كثرت الفتاوى الدينية في الفضاءات العامة والخاصة بما اشكل على المسلمين معرفة الصحيح من غيره وهو ما يقوى الحرج لديهم ويدفع الى البحث عن ضوابط الاجتهاد وطرقه حسب ما حدده الشرع الحنيف . حث الشارع الحكيم على الاجتهاد وجعل المجتهدين هم المرجع للسؤال عن كل ما ينوب المسلمين في حياتهم مما يتطلب أحكامًا شرعية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] ووعد سبحانه وتعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها ويعملها إياه، كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - ببقاء طائفة من أمته ظاهرة على الحق إلى يوم القيامة. ولقد شعر المسلمون منذ عصورهم المبكرة بالحاجة إلى الاجتهاد، فاستعمله الصحابة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته، وأخذ به التابعون وأتباعهم والأئمة أصحاب المذاهب المشهورة فمن بعدهم، وغطوا بمجهوداتهم كل الوقائع والتصرفات التي وجدت في أزمنتهم المختلفة، وبرهنوا بذلك على صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان، وملاءمتها لكل جنس ومكان، تلك الحقيقة التي ما زلنا نرددها في ثقة واطمئنان بالغين. ولكن طرأ على بعض الفقهاء بعد ظهور المذاهب المتبعة حب التقليد للأئمة السابقين، وعدم الجرأة على ممارسة الاجتهاد، وانتشر ذلك بين الناس، حتى حكم بسد باب الاجتهاد، بل قال بعضهم: إنه مستحيل في العصور المتأخرة واتخذ أعداء الدين من ذلك ذريعة إلى اتهام الشريعة بالقصور والعجز عن معالجة مشاكل هذا العصر . وإذا كان الاجتهاد واجبًا وضروريًا في كل عصر لوجود الحاجة إليه، فهو في عصرنا الحاضر أشد وجوبًا، وأكثر أهمية، لتميز هذا العصر بمشاكله المعقدة، وحوادثه الكثيرة التي لم يسبق لفقهائنا الأقدمين بحثها، حيث لم توجد في أزمنتهم، فقد نشأت حقوق لم تكن معروفة من قبل، ووجدت عقود لم يتعامل الناس بها في الزمن الماضي، وطرأت على بعض العقود والشروط السابقة إضافات أصبحت ضرورية لابد منها. ولم يخص الإسلام أحدا بحق الاستثناء في تفسير النصوص، ولا بحق إلزام الناس برأيه، بل منح هذا الحق لكل مسلم حائز لأهلية البحث، أما من ليست له أهلية البحث، فكان واجبه أن يسأل أرباب الأهلية مما يحتاج إليه، ولا يلزم باتباع شخص معين إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله وعلى هذا، فليس في الإسلام طبقة خاصة تحتكر الاجتهاد وتتوارثه، إذ ليس فيه كهنوت، ولكن هناك علماء متخصصون يملكون أدوات الاجتهاد، وتتحقق فيهم شروطه، فهم الذين يجتهدون فيما يعرض عليهم من وقائع ويصدرون فيها رأيهم بما انتهى إليه الاجتهاد أصابوا أو أخطاؤنا، ومن ثم فلا ينبغي القول بخلو عصر من العصور من وجود مجتهد تتوافر فيه شروط الاجتهاد، لأن طريقة معرفة الأحكام الشرعية هو الاجتهاد، إذ الوقائع متجددة، والحاجة إلى معرفة حكم الله فيها مستمرة في كل زمان ومكان، إلا أنه مع ذلك لا بد من وضع معايير وضوابط للاجتهاد حتى لا يصبح مجالا لأدعياء الاجتهاد الذين يملكون الجرأة والاستهانة بالأصول وإتيان البيوت من غير أبوابها . منها البعد عن منطقة «القطعيات» فمجال الاجتهاد ما كان دليله ظنيا من الأحكام، أي أنه يجب التقيد بالأحكام التي مصادرها نصوص قطعية الثبوت، فلا مجال للاجتهاد في كل نص قرآني صريح مفسر بصيغته، وربما ألحقه الشارع به من بيان، كما لا يجوز ذلك بالنسبة للسنة المتواترة المفسرة، فمثل هذه الأحكام يجب على كل مسلم أن يتبعها دون اختلاف فيها، أو التقنين بما يخالفها. ولهذا فلا يجوز الانسياق وراء المتلاعبين الذين يريدون أن يحولوا القطعي إلى ظني والمحكم إلى متشابه، وبذلك لا يبقى لنا أي معول نعتمد عليه، ولا أصل نحتكم إليه، إذ لا مساغ لاجتهاد في مورد النص. وكما لا يجوز تحويل القطعي إلى ظني، يجب عدم تحويل الظني إلى قطعي، وزعم الإجماع فيما ثبت فيه خلاف، أي أنه بالنسبة للأحكام المستمدة من النصوص ظنية الدلالة فإنه لا يجوز الاجتهاد فيها إلا في حدود تفهم النص وترجيح أحد معانيه، وما يترجح للمجتهد يكون هو حكم الله في الواقعة على ما غلب عليه ظنه، فيكون على هذا الاجتهاد في تعيين المراد من النص الظني الدلالة الذي يحتمل أكثر من معنى.