبير عمر بن إبي ربيعة «إنما العاجز من لا يستبد»!