عاجل/ السيسي يوجه هذه الرسالة الى ترامب..    صادم/ فتاة ال16 سنة تروج المخدرات..!    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    "تلغراف": تدمير إيران طائرة إنذار مبكر أمريكية ضربة خطيرة وموجعة    عاجل/ ترامب يصعد ويهدد باستهداف هذه المنشآت الحيوية الإيرانية اذا لم يتم فتح مضيق هرمز..    بين تونس والبرتغال... هل خسر يوسف الشرميطي الرهان؟    بطولة النخبة لكرة اليد: مواجهات قوية في الجولة السادسة لمرحلة التتويج    وزير التجهيز: أشغال مشروع مستشفى الدهماني ستبدأ فعليا سنة 2026    برد، تبروري، وثلوج: عودة شتوية قوية للتوانسة الّي خفّفوا اللبسة..    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    مفاجأة علمية: مادة بسيطة موجودة في البيض واللحم قادرة تحميك من القلق !    بسيطرة مطلقة: المنتخب الوطني يفرض كلمته في بطولة إفريقيا للجودو    عاجل/ تزامنا مع ارتفاع الاستهلاك: رئيس الغرفة الوطنية لموزعي قوارير الغاز المنزلي يكشف وضعية التزود بالغاز..    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بخصوص نسبة امتلاء السدود..    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا بتهمة التجسس    الرابطة الثانية: تعيينات منافسات الجولة الثامنة إيابا    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    طهران: نحن من يحدد نهاية الحرب    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    فرنسا تستعرض قوتها وعمق تشكيلتها في الفوز 3-1 وديا على كولومبيا    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    ترامب: إيران ستسمح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز    البنك المركزي يوقف تمويل بعض السلع... شنوا يعنيلك هذا كمواطن؟    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    عاجل: القيروان... يطلق النار على زوجة والده بسبب الميراث... تفاصيل صادمة    البطاطا والطماطم والفلفل... الأسوام اليوم في السوق البلدي بأريانة    حضور لافت للسينما التونسية في الدورة 15 من مهرجان الاقصر للسينما الأفريقية    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    منشور للبنك المركزي يحد من التمويل : شنوا تأثيروا على أسعار الكراهب ؟    تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في قضية فساد    التلميذ التونسي يقرى بكتب مدرسية من عام 2004 !!!    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    عاجل: منخفض جوي عميق يجلب أمطارا غزيرة وثلوجا إلى تونس... الموعد    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    4 عادات يومية على مرضى السكري الابتعاد عنها... التفاصيل    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    وزير التشغيل يبحث مع مدير عام شبكة اليونسكو يونيفوك،أفاق تطوير المنظومة الوطنية للتكوين المهني    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    سباق محموم على الذاكرة التونسية.. من يحمي ما تبقّى من تراثنا؟    من دراما رمضانية إلى منصة عالمية ...جينيريك مسلسل وادي الباي «ذيب شارد» يكتسح العالم    في معرض ليبيا للغذاء ...تونس تتألق وتعزّز حضورها الإقليمي    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..#خبر_عاجل    قفصة: تنظيم التظاهرة الثقافية والرياضية والصحية "ربيع عليم" في دورتها الأولى بعمادة عليم بمعتمدية السند    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    وزارة التجهيز.. استئناف حركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    احسن دعاء للميت    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الأسر إلى التصفية
صدّام حسين:
نشر في الشعب يوم 20 - 03 - 2010

تبقى ملابسات أسر ومحاكمة وإعدام الرئيس العراقي صدّام حسين من أكثر الأمثلة وضوحا، وأدقّها تعبيرا عن حضور المؤامرة الدوليّة في العلاقات السياسيّة الدولية لا بوصفها فعلا مخاتلا يستهدف تغيير سياسات دول وتركيعها لخدمة مصالح الدول الكبرى وهو ما فشل على امتداد عقد التسعينات أثناء الحصار، وإنّما بوصفها فعلا انقلابيّا مباشرا يعلن مقاصده ويعمل على تنفيذها من خلال خلق الذرائع وافتعال الأزمات ومن ثمّة عقد التحالفات واستزراع العمالات وشرعنة العدوان وأنسنته تحت عناوين التحرير والإحلال ونشر قيم الحريّة والديمقراطيّة، عندها لا تهم الوسائل حتّى ولو كانت القنابل والصواريخ والدبّابات، ولا النتائج وإن كانت إبادة شعب بكامله وتدمير حضارة بأسرها..
إنّ ما وقع في العراق لم يكن مجرّد اغتيال لرئيس أو تصفية لقائد، وإنّما كان وتفكيكا لدولة وتصفية لحضارة واغتيالا لأمّة، فالمغتال في هذه الحالة كان مستهدفا في ما يحمله من رمزيّة وشرعيّة ضامنة لوحدة وطن ولوجود دولة ولمشروع أمّة.
لا تزال الوقائع الغريبة والعجيبة تلفّ بحياة الرئيس العراقي صدّام وبوفاته، ولم ينفك بعد كلف الناس واهتمامهم يتزايد بتلقّف أخباره بكلّ تفاصيلها الشخصيّة والعامة، الذاتيّة والسياسيّة، لأن الرجل وبكلّ بساطة لم يكن حدثا عابرا في التاريخ العربي والعالمي، فقد شكّل على امتداد ما يربو عن الأربعة عقود شخصيّة فريدة كان لها إسهاماتها في تشكّل التاريخ السياسي العربي المعاصر، ولأننّا لسنا في وارد الحديث عن تجربته السياسيّة والإنسانيّة، سنكتفي بتتبّع الفصل الأخير من حياته والذي ابتدأ مع احتلال العراق من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيّة في 09 أفريل,2003 وهو الفصل الذي اكتنفه من الغموض والتشويش الكثير، ممّا جعل من الصعب العثور على مشاهد واضحة تصفه، أمام تقاطع الروايات وتناقضها حول السنوات والأيّام واللحظات الأخيرة في حياته، بدءا من الإختفاء ومرورا بالأسر والمحاكمته وانتهاء بإعدامه.
❊ الاختفاء وإعلان المقاومة
لم تدم الحرب العرقيّة الأخيرة طويلا على الأقلّ في جزئها النظامي العسكري، حيث لم تتجاوز تسعة عشر يوما أثبت فيها الجيش الأمريكي قوّته التدميريّة من خلال استهدافه الجوّي للعراق كلّ العراق أرضا وبشرا لا فرق بين المدني والعسكري، لعب فيها الإعلام وأقماره الصناعيّة دورا محوريّا لإنزال الهزيمة النفسيّة بالخصم ودفعه إلى اليأس والاستسلام، وقد عاشت الجماهير العربيّة والعالميّة أطوارها بالصوت والصورة وتفاعلت مع معاركها التكتيكيّة الخاطفة من معركة أمّ القصر إلى معركة المطار، وقبل أن تصل المتعة ذروتها حدث انقطاع في الأحداث كسر أفق الانتظار، وبشكل مفاجئ نقلت وسائل الإعلام صور الدبابات الأمريكيّة وهي تدخل بغداد العاصمة مرفوقة بحشود من المرحّبين الذين توافدوا على ساحة الفردوس ليشهدوا دخول المحرّر الأمريكي وهو يرفع رايته فوق تمثال الرئيس صدّام حسين، ثمّ يسقطه أرضا لتدوسه نعال الغاضبين المهللين المحرّرين لتوّهم من الاستبداد الشرقي.. لا أثر للجيش العراقي ولا علامة تدلّ على وجود دولة أو نظام، كلّ شيء تبخّر واختفى وكأنّ الأرض انشقّت وابتلعته.. عمّت الحيرة الجميع وفتح الباب للتأويلات والشائعات التي ذهبت كلّ مذهب من حديث عن الخيانة وتسليم بغداد، إلى الجزم بالتواطؤ والاستسلام، إلى الشكّ في هرب القيادات وتركها الشعب لحاله.. لكنّ بعض الواثقين قد رجّحوا احتمال أن يكون الأمر خدعة عراقيّة تقوم على الانتقال إلى الحرب السريّة والخفيّة التي تعتمد على المقاومة وحرب العصابات.. لم يطل الانتظار كثيرا حتّى كان ردّ المقاومة العراقيّة مزلزلا وسريعا ردّ الاعتبار إلى الجماهير المصدومة المحبطة التي زادتها أوّل إطلالة للقائد صدّام حسين معلنا انخراطه مع أبناء الشعب العراقي والمجاهدين العرب في المقاومة تفاؤلا وتماسكا.. وبذلك أخذت الأحداث طورا جديدا دخل مرحلة المقاومة الشعبيّة التي توحّد فيها الجيش بالشعب.
❊ من الأسر إلى المحاكمة
لقد كانت كلمات بوش المقتضبة والمتشفية وهو يعلن خبر اعتقال الرئيس صدّام حسين لا تقلّ إهانة عن مشاهد ساحة الفردوس، كانت الصور تنقل لنا مشهد رجل متهالك أشعث الشعر، مرتبك ومذعور، مسلوب الإرادة أمام الجنود وهم يلتقطون له الصور، وقد زادها إغراقا في الإذلال تلك الصور المهينة لأحد الجنود الأمريكيين وهو يدوس بحذائه على رقبة الرئيس وهو يخرجه من مخبئه الذي هو عبارة عن جحر في الأرض، وبعدها انفرطت التأويلات والإشاعات من عقالها مرّة أخرى لتتحدّث عن ظروف الأسر، فتعددت بين الحديث عن خيانة الرفاق أو استسلام القائد، غير أن ما جاء في كتاب »صدّام حسين من الزنزانة الأمريكيّة: هذا ما حدث« والصادر عن منشورات دار الواضح /الإمارات العربيّة/ دبي، والذي جمعه محامي الرئيس العراقي خليل الدليمي قد أماط اللثام عن حقيقة ما وقع أثناء الاعتقال وكشف النقاب عن عديد الحقائق التي ضلّت مجال جدل طويل..
❊ قصّة الأسر كما وردت على لسان صدّام حسين
يقول: »كنت أتردد على دار احد الأصدقاء في قضاء الدور في محافظة صلاح الدين وقد اخترت هذا المكان لأنه ذات المكان الذي لجأت إليه في عام 1959 وعبرت نهر دجلة عندما شاركت في الهجوم على موكب الزعيم عبد الكريم قاسم وهو يقع على نهر دجلة وبالقرب منه أحد القصور الرئاسية في الضفة الثانية .كان صاحب الدار صديقا أثق به ثقة كبيرة هو (قيس النامق) وكنت آنذاك اكتفي باصطحاب اثنين من أفراد حمايتي من المقربين لي كي لا أثقل على صاحب الدار ولكي لاتكون الدار هدفا مرصودا للقوات الأمريكية ودرءا لأي طارىء قمنا بوضع دراجة نارية وحصان وزورق جاهز في النهر أمام الدار على نهر دجلة لكي نستخدمها جميعا عند الحاجة فإذا جاء الأمريكان من جهة الصحراء نقوم باستخدام الزورق واذا جاءوا من جهة النهر أو الشارع نستخدم الحصان ونسلك الأراضي الزراعية وإذا ماأتوا من الأراضي الزراعية فيمكن لنا أن نسلك بواسطة الدراجة النارية طريق الصحراء وقد اعددنا العدة لكل حالة ثم زيادة في الحذر قمنا بإنشاء ملجأ تحت الأرض كي نلجأ إليه في الحالات الطارئة ويشبه الملاجئ التي كنا نساعد العراقيين في إنشائها في زمن الحرب العراقية الإيرانية كنت أمضي وقتا في هذا البيت أكثر من أي مكان أخر ففي أحد الأيام كنت في أماكن بعيدة ولعدة أيام أتفقد بعض فصائل المقاومة وبعض دور العراقيين عدت لهذه الدار وأنا منهك من التعب كان الوقت عصرا فأخذت المصحف الشريف وقرأت بعض الآيات وبقيت حتى الغروب كانت زوجة هذا الصديق تعد لنا الطعام وعندما حان وقت الصلاة أطبقت المصحف واتجهت إلى مكان الصلاة فإذا بصاحبي يأتي راكضا من خارج الدار صائحا لقد جاءوا مكررا هذه العبارة عدة مرات فتساءلت عمن يكونون فأجاب الأمريكان. وعلى الفور نزلت إلى الملجأ وبعد دقائق اكتشف الأمريكان مكاني فقبضوا علي من دون أية مقاومة مني بل لم أضع في حسابي مقاومتهم والسبب هو أنّني قائد ومن جاؤوا كانوا جنودا وليس من المعقول أن أشتبك معهم وأقتل واحدا أو أكثر منهم وبعده يقومون بقتلي فهذا تخل عن القيادة، والشعب وضع ثقته فينا رئيسا وقائدا وليس جنديا، لكن لو كان بوش معهم لقاتلته حتّى أنتصر عليه أو أموت قبل القبض عليّ .. تكونت لدي بعض الملاحظات على صديقي صاحب الدار فقبل أسبوع من الاعتقال بدأ لي شارد الذهن وقد بدأ وجهه يتغير وتصرفه غير طبيعي ومن شدة ثقتي به لم يساورني أدنى شك في احتمال أن يغدر بي بدأ لي في بعض اللحظات أنه خائف ومرتبك ومع الأسف فانه ركب الهوى وتبع الشيطان وربما هي الغنيمة التي وعده بها الأمريكان أما أنا فلم أكن أملك مبلغا كبيرا من المال لا تحسبا للخيانة مكانا كان كل ما معي هو مليون ومائتان وثمانون ألف دينار أدير بها بعض عمليّات المقاومة لذا عليكم أن تخبروا العراقيون أن قيس النامق وإخوانه هم الذين وشوا بي. وأنفي نفيا قاطعا ما قيل حول تعرضي للتخدير فهذا جزء من مسلسل الكاوبوي الأمريكي والحقيقة أنني لم أكن مخدرا ولم أتناول طعاما أو شرابا لا في الأيام الأولى لاعتقالي ولا بقية الأيام«.
كما نفى الرئيس العراقي صدام حسين ما راج عن نقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية نفيا قاطعا، موضحا أن صورة النخلة التي برزت في صور اعتقاله كانت حقيقية وهذا ليس بالأمر العجيب كما يقول فالعراق زاخر بأنواع مختلفة من التمور التي يتأخر ثمار بعضها في النضوج وبعضها يبقى كزينة على الشجرة لعدم حاجة أصحابها لها، ممّا يؤكد أنّ تاريخ أسره كان فعلا يوم 21 ديسمبر 2003 قبل صلاة المغرب، هذه إذا شهادة الرئيس صدّام نقلناها كما وردت على لسانه نقلا عن محاميه خليل الدليمي.
❊ المحاكمة
لقد شكّلت المحاكمة التي عقدت للرئيس العراقي رغم ما شابها من بطلان شكلا ومضمونا وهو ما أبرزته دفوعات المحامين الذين تطوّعوا للدفاع عنه، وبالرغم من كلّ الملابسات التي حفّت بها فرصة أحسن الشهيد صدّام حسين استغلالها لمحاكمة من ضنّوا أنّهم يحاكمونه، ولعلّه أدرك بحدسه أنّها فرصته التاريخيّة الأخيرة لإبراز جملة من الحقائق التي عمل أعداؤه من الأمريكيين والعراقيين على طمسها، حتّى يشرّعوا أمرا كانوا عازمين على تنفيذه من خلال هذه المحاكمة الصوريّة ألا وهو تصفية الرئيس الشرعي للعراق، لكن بشكل يبدوا متجانسا مع كذبة الاحتلال الكبرى وهي دمقرطة العراق.. غير أن فصول هذه المحاكمة وجلساتها المتعددة التي خضعت لمقصّ الرقيب الأمريكي الذي لم تفلح مسرحيّة العدالة الدوليّة في إخفاء وجهه وحجب يديه التي كانت تحرّك خيوط العرائس التي صنعت خصّيصا لهذا الدور الخياني، ممثلة في هيأة المحكمة المنصبة وادعائها العام الذي كثيرا ما ارتجل دوره ليتحوّل لا شعوريّا إلى خصم سياسيّ عنيد للرئيس.. لقد نجح الرئيس العراقي وبقيّة رفاقه في خوض غمار معركة قانونيّة تمكنوا خلالها من تعرية زيف التهم الموجهة إليه وكشف خيوط المؤامرة الأمريكيّة التي أرادت من خلال هذه المحاكمة المسرحيّة أن تزيد في تأجيج نار الفتنة الطائفيّة التي كانت مستعرة أصلا غداة المحاكمة، كما أنّ الابتزاز الذي تعرّض له الرئيس العراقي لم ينجح في دفعه لمقايضة سلامته الشخصيّة بحريّة شعبه وأمته، فكانت مداخلاته عبارة عن دليل إثبات على وطنيته وحبّه لوطنه وأمّته، وأكّدت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ ثالوث الطائفيّة والتعصّب والإرهاب الذي اجتاح العراق بعد الاحتلال كان نبتا شيطانيّا جاء مع الدبّابات الغازية..
لقد أثبت الشهيد صدّام حسين بالحجّة والدليل كذب وزيف كلّ الدعاوي الأمريكيّة والطائفيّة الصفويّة بداية بأسلحة الدمار الشامل، مرورا بالمجازر الجماعيّة وانتهاء بأسطورة الديمقراطيّة والحريّة، ممّا زاد المقاومة إصرارا على مواصلة النضال سيرا على خطى رئيسها الذي لم تثنه القيود من رفع راية النصر والعزّة للعراق وللأمّة العربيّة ولفلسطين..
لقد كانت المحاكمة تبرئة لصدّام حسين، وفرصته ليتجاوز أو ليعتذر عن الأخطاء التي قد يكون ارتكبها في مسيرته السياسيّة الطويلة والشاقة.. كلّ ذلك دفع بالاحتلال الأمريكي ومن وراءه في الحكومة المنصبّة الطائفيّة إلى اتخاذ قرار حكم الإعدام في حقّ الرئيس العراقي صدّام حسين وبقيّة رفاقه.. ولعلّه لم يكن إعداما بما تعنيه الكلمة من أبعاد قانونيّة وشرعيّة وإنّما كان قرارا بالتصفية عبّرت عنه تلك الطريقة البربريّة العنصريّة الهمجيّة، التي تنمّ عن تخبّط الاحتلال وعملائه وارتباكهم أمام ضراوة واشتداد المقاومة العراقيّة في اتساق مع صمود قائدها ورفاقه الأسرى..
❊ الإغتيال
صبيحة يوم عيد الأضحى الموافق لتاريخ 30 ديسمبر2006 ، ومع تباشير الشمس الأولى كانت القوّات الأمريكيّة المكلفة بحراسة الرئيس العراقي تقوده إلى حبل المشنقة، لتسلمه إلى مجموعة من المليشيات الملثّمة الشبيهة بعصابات الموت والجريمة، وعلى عجل تمّ توقيع قرار الإعدام من طرف رئيس الوزراء المنصّب المالكي، بحضور كلّ أعدائه التي تقطر وجوههم طائفيّة، وبعدها بدأ كرنفال الموت، انطلقت جوقة الشتم والسباب الوضيع والصيحات الهستيريّة من الجموع التي حوّلت غرفة الإعدام إلى حلبة لاستعراض غرائز الحقد الدفينة في صدور وطّنت على الكره والثأر والانتقام كان مشهدا مذلا سقطت معه آخر ادعاءات القادمين على ظهور الدبّابات بإمكانيّة ولادة عراق جديد..
❊ المؤامرة جزء أصيل من الفكر السياسي المعاصر
هكذا نلاحظ تداخل خيوط المؤامرة وتنوّع الفاعلين والمستفيدين منها، ممّا يجعلها تخرج من حيّز الجريمة العاديّة إلى مستوى الجريمة السياسية الدوليّة المستفيدة من التناقضات الداخليّة التي تحوّل المفهوم القيمي الأخلاقي للخيانة من كونها إحدى الرذائل والمحرمات الأخلاقيّة إلى وجهة نظر وتكتيك سياسيّ فعّال لا متخارج عن قوانين اللعبة، لعبة صراع الإرادات والمصالح بين القوى والدول.
ومن المؤكد أنّ الاغتيالات السياسيّة التي هزّت الوطن العربي، لم تكن مجرد أحداث عابرة معزولة عن سياقاتها السياسيّة والحضاريّة، بل كان لها من التأثيرات الجذريّة ما يجعلها بمثابة المنعرجات التاريخيّة التي أثرت في سياسات الدول المستهدفة، فمصر السادات ما بعد عبد الناصر لم تعد هي نفسها، فقد شهدت تحولات كبرى في سياساتها وتحالفاتها وتوجهاتها الإستراتيجيّة الكبرى، وكذا الأمر بالنسبة للعربيّة السعوديّة بعد اغتيال الملك فيصل، وها نحن نلحظ واقع الحال وما شابه من تفكك وصراع على الساحة الفلسطينيّة بعد تغييب عرفات.. فلا شكّ أن الزعماء الثلاثة الذين أتينا على تتبع بعض التفاصيل والخفايا التي حفت بحياتهم، والوقائع المتشعبة والملغزة والمحيّرة التي صاحبت اختفاءهم، والأسئلة الملحّة الحارقة التي تلبست بعلّة شطبهم من على ركح الأحداث التي عصفت بأساسات الوطن العربي..
الأكيد أنّ موتهم لم يكن بالحدث الطبيعي بالمعنى الوجودي والسياسي فقد أورث المنطقة العربيّة فراغات كبيرة في المواقف والرجال لم يوجد من يملؤها من بعدهم.. فقد مثّل كلّ من ناصر وفيصل وعرفات عناوين لمرحلة كان فيها للزعامة معنى ودور ورسالة.
أمّا المؤامرة فلم تعد اليوم مجرّد تعبير عن الكسل الذهني العربي وهروب مرضي من تحمّل المسؤوليات الفكريّة في ممارسة واجب الجدل الفكري لإدراك المشكلات الملحّة التي تضغط على الراهن العربي لاستنباط الحلول ومعرفة السبل والبرامج العمليّة الواجب إتباعها للخروج من حالة اللافعل والتأخر الحضاري عن ممارسة الدور الإنساني الذي يليق بالأمم والشعوب الحيّة المساهمة في صنع مستقبل البشريّة، لأنّها وبكلّ بساطة صارت جزءا من الممارسة السياسيّة وفصلا جديدا في كتاب الأمير لميكيافلي، صار لزاما على كلّ السياسيين أخذها بعين الاعتبار في المعادلة السياسيّة الدوليّة الراهنة..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.