تونس (الشروق) منذ وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي رحمه الله في الخامس والعشرين من جويلية الماضي, برزت على السطح تجاذبات سياسية بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين حزين على رحيله وبين «شامت» في وفاته. وقرأنا العديد من التدوينات بإمضاء عدد من التونسيين بمن في ذلك سياسيون بارزون تفوح منها رائحة الكراهية والتباغض والشماتة في موت الرئيس. بل الأفظع من ذلك نعته بأبشع النعوت وحتى تكفيره. وبعد ذلك على اثر الدخول في فترة حملة الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها وتقدم 26 مترشحا للفوز بكرسي الرئاسة, شهدنا موجة جديدة من التباغض والتناحر والتنابز بالألقاب تبادلها أفراد الشعب بسبب مساندة المترشحين للرئاسية. وقد قرأنا وطالعنا شتى أنواع السباب والشتام والتخوين والاتهام بالعمالة والتكفير لمجرد أن شخصا ما ساند مترشحا بعينه للرئاسية. ارتفاع عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي يعد استخدام التونسيين وسائل التواصل الاجتماعي مكثفا وكبيرا ، سواء موقع انستغرام أو فيسبوك أو لينكدين، وتحتل ولايات تونس الكبرى المرتبة الاولى من حيث عدد المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي وفق احصائيات حديثة. ووفق احصائيات حديثة أنجزتها مؤسسة ‹ديسكفري الرقمية› المتخصصة، الى حدود 31 ديسمبر 2018، فإن نحو 7.900.000 تونسي يستخدمون الفيسبوك، وحوالي 57 بالمائة منهم ذكور، بينما 43 بالمائة نساء، وتتراوح اعمار الشريحة المسجلة بالفيسبوك بين 13 و34 سنة. أما موقع «انستغرام» فيبلغ عدد مستخدميه في تونس 1.620.000، 52 بالمائة منهم رجال و 48 بالمائة نساء. ويبلغ عدد مستخدمي انستغرام في تونس نحو 80 بالمائة اعمارهم بين 13 و34 سنة بمعدل شخص من اثنين من المستخدمين اعمارهم دون 24 سنة. اما موقع «لينكيدين»، فيستخدمه نحو 880.000 من التونسيين، 63 بالمائة رجال و37 بالمائة نساء. ويبلغ عدد مستخدمي الشبكة المحترفة 45 بالمائة تتراوح اعمارهم بين 25 و34 سنة، واكثر من 80 بالمائة من المستخدمين اعمارهم بين 18 و34 عاما. وفي الآونة الأخيرة انخرط هذا العدد الكبير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في معارك افتراضية وخلافات عديدة تحول بعضها إلى الواقع (التهجم على مناصري بعض الاحزاب كممثل حزب قلب تونس والاعتداء على صحفيين تابعين لقناة الحوار التونسي من قبل مناصري الرئيس قيس سعيد . وتحولت هذه المعارك أيضا إلى أروقة المحاكم (تقديم قناة الحوار التونسي قضية ضد القاضي الذي هاجمها) ووصل الأمر بأحد المتعصبين للرئيس الجديد بالتهديد بتفجير قناة تلفزية. هذا دون نسيان المشاحنات بين الأصدقاء الافتراضيين فكثر ما يعرف ب «البلوك» والاخراج من قائمة الأصدقاء. ولعل من أكثر مساوئ هذا الاستخدام المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي نذكر الاستقطاب السياسي الذي أدى إلى تدمير العديد من العلاقات المجتمعية كعلاقات الصداقة وحتى العلاقات الأسرية التي تدمرت بسبب الاختلافات في الرؤى والمواقف بين أفراد الأسرة الواحدة. وما عشناه في السنوات الأخيرة من تقسيم للمجتمع التونسي على أساس الدين تارة وعلى اساس الانتماء السياسي تارة أخرى حيث أصدحت بعض الأصوات ان من لا ينتخب النهضة فهو كافر أو صبايحي وغيرها من النعوت اللاأخلاقية. وتعرض المجتمع التونسي الى تقسيمات عديدة ومتنوعة وتعمقت هذه التقسيمات في الانتخابات الرئاسية في دورها الثاني ونعت من يصوت لنبيل القروي بالجياع والجهال ومن يصوت لقيس سعيد بالمتعلم والمثقف من جهة ومن جهة أخرى وصف أنصار القروي أنصار سعيد بالدغمائيين والظلاميين وأنصار القروي بالمنفتحين والحداثيين. وبين هذا التوصيف وذاك اشتعلت المعارك اللفظية بين الفريقين وارتفع منسوب العنف اللفظي. العلاقات الأسرية تنهار يشير الباحث في علم الاجتماع الأستاذ طارق بالحاج محمد إلى أن الأسرة لطالما كانت نظاما اجتماعيا أو وحدة في النظام الاجتماعي تؤمن التنشئة والحماية والشعور بالانتماء.. وقد مرت الأسرة من بداية نشأتها وحتى وقتنا المعاصر بعدد من التطورات الكبيرة سواء على مستوى حجمها وهيكلها أو على مستوى العلاقات بين أفرادها أو من حيث أهدافها ووظائفها وأدوارها. وهذه التطورات كانت لها أثمان وضريبة أثرت على مستوى تماسكها وانسجامها ومنها طغيان الفردانية والصراع بين الأجيال وسيادة الرهانات والمعاملات المادية على كل ما سواها من «قيم» جديدة جعلت منها بيئة توتر وصراع. وما زاد في توتير هذه العلاقات الأسرية، هو ما تشهده تونس منذ سنوات من حالة استقطاب سياسي تجاوز فضاء التواصل الاجتماعي والإعلامي والسياسي لينخر مؤسسة العائلة التي تمثل آخر حصن للمجتمع في مناخ من الاضطرابات والهزات المتتالية. فالإضافة إلى مفردات التفكك الأسري والأنانية والمادية، ظهر متغير جديد زاد في تقسيم الأسرة وهو الانتماء السياسي، حيث أصبحنا نرصد توترات بين أفراد العائلة الواحدة مردها الانتماء السياسي والتعصب الحزبي والعقائدي والإيديولوجي. توتر يمكن أن يصل إلى حدود المواجهات والقطيعة والعداء، تغذيه خطابات سياسية وإعلامية محرضة وعقلية من التبعية والولاء لأشخاص يضعون انتماءاتهم الحزبية والسياسية في أولوياتهم قبل حتى واجباتهم الأسرية وولائهم للوطن. هذه الظاهرة هي عنوان ومؤشر أزمة في الوعي وفي الممارسة، أزمة في السياسة وأزمة في المجتمع يغذيها السياسيون ليجدوا موطئ قدم لهم. أزمة سياسية ومجتمعية في غياب البرامج السياسية والتنموية عند نخبة سياسية مريضة ومتهرئة ووصولية، وإزاء مجتمع تونسي موحد سوسيولوجيا، لم يجد تجار السياسة من سبيل إلى فرض وجودهم وأنفسهم على شعبهم إلا في الاستثمار في الانقسام وتقسيم المجتمع إلى فئات متناحرة سياسيا نظرا لغياب المعطى الطائفي أو العشائري للاستثمار فيه. انقسام تجاوز الحقل السياسي ونفذ إلى النسيج الاجتماعي إلى أن وصل إلى النسيج الأسري. إنها نتيجة طبيعية لحالة الوعي المأزوم والمهزوم التي تعيشه نخبنا والتي مهدت للانقسام وسوغته وبررته للحفاظ على بقائها. مع مرور الزمن، أنتجت هذه الحالة بدورها وعياً مشروخاً مشوهاً لدى عامة الناس، وخصوصاً أن التكيف معه بات سمة غالبة عند الجميع حتى أصبح جزءا من منظومات السلوك والتفكير لدى طيف كبير من التونسيين يتخذونه ذريعة للقعود والكسل والعجز في رفع قضايا الوطن الحقيقية. انه في النهاية موضوع ساخن يعفي الجميع من مسؤولياتهم وأداة السياسيين لإدارة مشتركة ولئيمة من قبل الأطراف السياسية المتصارعة على النحو الذي يظهرها وكأنها تقوم بواجباتها تجاه الناس وتجاه الوطن. هذه الوضعية تؤكد هشاشة الهوية الوطنية أو عدم نضجها واكتمالها وبالتالي يضحي الناس حتى بهوياتهم العائلية والوطنية من أجل هوية حزبية زائفة ومفتعلة. كما ينبئ باختلال التوازن الاجتماعي بين مكونات النظام والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسه. والتمادي في استثمار تعميق الانقسام والاستقطاب وتكريسه، يؤكد زيف السياسة وبطلان فعالياتها، وحالة الإحباط والعجز التي تعيشها النخب السياسية المستعدة بالتضحية بكل شيء (بما في ذلك الروابط العائلية) من أجل بقائها في المشهد. الباحث في علم الاجتماع الأستاذ طارق بالحاج محمد .. ما نشهده اليوم نتيجة الاستقطاب السياسي هو عنوان ضعف وهوان يشير الأستاذ طارق بالحاج محمد إلى أن هناك فاعلين يستثمرون في الفرقة سواء بمنطق «التدافع الاجتماعي» أو بمنطق «الصراع الطبقي» أو بمنطق «الحفاظ على النمط المجتمعي»... فتتغير المسميات لكن كلهم حلفاء موضوعيون لبث ثقافة الفرقة والنزاع داخل المجتمع الواحد والعائلة الواحدة. العائلة التونسية عائلة مأزومة بطبعها بفعل التطور الاجتماعي وبفعل الأزمة الاقتصادية والقيمية الراهنة ومع دخول السياسة في أجندتها، زادت هذه السياسة في تعميق أزمتها. أزمة لم تقتصر على فضاء المنزل بل تجاوزته للفضاء العام الحقيقي منه والافتراضي. فقد وصلت القطيعة حتى للفضاء الافتراضي، فلا يندر أن تلاحظ المعارك الدائرة بين أبناء الأسرة الواحدة قد استعرت على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث يعلن العديد من التونسيين تبرؤه من فلان من اخوته أو أقاربه، على خلفية موقفه السياسي أو انتمائه الحزبي أو مشاركته في تظاهرة أو مظاهرة...هي ديناميكية سلبية جديدة دخلت على حياة التونسيين لمزيد تشتيتهم وحرف اهتماماتهم عن مشاكلهم وقضاياهم الحقيقية. إن ما نشهده اليوم هو عنوان ضعف وهوان وعرض جانبي من أعراض الديمقراطية وليس بالديمقراطية. فقيمة أي مجتمع ليس بعدد أحزابه ولا بعدد المنخرطين في هذه الأحزاب، بل بقدرة هذا المجتمع وهذا النظام الاجتماعي والسياسي على التحكم في أسباب التوتر والاحتقان والصراع الداخلي ومواجهة التحديات والمتغيرات الخارجية ومدى القابلية الاجتماعية للتأقلم والتفاعل معها. ومن يستثمرون اليوم في الفرقة يتجاهلون أن بضاعتهم الكاسدة يمكن أن تعصف بآخر حصن للاستقرار والأمن الاجتماعي وهي الأسرة.