تونس (الشروق) يجانب الصواب من يقول أن المشهد السياسي في تونس لا يحتاج إلى تطوير، وكذلك يفعل من يدّعي أن لا شيء تحقّق فيه! ففي الحالتين نلمح غلوّ الصدر عن تشنّج، وغضبا تتقابل أسبابه وإن كانت تصل الى نتيجة واحدة في الأخير، ولعلّه من مفاتيح فهم المشهد في تونس، الرجوع الى كيفية تطوّره بدءا بتاريخ أوّل انتخابات في تونس بعد 1987 (أي تلك التي جرت في أفريل 1989) وصولا الى المحطة التي تمكنت فيها المعارضة، من أن تملأ خمس مقاعد البرلمان، مهما كانت نتيجة التصويت! لقد كانت الظروف التي حفّت بهذه المحطة الأخيرة، ظروف قلق عام، من ركود في الحالة السياسية في بلادنا. ومن المفارقات أن هذا القلق تسرّب وقتها من المعارضة التي كانت منطقيا هي المعنية الأولى به، الى السلطة التي كانت لا تأبه أصلا بالتعدّدية، لولا أن اضطلع بمهام أعلى هرمها الرئيس بن علي، وأجبرها جبرا على أن تتبنّى هذا الخيار نهائيا! ويتذكّر الذين كانوا يراقبون الأوضاع في تونس، أن حالة القلق وقتها لم تجد حلاّ رغم كل الاجتهادات، الى أن زار الرئيس بن علي يوما مجلس النواب، ليعلن أنه قرّر توفير 20 من مقاعد البرلمان للمعارضة، وليضع بذلك حدّا لمأزق سياسي، نتج عن ضرورة دفع التعددية في واقع انتخابي لم يكن قادرا إلا على تعطيلها! والذين حضروا يومها في المجلس من ملاحظين، هالهم كل ذلك، التصفيق وكل ذلك الحماس الذي أبداه نواب الحزب الحاكم عمّا أعلنه الرئيس، وشخصيا لازلت الى اليوم أتساءل عن أسبابه، وإن كان بعض من شرحه يكمن في احساس الجميع بالمأزق وبضرورة تجاوزه! وجاء الحلّ كالعادة من الرئاسة وليس من أي مؤسسة أخرى، تماما كهذا القرار الأخير الذي قرّر فيه الرئيس عدم ترشيح أي عضو حكومة في قائمات التشريعية، لعلّ في ذلك ما يمنح فرص الفوز أكثر لبقية الأحزاب! وإذن، فإن الواقع يقول وحده، أن تطوير المشهد السياسي ليس بالأمر السهل بالمرّة، وأنه ليس بالبساطة التي قد تجول ببعض الأذهان إنه أي التطوير عملية عسيرة جدا، ودقيقة جدا. ولذلك أسباب قد نقف عندها مستقبلا!