منذ تغيير وزير الخارجية الفرنسية السابق السيد دومينيك دوفيلبان، بزميله السيد ميشال بارنيي، والسياسة الخارجية الفرنسية تشهد تغيّرات هادئة لكن عميقة في اتجاه اعادة كسب الرضاء الامريكي عن فرنسا، وصوب تقديم كل صكوك التوبة لامريكا الغاضبة. وها هي السياسة الخارجية الفرنسية تحاول منذ مدّة ان توجد الفرصة او تخلق القدرة على نفع امريكا بطريقة لا تورّط فرنسا كل التوريط، ولا تجعلها تغامر مع ادارة امريكية هي اقرب للمجانين، ولأنها لم تجد لا الفرصة المباشرة ولا القدرة الممكنة، يلاحظ كل مراقب للسياسة الخارجية الفرنسية، أن فرنسا تريد ان تفعل ذلك عبر طرق فرعية عوضا عن الطريق الرئيسي، وتحديدا عبر طريق آخر لقلب امريكا، اسمه الطريق اليهودي. فمنذ مدّة وفرنسا تعيش جوا يخلط عمدا بين معاداة السامية ومعاداة ما تفعله اسرائيل، وتجتهد ان تزيل كل الاثار المتعلّقة، بما لصق في اذهان الرأي العام الاوروبي من جرائم اسرائيل، وهو ما اظهره ذلك الاستفتاء الشهير الذي ظهر خلاله ان الرأي العام هناك تبدّل واصبح في غالبيته يعتقد أن اسرائيل خطر على السلام الدولي. ولكن يبدو أن كل هذا لم يكف، وانه على فرنسا المنزعجة، أن تكون اكثر ولاء، ولن يكون ذلك ممكنا الا اذا ما اصبحت اكثر ايذاء لمن لا تحبه امريكا ولا تقبل به اسرائيل اي العرب. ووسط هذه المعادلة نقرأ الاسباب التي جعلت فرنسا تقوم بدور «الفزاعة» ضد سوريا، وتثابر بلا ادنى خجل قصد اصدار قرار اممي ضدّها هي ولبنان في الوقت الذي كان اولى بها فيه ان تطالب باصدار قرار ضد التواجد الاسرائيلي في ارض الجولان وضد الجرائم الاسرائيلية الموجهة للاشقاء الفلسطينيين. اننا نعلم علم اليقين ان فرنسا خسرت في رهانها الطويل على سياسة عربية متوازنة، وأن عدة ظروف ووقائع وحقائق، وآخرها الحرب الاخيرة، لم تزدها الا يأسا من ترهات العرب، ومن نهايات الرهان على صداقتهم او فهمهم. وهي في ذلك محقّة. لكن ان يتحوّل هذا الى سبب يصل الى حد التآمر على اقطار عربية ويهدد في العمق حتى استقرارها وأمنها، فذلك ما لا يمكن ان نقبله من هذه الدولة التي عليها ان تعلم علم اليقين ان الكثير الكثير من النخب العربية، تربّت على ثقافة فرنسا، وقيم فرنسا، ومبادئ فرنسا، بل وانها تفكر بطريقة تكاد تكون متطابقة مع العقل الفرنسي وتحلل وتفسّر الامور بنفس الياته. ولذلك فان كل تغيّر في المواقف الفرنسية لا يغيب عن عقل النخبة العربية في مستوى فهمه بالضبط وادراكه كما يجب. ولهذا السبب بدأ صبرنا ينفد من فرنسا!