لعلّ القرّاء لاحظوا تغيّرا نوعيا في الاعلام الوطني، هذه الأيّام، ولعلّهم لاحظوا أنه لا توجد دائرة للممنوعات، فكلّ المواضيع منشورة على صفحات الجرائد وأولها «الشروق»، وكلّ الأفكار منشورة بلا مقصّ ولا رقيب، ويعود هذا الأمر بالأساس وبالدّرجة الأولى، إلى ثراءالحوار الذي أصبح موجودا في تونس، وإلى قيام كلّ طرف بما تمليه عليه مسؤولياته. فعندما تحرّكت هذه الأطراف تحرّك الاعلام بالضرورة، وعندما أثرت مضامين خطابها، انعكس ذلك على الثراء المنشود للاعلام الوطني، وهو أي الاعلام لا يمكن إلا أن يكون انعكاسا لما يحدث، ولا يمكن أن يتحمّل مهاما ليست له أو مسؤوليات لا تعود إلى اختصاصه. وبكلّ صراحة، فإنّ عدّة أطراف ولعدة أسباب حتى لا نقول حسابات، كانت تنتظر أن يقوم الاعلام بدورها هي، وأن يملأ مساحة استقالتها، وأن يعبّر بشجاعة عن صوتها فيما هي تعوزها كل الشجاعة. ونسي هؤلاء أن الجرائد ليست أحزابا سياسية أو منظمات مدنية أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية. إنه (الاعلام) قطاع لا يتحرّك إلا إذا تحرّكت الأطراف الأخرى، ولا يكون غنيّا في ظلّ فقر الآخرين، ولا يمكن أن يُشبع وليس حوله إلاّ الجوع. لقد كانت مهمة عدة أطراف في المعارضة وغيرها، خلال السنوات الأخيرة مختزلة في الهجوم على الاعلام، وفي انتقاده بل وحتى في التحريض ضدّه، منطلقة من ظنّ يعتقد أن تحميل هذا القطاع كل المساوئ واتهامه بكل التهم سوف يكفي لإحرازها على شهادة براءة، ولكن هذا الظن كان خاطئا والدليل أنه بمجرّد أن قامت الأطراف المعنية بواجبها، وتخلّت عن عقدة الرقيب الذي يسكنها، وابتعدت عن حسابات لا منطقية ولا واقعية، تحرّك الاعلام وبرز بجديته وأمانته. والآن فإنه من حقّ الاعلام كقطاع والاعلاميين كناشطين فيه، أن يسمعوا كلمة اعتراف وشكر، بعد أن تعودوا على الجحود والاتهام. الآن، أي بعد أن تبيّن أن الاعلام كان معطلا من قبل منتقديه!