التسمية رحلتي المهنية بدأت عشية الاثنين 4 أكتوبر 1965، حين تسلمت من ساعي البريد رسالة فرحت بها فرحا عظيما قبل أن أطلع على فحواها لأن كل المؤشرات كانت توحي بأنها تحمل في طياتها خبر تعييني كمعلم باحدى المدارس الابتدائية ولما فتحتها انتابني مزيج من الفرح والخوف: الفرح بهذا التحوّل في حياتي حيث انتهت متاعب الدراسة وغصرات الامتحانات وجلسات المحاسبة من قبل الآباء. والخوف من المستقبل المجهول الذي لا أعرف عنه شيئا: المحيط العمل... ولم يطل انتظاري كثيرا حتى تراكمت عليّ ملامح أخرى من الخشية والرهبة. فالتسمية التي حررت باللغة الفرنسية نصت على تعييني معلما بمنطقة «زاقة» من ولاية باجة عوضا عن السيد Aug. والسيد «أوق» هو الذي كان وراء الرهبة التي هزتني. فما تبادر الى ذهني هو أن بهذه المدرسة معلمين فرنسيين مما جعل عديد الاسئلة تتبادر إليّ هو أنه كيف سأعيش مع هؤلاء الفرنسيين؟ وفي أي المجالات سأتعاون معهم؟ وكيف سأتأقلم مع هذا الواقع الجديد؟ وما أرقني على امتداد يومين لم يكن سوى خيال. فالسيد «أوق» لم يكن حقيقة، حيث اتضح لي فيما بعد أن وجود المعلمين الفرنسيين بمدارسنا الابتدائية ولى وانتهى. وبت ليلتها وأنا على أحر من الجمر لاكتشاف عالمي الجديد بعد سمر طويل جاء فيه الاقارب والاحباب والاصدقاء والاجوار يقدمون التهاني والتباريك. وملامح الاعجاب ترمقني من كل حدب وصوب. فالشاب أصبح معلما، والمعلم في ذلك الزمن كان سيد القوم هيبة ووقارا ودخلا محترما. فكل الاسر تتمنى مصاهرته. وكل فتاة ترجو أن يكون فارس أحلامها. وأطل الصباح الباكر ليوم 5 أكتوبر يوم السفر وانتفضت من فراشي كما ينتفض العصفور الذي بلله قطر الندى. وأسرعت الى الاغتسال وارتداء ثيابي لاجد في انتظاري والدتي وقد أعدت لي فطور الصباح. وقدمت لي الكثير من الاكل وكأن بها إحساسا بأنني سأشقى كثيرا في إعداد طعامي. وكانت محقة في ذلك فأنا لم أدخل المطبخ يوما، ولا أعرف حتى كيف أشعل «البريموس» وهي آلة الطبخ المعروفة وقتها. وقدمت لي درسا سريعا في كيفية الاستعمال والاعداد، كنت أستمع اليها وأفكاري شاردة تحلق في سماء الموطن الجديد. وما إن بزغت الشمس حتى كنت جاهزا للسفر. وقد أعد لي والدي الرحلة الى العاصمة مع أحد أصدقائه الذي كان يمتلك وقتها شاحنة، ولما دقت لحظة الوداع أحسست بمرارة الغربة والفراق بكت أمي وبكى إخوتي، ووقف والدي يشبعني دعاء وتوصية ولما سارت الشاحنة كانت مني التفاتة وكأنني أودع الاهل والاحباب وإذ بوالدتي ترش الماء ورائي. وأثناء السفرة كنا نستمع الى المذياع. ومن جملة الاغاني التي استمعت اليها أغنية الهادي القلال «يا دار الحبايب» وهي أغنية تتغنى بالفراق والبعد وآلام الهجر والبعاد. وزاد تأثري، ولأول مرة شعرت بالوحدة، وأحسست أنني بلا سند، أفتقد فيه حنان الأم ورعاية الأب وصحبة الاشقاء والاصدقاء. وبقيت هذه الاغنية منقوشة في ذاكرتي، وكنت كلما استمعت اليها شعرت بإحساس خاص وعادت بي الذكريات الى يوم لن أنساه أبدا...