بشهادة جل المشاركين في الانتخابات التشريعية والرئاسية، إن لم نقل كلهم فإن الاجواء كانت ممتازة على كل الأصعدة،. اذ تم الحديث عن حياد كامل للإدارة وعن غياب التجاوزات وأشكال التعامل القديمة، وهو ما وفر لظروف تنافس ملائمة زادتها الضمانات الكبيرة التي نصت عليها المجلة الانتخابية والتي تعلقت بكامل مراحل العملية الانتخابية. ورغم هذه الاجواء الديمقراطية وما تخللها من شفافية ومن تطبيق صارم للقانون الانتخابي، فإن أحزاب المعارضة لم تستغل هذه الفرصة التي لا تتوفر في بلدان أخرى مماثلة لنا. فعديد الاحزاب المعارضة ارتكبت أخطاء عند تقديم قائمة مرشحيها فأدمجت مرشحين غير ناخبين أولهم موانع قانونية مما أدى الى سقوط قائماتها وتراجع نسبة حظوظها رغم ان الادارة شرعت في تقديم بطاقات الاقتراع قبل نحو خمسة أشهر من انطلاق الانتخابات وهو وقت كاف للتثبت وتجنب السقوط في الاخطاء. كما ان اكثر من حزب معارض التجأ الى التعويل على عناصر «مستوردة» من أحزاب أخرى أو لا علاقة لها أصلا بالعمل السياسي لتأثيث قائماته ولإظهار اشعاع وطني هو في الحقيقة لا يستحقه وهو ما يعرفه الخاص والعام في تونس. ويبدو أن أحزاب المعارضة لم تجد الوقت الكافي لإنهاء صراعاتها حول رئاسة القائمات التي اندلعت منذ الصائفة الماضية وتأججت باقتراب موعد تقديم القائمات وهو ما هدد اكثر من حزب معارض بفقدان نسب هامة من منخرطيه واطاراته وأدى في النهاية الى التأخير في تقديم القائمات وضياع امكانية الترميم والاصلاح في القائمات التي ظهرت عليها عيوب قانونية. وارتكبت الأحزاب المعارضة أخطاء في ادارة حملاتها الانتخابية اذ قصّرت في تعليق قائماتها الانتخابية وفي توزيع بياناتها وفي عقد الاجتماعات العامة رغم تخصيص فضاءات مجانية لذلك ورغم حصولها قبل انطلاق الحملة على مساعدات عمومية لتمويل الحملة. ورغم ان بعض الأحزاب توفقت في استقطاب اعداد محترمة من المواطنين في بعض الاجتماعات وخاصة في تونس الكبرى فإن البقية وانطلاقا من اللقاءات التي حضرناها أو التي تابعناها على شاشة التلفزة في اطار التغطية الشاملة لكل حملات الاحزاب والقائمات المشاركة عجزت عن تعبئة الناخبين والمؤيدين والتي لم يتجاوز عدد المشاركين فيها وخاصة في اللقاءات بالمواطنين في الشارع والفضاءات العامة بعض العشرات وهو ما لا يليق بأحزاب مضى على تأسيسها اكثر من عقد من الزمن، ولا يمكن تفسيره فقط بابتعاد الشبان وغيرهم عن العمل السياسي وبقاء بعض الرهبة من الانتماء الى أحزاب معارضة. ويبدو ان هذا التقصير مرده عاملان أولهما عقلية ترسخت لدى أغلب الاحزاب المعارضة منذ انتخابات 1989 وتتعلق بالرضا بقانون النسبية اي حصر الصراع بين أحزاب الاقلية في نسبة 20 التي خصصتها لها الدولة وثانيهما أعراض المواطنين عن الانتماء والتصويت لفائدة أحزاب المعارضة لأنها لم تتقدم اليهم ببرامج واضحة وترتقي الى انتظاراتهم وطموحاتهم. إن هذه الوقائع والمعطيات قد تغيب عن الكثير من النقاد والمتابعين للانتخابات والذين يحكمون في النهاية على النتائج وقد يتساءلون عن سر تواصل سيطرة الحزب الحاكم وفوزه بكل المقاعد في كل الدوائر وبقاء المعاضرة تحت المنافسة.