قال تعالى : {وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين} (البقرة : 195). لفظ التهلكة لغة في المعاجم من نوادر المصادر، وليس فيما يجري على القياس، والتهلكة كل شيء يفضي الى الهلاك يقول علماؤنا المفسرون في تفسير هذه الآية الكريمة : {وانفقوا في سبيل الله} أي أبذلوا أنفسكم وأموالكم في طاعته ومراضيه سواء الجهاد وغيره، كصلة الرحم ومراعاة الضعفاء والفقراء من عباد الله. وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} عبر بالأيدي عن الانفس اكتفاء بالجزء الاهم من النفس كقوله في الآية 30 من سورة الشورى : {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} اي أنفسكم. وقوله تعالى : {الى التهلكة} اي الى الهلاك اي الى أسبابه، ومن أسباب الهلاك امساك الاموال والانفس عن الجهاد، لأن بهذا الامساك والتقاعس يشتد العدو ويقوى وتكثر المصائب في الدين والذل لأهله كما هو حادث فينا اليوم ومشاهد، وهل من تهلكة أشد مما فيه نحن اليوم في واقع حياتنا الاسلامية المعاصرة؟ ومفهوم البعض منا في حياتنا المعاصرة ربما لا يختلف عن مفهوم بعض السلف ممن ظنوا ان المقصود في {ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} هوالاندفاع بتهور فيما يمكن ان يؤدي بحياتنا، وكثيرا ما جاءت التحذيرات من عدم التهور في كذا.. وكذا، ويا فلان انك تلقي بيدك الى التهلكة في هذا الامر الذي أنت مقدم عليه. والتعبير القرآني عن معنى هذا اللفظ يختلف تماما عما ذهبنا اليه. وقديما قالوا حسبما جاء في بعض التفاسير ان رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو، فصاح به الناس : القى بيده في التهلكة، فقال أبو أيوب الانصاري : نحن اعلم بهذه الآية، انما انزلت فينا، صحبنا رسول الله ص فنصرناه وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهلينا وأموالنا وأولادنا. فلما وضعت الحرب اوزارها، رجعنا الى أهلينا وأموالنا وأولادنا نصلحها ونقوّم فيها فكانت التهلكة : الاقامة في الأهل والمال وترك الجهاد اذن مفهوم الآية الكريمة على هذا النحو الذي عرضناه وليس على حسب الفهم المغلوط السائد حولها. ان حالنا اليوم هو ما مر عليه جماعة الانصار عندما كثرت الاموال ووضعت الحرب أوزارها ولكنهم عندما نزل قول الحق تبارك وتعالى سارعوا الى مغفرة من الله ونجو بأنفسهم من التهلكة، فهل في واقعنا المعاصر من سبيل لكي نحذو حذو الفئة المؤمنة، والقرآن الذي نزل نديا طريا في زمانهم بالوحي يتنزل على الحبيب المصطفى، لم يزل بين أيدينا لم يتغير ولم يتبدل، ولكننا نحن للأسف الذين تغيرنا وتبدلنا. ان الواحد منا تجده لا يهون عليه ان يترك متجره ولو لدقائق معدودات لأداء الصلاة في جماعة بالمسجد الذي يقع خلف متجره.