انقطاع التيار الكهربائي على معتمدية العيون (القصرين)الاحد    قابس: منح ترخيص لشركة تونسية لإنتاج 1 ميغاواط كهرباء شمسية    عراقجي يلتقي قائد الجيش الباكستاني ويسلّمه ردّ ايران    بين الذهب والفضة... أبطال تونس يفرضون كلمتهم في الرباط    تاجروين: وزير التجهيز يشرف على توزيع مساكن اجتماعية بحي الزهراء    أخيرا..استئناف الرحلات بمطار طهران الدولي..    ضربة قوية لتيك توك وفيسبوك وانستغرام في النرويج    بشرى للمواطنين.."الستاغ" تعلن..    الرابطة الأولى: استعدادات كبيرة وتأمين مشدد لمواجهة النادي الإفريقي والشبيبة القيروانية    الرابطة الأولى: برنامج النقل التلفزي لمواجهات الجولة الحادية عشرة إيابا    سوسة: ندوة علمية حول الخزف المعاصر في تونس    بأسعار خيالية: الحمير ولّات ''ذهب'' في هذه المنطقة    الجيدو: ذهبية لمريم جمور وميداليات أخرى لتونس في بطولة إفريقيا    اضراب وطني: تونس دون "تاكسيات" و"لواج" يوم الاثنين..#خبر_عاجل    الجبري: هذه حصيلة المحجوزات الديوانية خلال الثلاثي الأول من 2026    تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان..ما القصة..؟!    استقالات جماعية في الجامعة التونسية للسباحة وسط حديث عن ضغوطات وتهديدات    سهو دبلوماسي محرج.. واشنطن تستقبل الملك تشارلز بأعلام أستراليا    ساعة الحسم: الإفريقي والترجي في مواجهة ''الكل أو لا شيء''    من بينها الترجي: عقوبات مالية بالجملة ضد أندية المحترفة الأولى والثانية..#خبر_عاجل    تفكيك شبكة لترويج المخدرات وحجز 95 صفيحة زطلة وكوكايين بهذه الجهة..    مفاجأة مدوية/ خطير: العثور على "سم فئران" بأغذية أطفال مشهورة في 3 دول..!    شنوّا تعمل إلذا لقيت فأر في كوجينتك؟    تحب تشوف القمر بالتلسكوب؟ فرصة مجانية الليلة في مدينة العلوم    الطقس اليوم موش مستقرّ: ريح قوية ومطر آخر النهار في هذه المناطق    انطلاق الانتخابات المحلية في فلسطين    مجموعة السبع 'قلقة' من التسلّح النووي لروسيا والصين    اختتام المهرجان الرياضي المقام في إطار إحياء الذكرى 70 لعيد قوّات الأمن الدّاخلي(وزارة الداخلية)    رغم الهدنة.. شهداء في لبنان بسبب غارات اسرائيلية    حوار الاسبوع .. الخبير في الموارد المائية محمد الصالح قلايد ل«الشروق» ...لا خوف من انقطاع الماء هذا الصيف.. لكن الاحتياط واجب    من أجل تهمة حيازة مادة مخدرة : الاستئناف تؤيّد براءة سليم شيبوب    يمكنه غزو الخلايا البشرية.. اكتشاف فيروس كورونا لدى خفافيش شرق إفريقيا    وزير الخارجية الإيراني يصل إلى إسلام آباد    الكاف.. الاستعداد للامتحانات الوطنية محور جلسة عمل    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار ببعض المناطق    وزير الإقتصاد يشرف على جلسة عمل لمتابعة محفظة مشاريع التعاون مع البنك الأوروبي للإستثمار    صادرات زيت الزيتون المعلّب ترتفع بنسبة 69 بالمائة خلال الثلاثي الأول من 2026    معرض تونس الدولي للكتاب ... برنامج ثقافي ثري يجمع الادب والفكر والفنون السبت 25 أفريل 2026    جندوبة: افتتاح شهر التراث    القيروان: مؤتمر دولي بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان حول "الفن والحب في ضوء الراهن الإنساني"    وزارة الشؤون الثقافية: اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف ركيزة أساسية لترسيخ الوعي الجماعي    المصادقة على تنقيح وإتمام كراس الشروط المتعلق بالتجارب الطبية أو العلمية للأدوية المعدة للطب البشري (قرار بالرائد الرسمي)    هذا ما قرره القضاء اليوم في حق المتهمين في ملف قتل المحامية منجية المناعي    بحث صادم: إنت تتنفّس بين 28 ألف و108 ألف جزيء بلاستيك في النهار... ومن غير ما تحسّ!    حادث مرور أليم بالقيروان يسفر عن 13 جريحًا    معرض تونس الدولي للكتاب 2026: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم السبت 25 افريل 2026    مصر.. رجل أعمال يلقى حتفه بطريقة مروعة بعد دقائق من علاقة آثمة    البنك المركزي يسحب ترخيص شركة استعلام ائتماني...علاش؟ وشنوّا يعني هذا؟    ملتقى الرباط الدولي لبارا ألعاب القوى: ذهبية لروعة التليلي وفضية لأيمن لكوم في اليوم الأول    نقابة الفلّاحين: كلغ العلوش الحيّ من عند الفلذاح ب 60 دينار    رئيس الجمهورية: قريبًا إرساء مجلس التربية والتعليم    لبيك اللهم لبيك ...من معاني الحجّ    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    عاجل : قيس سعيد يفتتح الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب    عيد الأضحى 2026: التفاصيل الكاملة والإجازات في الدول العربية    للتوانسة :لازم تعرف الحاجات اللى تفسدلك حجتك    سوسة تحتضن الأيام الأورو-إفريقية ال23 لطب القلب العملية في جويلية القادم    شوف السّر وراء تغيير كسوة الكعبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شمس الدين العوني يكتب عن القصاص محمود بلعيد: شخصيات قصصية مأخوذة بحرقة المكان والذاكرة ... 2\2
نشر في الشروق يوم 14 - 11 - 2019


وهذا ما حدث لسامي في قصة «قمر»:
«شاءت الأقدار أن ينهي سامي دراسته في أمريكا.. وأن يصبح من كبار المهندسين ويجوب العالم طولا وعرضا.. ويمضي الأعوام والسنين متنقلا بين عواصم الدنيا ومدنها..
يعود سامي الى الحي وليته لم يعد، ويقف في البطحاء وقوف الشاعر على الإطلال وليته لم يقف..
...ثم يبتعد، ويفارق البطحاء والحي..»
انها حرقة من نوع خاص تجد لها مكانا في الذوات الهادئة التي لم تهزها علامات الزيف .. الذوات المتعبة بحبها الدفين لما هو جميل وأصيل .. في هذه القصص نجد محمود بلعيد طفلا كبيرا متجولا بين دروب ومنعطفات مختلف الأمكنة في هيئة كاتب ذكي في التقاطه للأصوات والحركات والمشاعر وألوان الوعي ضمن منطق التفاصيل وجمالياتها .. كل ذلك في كتابة لها أسلوبها الساحر وصدقها ورشاقتها...
لقد عرف الكاتب محمود بلعيد بهذه النزعة المكانية في أدبه فهو يأتي على الأمكنة بتفاصيلها وعطورها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تستنبطها ليقودها الى متن قصصه بكثير من الألفة والحسرة على سبيل القول بالذاكرة وهو يعي ان هذا الزمن صار بلا ذاكرة فالعولمة تسعى لقتل الخصوصيات وما هو حميمي في حياة الناس..
إن الأدب مع محمود بلعيد لعب آخر وبوعي حيث يلعب الكبار على تدنيس الأمكنة وثقب الذاكرة وتعميم الرداءة حتى يصلح الحكم الذي تروج له الآلة التي بانت أدوارها والقائل «بلا جدوى الأدب وكل شيء يمضي باتجاه العولمة ويجب نسيان الماضي ولا قيمة للخصائص والخصوصيات .. والجميع سواسية أمام من يهيمن على الآخرين والمجد الآن للكمبيوتر ولا بد لك من فايس بوك .. والمجال لم يعد للكتاب او القراءة .. التقليعات والسراويل الميداعية .. الكرة .. المزود ..» هذه بعض نتاجات العولمة التي لونت العوالم بلون واحد ... ولكن ذلك لن يحصل أمام الأدب الذي يكشف ما يكشف من عورات الحضارات والعولمات والزيف حين يستبد الكائن بأخيه الكائن..
في حب من نوع خاص تصرخ الكلمات والقصص في هدوء صاحبها.. كل ذلك يحدث بوجهه القبيح والزائف وكل الذين يقفون خلف هدم الذاكرة بفعل الجهل والمادة والكسب السريع.
إن شخصيات هذه المجموعة القصصية قوية في صمودها أمام الذين يغتالون الذاكرة.. وأمام الموجة الجديدة التي يسعى أصحابها ومنظروها الى تهميش الآداب والفنون وأدوارها المهمة في النسيج الاجتماعي والثقافي.. ان هذه الشخصيات التي نجح محمود بلعيد في تقديمها الينا في هذه المجموعة القصصية وغيرها، على غاية من الوعي والسخرية تجاه ما يحدث الآن.. ونذكر بعض ذلك في قصة «وتوقفت الجنازة».. هذه القصة ذات الرمزية العالية التي شأنها شأن بقية القصص الأخرى.. وشخصية الدبسي تقول الكثير الذي نراه مهما لأمراضنا اليوم...
مرة أخرى يأخذنا الأديب محمود بلعيد الى حيّز من مراراتنا وأشجاننا وجهلنا ونحن نغمض العيون تجاه حقائق الأشياء في واحة يغمرها الزيف والغثيان..
أصل الأشياء هو الحكاية ومداراتها الوفاء والعطاء والسجن الجميل لتظل لعبة الكتابة مشغلا آخر للسخرية من فصاحة القلب والحال والأحوال ...
أسماء أنهج وأمكنة ومشاهد لا يفتعل محمود بلعيد ذكرها والحديث عنها ولا يتقصد منها تجميل وتأثيث القصص مسايرة للموضة التي عرفتها بعض الأعمال الروائية على سبيل التهويل والتهور الساذج باسم الجمالية وعنفوان السرد.. الكاتب يوظف كل ذلك في سياق مقتضيات السرد الأمر الذي يعطى لهذه الأمكنة توهجها الذي افتقدته في شيء من عطور الذكرى والذاكرة التي تعطي للقصص رمزيتها العالية .. وهنا تكمن أدبية القص وحرفية الكاتب محمود بلعيد .. هذا ما نلمسه ونحن نتوغل في جغرافيا النصوص التي منها ليلة الوطية وحب من نوع خاص وقمر وخالي هشام وتعاز وخطبة نهج الزعرور.. في طيات قصص محمود بلعيد كثير من السخرية والأسف والشجن والحرقة.. السخرية تجاه الأحوال في تلويناتها الساذجة التي تلهم الناس شيئا من وهم الحياة وإن كان الوهم أحيانا مصدر ابداع وابتكار.. الأسف تجاه ما آلت اليه أمور كثيرة في الذي نسميه اليومي... والشجن الذي يحتاجه الكاتب ليأخذنا اليه طوعا وكرها لنرى تقلب الأيام وحظ الرجال وأهل الشهامة والقنوعين منها حيث يمضي البعض كاتما سره وحكايات حرقته و.. و . وهذا ما يرد في قصة خالي هشام التي أخذتني معها واليها كثيرا.. فأنا أحترم كثيرا الكبار خاصة في زهدهم .. وعدم لهاثهم وراء العابر والزائف فضلا عن توفرهم على ضروب كثيرة من العطاء والكرم وحب الآخرين..
الحرقة وهي تنخر الكينونة وتلسع الذات بتوهج الذاكرة... هذه القاتلة خاصة أمام مرآة الزمن والتدفق المريب والمربك لتغير الأحوال.
..وفي النهاية.. أقول أيضا.. لست أدري بالضبط ما هو السر الدفين الذي تتوفر عليه هذه الشحنة السردية (وأعني بالسر السحر) لدى هذا الكاتب الذي كلما أهداني اصداره الجديد أمضي معه بقراءة فيها الكثير من الفوضى لأتحسس وفاء الكتابة لسياق كاتبها الذي عرف به منذ أعماله الأولى .. ثم أعود بعد ذلك الى القراءة المتأنية والعاشقة أيضا..
نمدحك أيتها القراءة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.