شهر للصوم والنوم، شهر للقيام والسهر، شهر للإشهار والغشّ والاحتكار والعنف. وأيّ شهر مثله تمثيلا للتّونسيّ في حبّه للدين والدنيا معا؟ وأيّ شهر شبيهه تجسيما للإسلام التونسيّ في وسطيّته بين الفكر والبطن؟ وكذلك شعائرنا وأعيادنا الدينيّة، من المولد إلى رأس السنة الهجريّة، ومن عيد الفطر إلى عيد الأضحى، كلّها مقرونة بما لذّ وطاب من خيرات المتوسّط، وإلاّ فمن يحتفل بها؟ ولولا الأكل والشرب والحلويّات والهدايا لماتت العادات مع الأجداد لفقد المصالح من المنتج إلى المستهلك عبر أكثر من وسيط جشع مغتنم للفرص كالمتربّص بعدوّه في الدين. وأيّ تونسيّ لا ينفق على شهواته بما استطاع من الجهد والجيب؟ وأيّ تونسيّ لا يتشهّى ولا يحبّ المآدب في الأفراح والأتراح ؟ أليست الحكمة في توزيع كؤوس الشاي أثناء المحاضرات وفي عرض المرطّبات والمشروبات خلال الندوات ؟ ولولا ذلك لغاب الجمهور إلاّ من استغنى برحمة ربّي. بارك الله لنا هذا الشهر الكريم الذي يحبّه المتعبّد في النهار والأسحار، ويحبّه الجزّار والقمّار، ويحبّه المتسوّل والمتحيّل كما لا يحبّ بقيّة الأشهر أحد. وأعاننا الله عليه عبادة وإنفاقا ، وحمانا من الشرّ والضّرر فيما يلفظ من أفواهنا وفيما يحشو بطوننا. أمّا بعد، فقد عزمت على مخالفة قومي بالاعتكاف على القرآن متدبّرا ومستنيرا وبانتظام عسى أن يكون لي فضل ختمه في تلك الليلة المباركة . وكنت قبل هذا العزم قد جرّبت المواظبة على التراويح فما أفلحت، ووجدتني تائه الفكر شارد الذهن والإمام يقرأ المصحف بصوت لا يعجبني ، ثمّ يختم بأدعية مطوّلة لا تروقني . وقد تربّيت على الإيجاز لأنّه سرّ البلاغة فالتزمت بما قلّ ودلّ ، وفضّلت السهل الممتنع على ما طال وتعقّد فأثقل وأملّ . وعسى ربّي أن يوفّقني فيما اعتزمت ويجزل أجري عليه وغفرانه لي به. فهل بقي بعد هذا كلام عن الأسواق والأشواق وعن الشهوات والنفقات وعن المنوّعات والسخافات؟ اللّهم فاشهد وساعد . وإنّما الأعمال بالنّيّات.