حين يلتقي الشعر والسياسة تتداخل خطوط الطول وخطوط العرض... وترتسم لوحة سريالية تمتزج فيها سرحات الخيال وشطحات شيطان الشعر ببهلوانيات السياسة وشطحات رجل السياسة... لم يكن الأول الذي يجمع صور الشعر بمفردات السياسة...ولن يكون الاخير الذي تحرقه لعبة السياسة ودهاليزها ليهرب الى عالم متخيّل صيغ من المعاني ومن القوافي... انه دومينيك دوفيلبان رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق الذي تسلّق سلالم المجد الى القمّة... ليهوي بعدها الى القاع مطاردا بتهمة يقول خصومه (وعلى رأسهم الرئيس ساركوزي) إنها قضية ارتشاء ويصرخ هو انها تهمة سياسية المراد منها وضع نقطة نهاية لمشواره الطويل مع السياسة ميلاده (نوفمبر 1953) بالرباط، على الضفة الجنوبية للمتوسط سيكون محدّدا في بناء شخصيته... حيث سترافقه روح الشرق طوال مشواره... ليكون الاقرب بين بني جلدته الى فهم الشخصية العربية والاقدر على الغوص في ثنايا القضايا العربية... وسوف لن يكون غريبا علينا نحن العرب فك شفرة تلك المداخلة القيمة والنادرة التي قدّمها ذات يوم في مجلس الأمن قبيل غزو العراق رفضا للغزو وانتصارا لقوة الحق واعلاء لراية القانون الدولي... ولعلّ تلك كانت الجرعة الزائدة في سياساته العربية والتي جلبت له غضب الحاقدين وسياط المهرولين في زفة العدوان على العراق... دومينيك دوفيلبان مغربي المولد خريج المدرسة الوطنية للادارة بباريس، اسم سرعان ما سطع في دنيا السياسة واستقطب الانظار... ليكون على موعد مع المجد... البداية كانت بمنصب أمين عام لقصر الايليزيه (1995 2002) ثم وزير للخارجية (2003)...فوزيرا للداخلية... فوزيرا أول... هذه المسيرة السياسية المطعّمة بتجربتين في دنيا العمل الديبلوماسي قادتاه الى فينزويلا والى الولاياتالمتحدة جعلته يمتلك جل مفاتيح السياسة ومفرداتها... اكسبته خبرة على الإبحار في أمواجها الهائجة... ليس هذا فقط بل ان الرجل دخل السياسة مسلّحا بقوافي الشعر وهو ما أكسبه قدرات اضافية على مزج فنّ الممكن مع فنّ المتصور... ليكون سياسيا شاعرا يجمع تفاصيل الواقع وخطوط الخيال... وليكون شاعرا سياسيا يسقط صور الخيال على تفاصيل الواقع... وهو ما جعله يبدع في تلك الأمسية داخل مجلس الأمن حين جمع مفردات الالقاء الشعري الى ابداعات السياسي اللبق والفطن... ليكون بمثابة لسان دفاع الحق ضد الباطل ومحامي الخير ضد الشر ونصير الشرعية وقوة الحجة في مواجهة العدوان وحجة القوة... كان يدرك أن في بني عمّه رماح... وان فرنسا كانت تتأرجح وقتها بين ضميرها وبين مصالحها... بين مبادئ تحرّضها للوقوف في وجه غطرسة القوة وبين مصالح تدير رقبتها الىطابور «الكلاب المسعورة»... ولم يطل تأرجح فرنسا لتستسلم الى لغة المصالح... وليدفع هو الثمن... والثمن خروج من السياسة من الباب الصغير...وتهمة فساد يراد لها ان تقوده الى باب السجن... لذلك انتفض يوم الاثنين الماضي وهو يدخل قاعة المحكمة في اطار قضية «كلير ستريم» (تهمة تقاضي عملات سرية في صفقة بيع فرقاطة الى تايوان) ويعلن للعالم: «اني هنا بإرادة رجل واحد... انني هنا بسبب تعنت رجل هو نيكولا ساركوزي الذي هو ايضا رئيس جمهورية فرنسا... سأخرج حرا وبريئا باسم الشعب الفرنسي»... هل يخرج دوفيلبان سالما من هذه المحاكمة التي يقول انها «سياسية»... وهل يكسب المعركة التي يقول انها «معركة كل الذين يقاتلون ضد الظلم وجميع الذين هم ضحايا تجاوز السلطة» ليعود سالما الى قواعد الشعر وقوافيه؟ أم تراه قد قال في مجلس الأمن «القصيد» الذي لم يكن مباحا أن يقوله ليكون قد حكم بتحطيم جميع قوافيه. في السياسة وفي الشعر؟ أم هل يستجمع مفرداته وقوافيه ويطل برأسه مجددا في انتخابات 2012؟