رجال الإطفاء يعجزون عن وقف زحف الحرائق في كاليفورنيا    الرابطة - عقوبات مالية على 9 اندية بسبب عدم احترام البروتوكول الصحي    خططوا ل«حرقة» فتاهوا في البحر وكادوا يموتون غرقا    عروض متنوعة وتجارب مسرحية تحت المجهر ..مسارات المسرح بالمهدية    أي نعم ، تعدد الزوجات و قطع يد السارق و حد الحرابة ....كلها احكام قطعية الدلالة في الاسلام    روسيا تبدأ اليوم في تصنيع لقاح كورونا الجديد    مجلس الأمن يرفض تمديد حظر الأسلحة على إيران    عقلة منتظرة على حسابات سبورتينغ بن عروس    مدير الصحة العسكرية: لا يمكن الحديث عن موجة ثانية لكورونا في تونس    مطار النفيضة: وصول طائرة على متنها 141 سائحا من التشيك    ابنة قرقنة أفنت حياتها في الصّيد البحري من أجل أبنائها الخمسة فنالت وسام الجمهورية (صور)    مدير عام الصحة العسكريّة يشخّص للوضع الوبائي في تونس و يكشف حقيقة الموجة الثانية من كورونا    رسمي: 746 ألف «بطال» في تونس    كورونا يؤخر عبور فتيان قبيلة إفريقية إلى الرجولة    اثر سبر الاراء الأخير : زهير المغزاوي يصف الزرقوني بالغبيّ والواهم    بولبابه سالم للمشيشي : تجاهلت أفضل أساتذة الاقتصاد و استقبلت خبراء التلفزات الذين لم ينشروا مقالا علميا واحدا    الرصد الجوي: درجات الحرارة تصل إلى 46 درجة    راس الجبل.. غرق امرأة بشاطئ مامي    بعد موقفه من المساواة في الميراث، نايلة السليني لقيس سعيد: أنت مثل هاو..أراد أن يلعب دور جرّاح...    لبنى نعمان في عرضها «الولاّدة» بالحمامات..«فراشة بيضاء» كادت تدمّرها «الكورونا»    الباب الخاطئ ...يا «ليلُ» فيروز أم يا «ليل» الحصري؟    في مهرجان بنزرت الدولي ...للمرة العاشرة ينجح عرض الزيارة فنيا وجماهيريا    إيران: حساباتنا مع الإمارات ستختلف إذا فتحت المجال لإسرائيل في المنطقة    في الحب والمال: هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    بدأت ب«كامب ديفيد»...ماهي أهم الاتفاقيات العربية الاسرائيلية ؟    محاميه فضحه في كتاب....ترامب خائن وعنصري وفاسد    الكاف..بسبب خلافات عقارية..مشاريع معطلة ... و المجلس البلدي في حالة استنفار    لسعد الهمامي ينهي تجربته مع الأولمبي الباجي    عقب إعصار البيارن.. برشلونة يحدّد هويّة مدربه الجديد    افضل 10 لاعبات التنس المحترفات في العالم    الرابطة 1 التونسية (جولة 20): برنامج مباريات السبت والنقل التلفزي    برشلونة يعلن اصابة لاعبه أومتيتي بفيروس كورونا    مستقبل سليمان .. وصول المهاجم الكوستاريكي    نساء رائدات: الاميرة بلارة بنت تميم بن المعز....اشتهرت بالعلم و حب الشعر    قفصة ..ضبط أربعة أشخاص اجتازوا الحدود البرية خلسة    يتحيّل على أصحاب صيدليات بهويات مزيفة    سيدي حسين..إيقاف 15 عنصرا مطلوبا للعدالة في مداهمات لأوكارهم    "إف بي آي" على رأس المشاركين بتحقيقات انفجار بيروت    ستتضمن أقطابا وزارية وعددا قليلا من الوزارات ..قريبا... حكومة المشيشي وبرنامج عملها    التقى المشيشي..السعيدي يقترح إجراء اكتتاب داخلي ومع الجالية    رئيس النقابة التونسية للفلاحين..قطاع الأعلاف صندوق أسود للفساد    مع الشروق تركيا... «تتمطط» في كل الاتجاهات! !    قابس.. تسجيل 85 إصابة جديدة بفيروس كورونا    تطاوين/ بئر الاحمر.. منع "الشيشة" وتأجيل الحفلات والاعراس بعد تسجيل 7 إصابات محلية    3.9 آلاف مليار كلفة الأعياد والعطل في تونس    بدأت مشوارها الفني سنة 1960..وفاة الفنانة المصرية شويكار عن عمر 82 عاما    أريانة: حجز 15 طنا من مادة السداري المدعم    التوجيه الجامعي محور ندوة نظمتها دار الشباب حي ابن خلدون    عيد الحوت بحلق الوادي.. دورة استثنائية في زمن الكورونا..عروض متنوعة واجراءات صحية    عاجل: وفاة الفنانة المصرية شويكار    شركة الكهرباء تقدم مشروعا جديدا لفاتورة استهلاك الكهرباءوالغاز المتوقع إصدارها قبل موفى 2020    مطار النفيضة يستقبل 177 سائحا من إستونيا    مطار تونس قرطاج الدولي: محاولة تهريب 150 طلقة نارية    استئناف حركة سير قطارات خطّ أحواز السّاحل    فجر السبت.. ظاهرة فلكية تضيء سماء البلدان العربية    بعد توقف فاق 3 أشهر:المعامل الآلية بالساحل تستأنف نشاطها    في الحب والمال: هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    الرصد الجوي يؤكد تواصل ارتفاع درجات الحرارة والشهيلي...    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





شمس الدين العوني يكتب عن القصاص محمود بلعيد: شخصيات قصصية مأخوذة بحرقة المكان والذاكرة ... 2\2
نشر في الشروق يوم 14 - 11 - 2019


وهذا ما حدث لسامي في قصة «قمر»:
«شاءت الأقدار أن ينهي سامي دراسته في أمريكا.. وأن يصبح من كبار المهندسين ويجوب العالم طولا وعرضا.. ويمضي الأعوام والسنين متنقلا بين عواصم الدنيا ومدنها..
يعود سامي الى الحي وليته لم يعد، ويقف في البطحاء وقوف الشاعر على الإطلال وليته لم يقف..
...ثم يبتعد، ويفارق البطحاء والحي..»
انها حرقة من نوع خاص تجد لها مكانا في الذوات الهادئة التي لم تهزها علامات الزيف .. الذوات المتعبة بحبها الدفين لما هو جميل وأصيل .. في هذه القصص نجد محمود بلعيد طفلا كبيرا متجولا بين دروب ومنعطفات مختلف الأمكنة في هيئة كاتب ذكي في التقاطه للأصوات والحركات والمشاعر وألوان الوعي ضمن منطق التفاصيل وجمالياتها .. كل ذلك في كتابة لها أسلوبها الساحر وصدقها ورشاقتها...
لقد عرف الكاتب محمود بلعيد بهذه النزعة المكانية في أدبه فهو يأتي على الأمكنة بتفاصيلها وعطورها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تستنبطها ليقودها الى متن قصصه بكثير من الألفة والحسرة على سبيل القول بالذاكرة وهو يعي ان هذا الزمن صار بلا ذاكرة فالعولمة تسعى لقتل الخصوصيات وما هو حميمي في حياة الناس..
إن الأدب مع محمود بلعيد لعب آخر وبوعي حيث يلعب الكبار على تدنيس الأمكنة وثقب الذاكرة وتعميم الرداءة حتى يصلح الحكم الذي تروج له الآلة التي بانت أدوارها والقائل «بلا جدوى الأدب وكل شيء يمضي باتجاه العولمة ويجب نسيان الماضي ولا قيمة للخصائص والخصوصيات .. والجميع سواسية أمام من يهيمن على الآخرين والمجد الآن للكمبيوتر ولا بد لك من فايس بوك .. والمجال لم يعد للكتاب او القراءة .. التقليعات والسراويل الميداعية .. الكرة .. المزود ..» هذه بعض نتاجات العولمة التي لونت العوالم بلون واحد ... ولكن ذلك لن يحصل أمام الأدب الذي يكشف ما يكشف من عورات الحضارات والعولمات والزيف حين يستبد الكائن بأخيه الكائن..
في حب من نوع خاص تصرخ الكلمات والقصص في هدوء صاحبها.. كل ذلك يحدث بوجهه القبيح والزائف وكل الذين يقفون خلف هدم الذاكرة بفعل الجهل والمادة والكسب السريع.
إن شخصيات هذه المجموعة القصصية قوية في صمودها أمام الذين يغتالون الذاكرة.. وأمام الموجة الجديدة التي يسعى أصحابها ومنظروها الى تهميش الآداب والفنون وأدوارها المهمة في النسيج الاجتماعي والثقافي.. ان هذه الشخصيات التي نجح محمود بلعيد في تقديمها الينا في هذه المجموعة القصصية وغيرها، على غاية من الوعي والسخرية تجاه ما يحدث الآن.. ونذكر بعض ذلك في قصة «وتوقفت الجنازة».. هذه القصة ذات الرمزية العالية التي شأنها شأن بقية القصص الأخرى.. وشخصية الدبسي تقول الكثير الذي نراه مهما لأمراضنا اليوم...
مرة أخرى يأخذنا الأديب محمود بلعيد الى حيّز من مراراتنا وأشجاننا وجهلنا ونحن نغمض العيون تجاه حقائق الأشياء في واحة يغمرها الزيف والغثيان..
أصل الأشياء هو الحكاية ومداراتها الوفاء والعطاء والسجن الجميل لتظل لعبة الكتابة مشغلا آخر للسخرية من فصاحة القلب والحال والأحوال ...
أسماء أنهج وأمكنة ومشاهد لا يفتعل محمود بلعيد ذكرها والحديث عنها ولا يتقصد منها تجميل وتأثيث القصص مسايرة للموضة التي عرفتها بعض الأعمال الروائية على سبيل التهويل والتهور الساذج باسم الجمالية وعنفوان السرد.. الكاتب يوظف كل ذلك في سياق مقتضيات السرد الأمر الذي يعطى لهذه الأمكنة توهجها الذي افتقدته في شيء من عطور الذكرى والذاكرة التي تعطي للقصص رمزيتها العالية .. وهنا تكمن أدبية القص وحرفية الكاتب محمود بلعيد .. هذا ما نلمسه ونحن نتوغل في جغرافيا النصوص التي منها ليلة الوطية وحب من نوع خاص وقمر وخالي هشام وتعاز وخطبة نهج الزعرور.. في طيات قصص محمود بلعيد كثير من السخرية والأسف والشجن والحرقة.. السخرية تجاه الأحوال في تلويناتها الساذجة التي تلهم الناس شيئا من وهم الحياة وإن كان الوهم أحيانا مصدر ابداع وابتكار.. الأسف تجاه ما آلت اليه أمور كثيرة في الذي نسميه اليومي... والشجن الذي يحتاجه الكاتب ليأخذنا اليه طوعا وكرها لنرى تقلب الأيام وحظ الرجال وأهل الشهامة والقنوعين منها حيث يمضي البعض كاتما سره وحكايات حرقته و.. و . وهذا ما يرد في قصة خالي هشام التي أخذتني معها واليها كثيرا.. فأنا أحترم كثيرا الكبار خاصة في زهدهم .. وعدم لهاثهم وراء العابر والزائف فضلا عن توفرهم على ضروب كثيرة من العطاء والكرم وحب الآخرين..
الحرقة وهي تنخر الكينونة وتلسع الذات بتوهج الذاكرة... هذه القاتلة خاصة أمام مرآة الزمن والتدفق المريب والمربك لتغير الأحوال.
..وفي النهاية.. أقول أيضا.. لست أدري بالضبط ما هو السر الدفين الذي تتوفر عليه هذه الشحنة السردية (وأعني بالسر السحر) لدى هذا الكاتب الذي كلما أهداني اصداره الجديد أمضي معه بقراءة فيها الكثير من الفوضى لأتحسس وفاء الكتابة لسياق كاتبها الذي عرف به منذ أعماله الأولى .. ثم أعود بعد ذلك الى القراءة المتأنية والعاشقة أيضا..
نمدحك أيتها القراءة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.