منذ أيّام قضت المحكمة الابتدائية بسوسة بسجن مواطن مدة ثلاثة أشهر بعد إدانته بالاعتداء على كلب بآلة حادة (بالة) وقتله.كذلك، أوّل أمس تمكّن أعوان مركز الأمن بالملاسين، من الكشف عن هوية امرأة ظهرت في مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي ، وهي تسكب البنزين على قطط متجمّعة قرب حاوية فضلات أضرمت فيها النّار في هدوء ثمّ انصرفت . الوقوف عند هذين الخبرين، يعكس بشاعة التجرّؤ على الحيوان بوحشيّة وبلوغ بعض التونسيين أقصى درجات الانفلات ، وفي نفس الوقت يوكّد أننا في دولة القانون ولسنا في غابة ممّا جعل القضاء يتفاعل مع الجريمتين معنويّا على قدر تجريم الفعل المرتكب في حقّ الإنسان . فالمسألة لا يمكن حصرها فقط في جمعية تولت مقاضاة مواطن متهوّر أباد كلبا بآلة حادة وانتصرت عليه ، أو في مواطن وثّق في فيديو جريمة امرأة تُجمّع القطط حول الطعام ثمّ تُخاتلها بالحرق ، إنّ الأمر أعمق من ذلك ، إنّها الدّولة عندما تكون حاضرة بقوّة وأجهزتها مُعافاة من الوهَن وقوانينها جاهزة للتّنفيذ بدل أن تكون حبرا على ورق. وعلينا أن نؤكد أنّ تطبيق القانون على كلّ متجاوز ، والكيل بنفس المكيال عند إيذاء شجرة أو حيوانا أو العبث بالملك العمومي، يفرض علوية هذا القانون فوق الجميع، ويضع كلّ مواطن أمام حدوده في هذه الرقعة المشتركة للعيش ،ويلزمه عند حدّه . ولا يمكن بلوغ هذا المستوى المحترم من الانضباط واحترام الآخر ، أيّا كان هذا الآخر، إلا بالرّدع والضرب على أيادي المتمرّدين والمتجاوزين تجاوزا صارخا لسلطة القانون، و سعيهم بشتّى الممارسات والسلوكيات إلى تبخيس سلطة الدّولة وكأنّهم يعيشون في القبائل البدائية . المؤكد أنّ الفصل 317 من المجلة الجزائية يجرّم الاعتداء على الحيوانات سواء بقتلها أو إيذائها أو سوء معاملتها، وهو السند القانوني الذي كان سببا في التتبع القضائي في الحادثيتين الأخيرتين، غير أنّ بعض نوّاب مجلس الشّعب كانوا قد اقترحوا خلال شهر أوت الجاري مشروع قانون يجرّم سوء معاملة الحيوانات ، لتكون الجريمة أكثر دقة ويكون القانون المقترح ملزما بتتبع كلّ من يتجرّأ على الإساءة أو إيذاء أو إلحاق عاهة بها. مثل هذه النصوص الردعية في المجتمعات المُنفلتة باتت ضرورية ، وقد شهد المجتمع التونسي أقصى حالات التهوّر والهستيريا ما بعد الثّورة بممارسة العنف غير المبرر، والثلب والتّشهير، والتطاول ، وتخريب الملك العمومي ، ونشر الإشاعة وصناعة الخوف والارتياب، و تلويث المحيط، و إغراق الشّوارع في الفضلات و تهوّر الطريق و غيرها من السّلوكيات المريضة . ومن الطبيعي أنّ ما يعجز عن تحقيقه الحوار والتّحسيس والتوعية يُفلح في ضبطه الرّدع بتسليط عقوبات موجعة ماديا تجعل مرتكبها حريصا على عدم الوقوع مرة أخرى في الفخ، ويكون بذلك عبرة لغيره ، ويدرك معنى الاعتراف بوجود الحدود في التعامل مع الآخرين والتّعايش معهم على قدر من الاحترام والانضباط والنضج الاجتماعيّ. ومن يبلغ هذه الحدود الواعية في التعامل مع الآخر ، سيكتسب تلقائيا مناعة ضدّ التسيّب ويلزم حدوده أيضا مع الطبيعة والحيوان والحجر والشّجر والطريق ، ويرتقي إلى مرتبة المواطن الفاعل ،أو المواطن الإيجابي القادر على تقاسم العيش مع محيطه المادي والاجتماعي دون أن يبلغ معه مرحلة الإيذاء، ودون اللّجوء إلى قانون يضبط سلوكه الانفلاتيّ ، أو دون اللجوء إلى عدسات سرية توثّق خروقاته وتجاوزاته لفضحها على شبكات التواصل الاجتماعي. إنّ هذه الشبكات اليوم على سلبياتها الكثيرة عند إساءة استعمالها وتوظيفها ، إلا أنّها في مواقف كثيرة أصبحت ضرورية ، تلعب دور المواطن الرّقيب لكشف المستور وتوثيق تصرفات العديد من المارقين لسلطة المجتمع والقانون والأعراف ، و تمثّل وثيقة إثبات وشهادة حيّة تُحْرج المسؤول وتدفعه إلى التّسريع بالتدخّل حتّى لا يكون مُخلاّ أو لامباليا أو متواطئا. ونحن اليوم نشهد محاكمات بعنوان إيذاء الحيوان، نحتاج أيضا قوانين تجرّم التطاول على رموز الوطن وروّاده و أعلامه، ويكفي أن نذكر في هذا المجال بالتطاول أوّل أمس على نصب الطاهر الحدّاد بحامة ڨابس للمرة الثالثة بعد سنة 2015 و2018، لندرك أنّ ثقافة التّخريب وعقلية الهدْم تبدأ بقتل كلب وقط وحرق شجرة وتنتهي بقتل رموز البلاد، ويكبر جهلهم وحقدهم الأعمى إلى اغتيال...الوطن !!!! ، ولا حلّ أمام هذه الفوضى غير صناعة الوعي بفرض القانون ...وبصرامة. وحيدة المي