صفاقس الشمالية القبض على 03 أشخاص من أجل السرقة باستعمال العنف    تطاوين: فريق متجول بجرعات من لقاح كوفيد-19 في المناطق البعيدة والنائية    مقاتلات إسرائيلية تدمر مصرفا في غزة    الجيش الليبي يرصد هبوط طائرة شحن عسكرية لمليشيا حفتر في سرت    تونس والصين والنرويج تطلب عقد اجتماع مفتوح لمجلس الأمن لمناقشة مستجدات الوضع في فلسطين    التيار الشعبي يدعو الى المشاركة بكثافة في مسيرة غد السبت لمناصرة فلسطين    سيدي بوزيد : معركة عنيفة في الساعات المتاخرة من الليل والحرس الوطني بسيدي بوزيد يتدخل    تقلص العجز التجاري لتونس خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2021 بنحو 423 مليون دينار    ليلة العيد: تخريب تجهيزات كهربائية لبئرين وقناة جلب مياه في 3 ولايات منها صفاقس    مليون دولار مقابل التلقيح ضد فيروس كورونا!    الثلاثاء القادم: انطلاق المفاوضات بين تونس وصندوق النقد الدولي    الغنوشي يجري مكالمة هاتفية مع مسؤولين بحركة الحماس    الغنوشي في اتصال هاتفي بهنيّة ومشعل: البرلمان التونسي مُلتزم بواجبه التاريخي تُجاه القضية الفلسطينية    حاكم صقلية يطلب من وزيرة الداخلية الايطالية الاتصال بتونس وليبيا    بطولة إسبانيا – فياريال يعزز حظوظه القارية بانتظار نهائي "يوروبا ليغ"    أنباء عن حلحلة الوضع بين سعيد والمشيشي بطلب أمريكي    مؤسسات التكوين المهني تستأنف نشاطها الاثنين 17 ماي الحالي    المنستير-كوفيد19: تسجيل حالتي وفاة و56 إصابة جديدة مقابل 19 حالة تعاف    مفاجأة أخرى للترجي الرياضي في الجزائر: الفريق لن يتدرب في ملعب المباراة    احباط عدد من رحلات الهجرة السرية وضبط عشرات الأشخاص    ماكرون: يتهم حماس وجماعات إرهابية بتعريض شعب إسرائيل الى الخطر    والدة زميلنا نجم الدين العكاري في ذمة الله    الحمامات: إيقاف مروجي مخدرات    دول تعلن اليوم الجمعة عيد الفطر    في سيدي حسين تفكيك عصابة اجرامية روعت المواطنين واصحاب المحلات التجارية    أميركا تتخلى عن إلزامية ارتداء الكمامات للحاصلين على اللقاح    كتائب "القسام" تُعلن استهداف مصنع كيماويات في بلدة "نير عوز" بطائرة "شهاب" المُسيّرة    رابطة ابطال افريقيا – الترجي في الجزائر امام شباب بلوزداد لتعبيد طريق التاهل للمربع الذهبي    الجزائر: الوفد المرافق للترجي مازال عالقاً في المطار    جندوبة: تهشيم جزء من النصب التذكاري للشهيد شكري بلعيد واتحاد الشغل يطالب بمحاسبة الجناة    طقس بملامح صيفية.. وهذه درجات الحرارة المتوقعة...    فجر العيد في الجبل الأحمر الاطاحة بعنصر اجرامي محل 6 مناشير تفتيش    تستأنف نشاطها اليوم.. إدخال تعديلات على رحلات قطارات الخطوط البعيدة    مسابقة الفوز بشقة في قناة الحوار تثير غضب وشكوك المشاهدين    وزارة الشؤون الثقافية تعلن امكانية استئناف التظاهرات مطلع الاسبوع المقبل    غدا استئناف حركة سير القطارات على الخطوط البعيدة    هدف "عابر للقارات" في الدوري السويدي (فيديو)    كونور ماكغريغور يتغلب على ميسي ورونالدو بعائدات سنوية قيمتها 500 مليار تونسي    النجم الساحلي: الدريدي يمنح لاعبيه راحة بيومين.. العمري يتعافى.. وبعيو يطرق أبواب العودة    المشيشي يتحوّل إلى قاعة العمليات المركزية بوزارة الداخلية    التحويلات المالية إلى تونس زادت بنسبة 5ر2 بالمائة في 2020 رغم جائحة كوفيد 19    دوري أبطال أوروبا: نقل المباراة النهائية من إسطنبول إلى بورتو بسبب كورونا    كأس تونس - موعد القرعة وبرنامج المقابلات    وحدات اقليم الحرس البحري بالوسط تحبط 3 عمليات اجتياز الحدود البحرية خلسة    الرؤساء الثلاثة يقدمون التهاني للشعب التونسي بمناسبة عيد الفطر    استئناف النقل العمومي للأشخاص بين المدن، بداية من غد الجمعة إلى يوم الثلاثاء 18 ماي 2021    الدراما الرمضانية: "حرقة" و "كان يامكانش" صالحا الجمهور مع التلفزة الوطنية    محمد الهنتاتي يجاهر بالإفطار في اخر يوم من شهر رمضان.    كشجر البرتقال والزيتون نحن باقون..    بنزرت: المراقبة الاقتصادية ترفع 745 مخالفة خلال شهر رمضان    اتحاد الفلاحة يدعو الحكومة الى سحب ما لا يقل عن 30 مليون لتر من الحليب المصنّع لانقاذ المنظومة    الدورة السابعة من مهرجان خميس الحنافي بقلعة الأندلس من 10 إلى 12 ماي    عيد الفطر المُبارك يوم الخميس 13 ماي 2021    تعذر رؤية هلال العيد في السعودية ودول أخرى    مدير مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ينضم لمجلس أمناء جائزة السميط للتنمية الأفريقية    محاسن السلوك...الرحمة    حاتم بلحاج: كان يا مكانش تفوّق على شوفلي حلّ    أعلام من الجهات: د.المنجي بن حميدة (عالم الأعصاب) قليبية..عقل الأيدي السخيّة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





" ب منفرد" لعلي العمري (3/3): في مديح المنسيين
نشر في الشروق يوم 18 - 04 - 2021


" ذئب منفرد" لعلي العمري (3/3)
في مديح المنسيين بقلم : يوسف عبد العاطي
لاحظ الكاتب يوسف عبد العاطي في الجزء الثاني الذي نشرناه امس السبت أنّ القراءة السّطحية للسّرد القصصي تُقدّم إيحاءات كثيرة، و تأويلات مُتعدّدة، وقال : " الأكيد أنّ مطالعة كلّ قصص المجموعة سيُوفّر إمكانيات أرحب للتّحليق عاليًا في أهداف الكتابة الأدبية لدى علي العمري الذي تمنح نصوصه المتعة و الإفادة." ونواصل اليوم نشر الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة:
القصّة الأخيرة في المجموعة و الّتي حملت عنوان «خريف العمر» انطلقت فيها الأحداث بهذا التّقديم المسرحي للمشهد:
(جَلَسَتْ إلى جانبي على الكرسيّ القديم، في المحطّة الّتي أعرفُها منذ سنوات طويلة. سحبْتُ مِحفظتي و تجاهلتُ جَلَبَتَها الّتي رافقَتْجُلوسها. وتزَحزَحْتُ قليلًا، و لكنَّ عِطْرها الغامِضَ و طيْفَ جَسَدِها الّذي بدا لي غيرَ مُتوقَّع، جعلاني أرفَعُ رأسي عن الصّحيفة الرّخيصة الّتي كنتُ أقرؤها.) (ص: 123)
فباستعمال جمل قصيرة تمكّن الكاتب من شدّ انتباه القارئ و قدّم له وصفا دقيقًا لمشهد الأحداث مع تواصل الحركة، ولذلك شعرتبحسن توظيف التّقنيات المسرحية في الكتابة و الّتي غالبًا ما تساهم في ارتفاع درجة التّشويق لحظة المطالعة. فهذه التّقنية غالبًا ما توقع المتابع في فخّ المشاركة.
و سعيًا منّي إلى تقريب ملامح الكتابة الأدبية لدى علي العمري بطريقة أفضل، أرى أنّه من المفيد التّوقّف عند الفقرة الأخيرة من نفس القصّة و الّتي واصل فيها استغلال التّقنيات المشهدية ببراعة ، حيث يقول:
(حثثتُ خطاي المتعبة نحو الحافلة الراسية بالرّواق عدد3 تركتُ حقيبتي المليئة بالتّفاهات و محفظتي و كتب « الجماليات »الّتي لم تسعفنيبشيء. زاحمتُ الشّبابَ اليافعين و النّساء بعطورهن الرّخيصة الباعثة على التّقيّؤ. ألقيتُ بمؤخّرتي على أوّل مقعد صادفني. و تنهّدتُ بلا رغبة. و تمتمتُ مجهدًا: « أيّها الغبيّ الأحمق! ». فانتبه السّائق إلى وجودي، و قال ضاحكا:
- كَبُرْتَ يا دكتور!
فأوْمَأْتُ برأسي موافقا، و تذكّرت العجوز « ماتيو »، و بدأت أفكّر في إعداد جنازة تليق بشيخوختي.)( ص : 135)
و من خلال هذا الوصف الدّقيق للأحداث نلمس درجة الإحباط و الانكسار التي أصابت الرّاوي بسبب افتقاده للجرأة بفعل تأثّره بكتب الجماليات الّتي تملأ حقيبته، إلى جانب تلك المقارنة الّتي فرضتها الضّرورة بين عطر فاتنته، و عطر مرافقيه في الحافلة المتّجهة إلىالقصرين.
فالخجل ألجم لسانه و دفعه إلى التّفكير (في إعداد جنازة تليق بشيخوخته) و لذلك نجد أنفسنا مجبرين على إعادة مطالعة الأحداثبعقلية المتحفّز إلى تلمّس مواقف الكاتب المخفية حول واقع الأستاذ الغارق في مثاليات كتب الجماليات و المنقطع تقريبًا عن ممارسة متطلّبات الحياة. فالرّاوي في هذه القصّة و غيرها لا يحمل ملامح إنسان بل أشعر أنّه يختزل وطنًا.
أصل الآن إلى القصّة الّتي حملت نفس عنوان الكتاب«ذئب منفرد» و الّتي انطلق فيها السّرد بالوصف و تقديم المشهد:
(أشرف من فوق التلّة الكبيرة على المدينة المكدّسة على جانب السّفح فَبَدَتْ بِدُورِهَا البيضاء المتراصّة مثل لحاف ينبت في خاصرتها دونأن يَهَبَ ساقيها الباردتين أيّ دفء. كان لحافا طويلًا يمتدّ بلا آخر واطئا قميئا يهجع تحت صمت خليقٍ بتلك الأيّام الصّعبة. و بدت المدينة من خلال الصّمتِ ممتدّة كالثّعبان. طول بلا عرض. ترتمي في الهاوية دون أن تدرك القعر مثل جرف هار. لسان ينحدر في سفوح الجبال الّتيتملأ برّ «الفراشيش».) ( ص : 61)
و أرى أنّ هذا الوصف الذي ينضح عشقًا و حميمية للمدينة يرتقي إلى مرتبة اعتراف مُحبّ مُتيّم بهوى هذه المدينة رغم نكرانه لهندستهاالّتي توحي بأنّها مدينة الامتدادات. فهي:(طول بلا عرض)،لكنّها (لسان ينحدر في سفوح الجبال) فهل ما زلنا نبحث عن ملامح الشّهامة بعدهذا الوصف؟
أمّا الفقرة الأخيرة في هذه القصّة فجاءت كما يلي:
(و هو يرى صورة الذّئب على جدار الكهف أعاد ترتيب جلسته على نحو تكون فيه مناسبة لوضعه الجديد. فأقعى على ذيله و عوى عواءمتقطّعا أليمًا تردّد صداه في التلّة و الوادي و بلغ المدينة فارتجفت، و كان ذلك بمثابة نذير شؤم.) ( ص :75)
و رغم نزوع الكاتب في خاتمة هذه القصّة إلى نهاية سريالية تحتاج إلى التّوقّف عندها طويلًا لفكّ رموزها وتأويلاتها، حيث تحوّل الرّاويفيها إلى ذئب لذلك أرى أنّه من المفيد الغوص في مدلول هذا التّشبيه الذي تكرّر في أكثر من موقع بأساليب مختلفة.
فإلى جانب قصّة « ذئب منفرد » يُذكر هذا التّشبيه في قصّة « شهرة »( زمجر و عوى مثل ذئب في البراري) (ص:37). لنجد الرّاوي فيقصّة « رائحة الذّكرى » يقول:(و على الرّغم من ضيق رفاقه في العمل بفلسفته تلك و تبرّئهم من ذئبيته،) (ص: 78). ثمّ يُصرّح لنا فيقصّة«سيّدُ البيت العالي»: (و لم يبق سوى عواء الذّئاب في الأودية و الهضاب.) (ص : 96)، أو قوله في قصّة «حكاية رجل أكله اللّيل »: (... و عوت الذّئاب كما لو أنّها تذكّر الجميع بنهاية النّهار.) (ص:100)، إلى غير ذلك من الأمثلة المنثورة في سرد بقية القصص. فهل يعني هذاأنّ الكاتب انطلق في صياغة نصوصه بعد أن أسرت مدلولات هذا التّشبيه قلمه؟ أم إنّنا نحتاج إلى إعادة القراءة مرّات أخرى قصد التقاطأسباب اختيار عنوان « ذئب منفرد » لإطلاقه على كامل قصص المجموعة؟
و مهما ستكون الإجابات، أرى أنّ استعمال هذا التّشبيه كان له الأثر البالغ في تأويل القصص، حتّى و إن تظاهرنا بتجاهل ذلك. فرغم أنّ هذه المجموعة هي باكورة منشورات الأستاذ علي العمري، إلّا أنّني لمست لديه قدرة فائقة على التّوجيه المُحكم و السّليم لأهداف كتابتهالإبداعية، لذلك سنبقى في شوق و لهفة للاطّلاع على مخطوطاته الّتي لم تُنشر.
و أرى أنّ مجموعة « ذئب منفرد »جاءت لتعلن عن ميلاد قصّاص بارع في إنتاجه، و متمكّن من أدواته الفنية و حسبي في هذه القراءةجلب الانتباه إلى هذه الانتاجات الّتي تعيد الأمل في تدعيم السّاحة الأدبية و الثّقافية بصفة عامّة بأسماء للأدب المكانة الّتي يستحقّها مع احترام و تقدير للقارئ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.