قبل اربعين يوما انتقل عرفات الى مثواه قبل الاخير... عرفات ليس كالاخرين... عرفات لاجئ دائم بين الازمنة وبين الحدود وبين أنياب الاخوة... والاعداء... وهذا قبره ليس الا محطة أخرى من محطات الهائمين وعذابات الترحال... يا غريب الدار هذا الوطن حملته في قلبك كما حملت جراح شعبك فوق شفاه لا تغادرها الابتسامة... عرفات لم ير وطنه في الحلم بل رأى الحلم في وطنه... مثل عليسة بدأ بمساحة جلد نمر... ليكبر الحلم ويحرر كل شبل شبرا... أجمل قصيدة وفي القصيدة أبيات وكل بيت يُبنى بالحجارة... عرفات مات... ولكن بلير لم يصدق وقد جاء الى قبره ليقرأ عليه الفاتحة بالانقليزية ويتأكد أنه رحل فعلا... وإلا كيف لم يزره وهو تحت الحصار... كيف لم يستفزّه الجندي الاسرائيلي وهو يقضي حاجته على جدار اقامة عرفات... بوش وبلير لم يستفزّهما الجدار... ذاك الثعبان المسلح الذي يقطع أوصال ما تبقى من فلسطين... بوش وبلير اعتبرا عرفات اعلى وأكبر من الجدار... بل اعتبراه الجدار الذي عزل الفلسطينيين عن حلمهم باقامة دولة... ولما مات صار عرفات مزارا لحفيد بلفور... لما مات عرفات تكثّفت الجولات والصولات واللقاءات وبوْس الاحذية لمسح «أخطاء» عرفات!!! وحده شارون لم يتغيّر... وربّما أحزنه غياب الزعيم لأنه فقد الشماعة التي يعلّق عليها ذرائعه وجثث أطفال فلسطين... يا غريب الدارالذي وجد في تونس الزيتون وزهر اللوز وشجر الليمون ملامح من حبيبته... ووجد في الحضن الدافئ بعضا من دفء الوطن الأم... ووجد في عيوننا بريقا من عيون الأنصار... يا غريب الدّار... أنت لم ترحل بل رحل ما هو جميل في هذه الديار... اسمع نشرات الاخبار... اسمع نشرات الأحبار... وأنا أرجوك ان لا تفعل حتى لا يقال: بكى الختيار...