القاهرة «الشروق»: من سباعي ابراهيم الزعيم الجزائري أحمد بن بلا أحد رموز معدودة من الزمن الجميل.. زمن التحرر من الاستعمار ونشوة الاستقلال.. التقيناه على هامش احتفال الجامعة العربية بمرور خمسين عاما على ثورة تحرير الجزائر.. كان الرجل يحمل هموم أمة.. ويقدم لنا من خلال وجهه البشوش المبتسم بملامح التفاؤل بمستقبلها.. كان كعادته صريحا لا يخشى لومة لائم أو هجوم صاحب مصلحة.. تماما كما سبق وقالها في مظاهرة لمناصرة العراق بالجزائر: «يجب أن يموت صدام واقفا بين شعبه».. ولم يكن ذلك سوى تواصل مع مواقف ثابتة وراسخة أهلته لشغل منصب رئيس لجنة تنسيق الحملة الدولية ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني مع رموز من دعاة التحرر في العالم مثل الأمريكي رمزي كلارك والبريطانيين جورج جالاوي وتوني بن، بدأ في شبابه السير في طريق عبد الناصر لتتحرر الجزائر.. ويقول لنا وهو في كهولته: «إنه طريق مازال قائما.. ومطلوبا وضروريا لمواجهة الأوضاع العربية المخزية الحالية.. ولم يكن غريبا ان يغلب حديثه معنا شيئان الهجوم الحاد على أمريكا.. الحماس الشديد للعروبة والحرص على القضية الفلسطينية وتحرير العراق، ولم يكن غريبا أيضا أن يكون حلمه في الشباب وأواخر العمر حفظه اللّه هو العروبة والوحدة.. واقتراب شديد من اللّه.. ومن آلام القلب العربي.. وفيما يلي نص الحوار: * تتردد كثيرا هذه الأيام مقولة ان الشعب الفلسطيني وحده صاحب القرار بشأن قضيته سواء على المستوى السياسي أو مستوى الكفاح المسلح.. ما هو رأيكم في ذلك وهل يستطيع الشعب الفلسطيني بمفرده أن يحرر أراضيه المحتلة بدون مساعدات خارجية بحيث يستطيع في نهاية المطاف الحصول على حريته واستقلاله؟ الشعب الفلسطيني بمفرده في مواجهة اسرائيل والقوى العاتية التي تساندها.. ذلك غير ممكن أبدا لأن الصراع القائم على أرض فلسطين مرتبط بمصير كل العرب والمسلمين، كما أن كل قوى النظام العالمي تقف خلف اسرائيل، ويكون تماما أنه إذا انتصر العرب في المعركة القائمة مع العدو الصهيوني فسوف تنهار كل استراتيجيات الغرب، وما يترتب على ذلك من تحرر كل الشعوب المقهورة. يتوقف المناضل العربي المخضرم عن الكلام قليلا وكأنه يستجمع كلماته ويرتبها ويقول في كلمات عربية متواصلة: لقد قامت الانتفاضة الفلسطينية عمليا على أيدلوجية جوهرها استقلال الشعب الفلسطيني واعتمدت المقاومة كمبدأ أساسي لها.. والسؤال الحقيقي هو، هل استطاعت أو تستطيع هذه المقاومة تحرير فلسطين بأدوات ووسائل ومناهج كلها اقليمية؟ ولا أقصد هنا التقليل من امكانيات الشعب الفلسطيني ولكن المعطيات التاريخية تقتضي أن تأخذ المعركة منحى آخر وحجما أكبر على اتساع الساحة العربية والاسلامية، وأنبه هنا إلى الخطأ الكبير الذي يرتكبه من يعطيها حجما أقل أو يقلل من تأثيرها لأن المعركة الحقيقية أراها عربية.. إسلامية.. عالمية.. شاملة، وتتطلب تجديد البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي، وخاصة الوحدة العربية في معركتنا مع العدو الصهيوني، وأنا مؤمن بأن هذه المعركة تتجسد فيها كل المتناقصات التي تواجهنا وفي تحرير فلسطين تكمن كل ضرورات التجديد والاستمرار. لم نقاطعه بالكلمات ولكن فقط بإشارة رأس.. وكأننا نقول: وكيف ذلك أيها المجاهد الجزائري والعربي؟.. وكأنه فهم ما دار في عقولنا وعرف مغزى هذه الاشارة أجابنا بما يلي: إن قدرتنا على البقاء والحياة مرهونة بمدى استجابتنا للتحدي وردود أفعالنا عليه.. وقد حدث ذلك بالفعل في تاريخنا من قبل، وفي نفس الموقع والمكان أثناء الحروب الفلسطينية، وأنا أرى أن فلسطين ستكون المواجهة الفاصلة الكبرى بين النظام العالمي كله، والقوة العربية، نعم قد تكون فلسطين دولة صغيرة، ولكنها أهم من بلاد كثيرة، ولا يخفي الغرب ان اسرائيل هي الموقع الأمامي لحماية الحضارة الغربية والنظام العالمي الجديد في وجه أي تقدم عربي. * هل يعني ذلك أنكم مؤمنون بمقولة «صراع الحضارات» التي خرجت من الغرب.. وهل كانت عبارات الحروب الصليبية التي خرجت لا إراديا من الرئيس الأمريكي بوش واقعا وليست مجرد زلات لسان كما قيل؟ أنا أرى أن الحروب الصليبية كانت بداية النظام العالمي الحالي وبدأ في التكون بالفعل خلال هذه الحروب، وكانت هناك في البداية مجرد معطيات دينية لا ننكرها، وتطورت خلال وقت قصير جدا إلى الأهداف الاقتصادية والمادية، والدليل على ذلك ان الحملات الصليبية كان الاحتلال هدفها وهي في طريقها إلى بيت المقدس، وكان للصليبيين تاريخ أسود في ذلك، وقد بدأت أهداف السيطرة على العالم تتكون منذ البداية أعني منذ الحملة الصليبية الأولى وليس الخامسة أو السابعة ولا ننسى هنا أن الازدهار والحضارة في ذلك الوقت كانا في الشرق وليس في الغرب. وأرى ان انبعاث ونهضة الحضارة الغربية لم ينطلق من بلاد الأندلس كما هو شائع ولكنه يعود إلى فترة الحروب الصليبية حيث بدأت بعدها تتشكل الممالك الجديدة في فرنسا وايطاليا ومنهم ملوك تأثروا بالعرب إلى درجة أنهم أصبحوا من المشكوك في مسيحيتهم وولائهم للبابا، ولابد للجميع أن يعرف أولا سنّة اللّه في خلقه، وأنها سنن لا تجامل ولا تحابي ولا تتبدل أو تتحول، وأن نعرف نحن العرب بالذات أن الأمر يحتاج منا إلى مراجعة أنفسنا، لأنه من سنن اللّه أن يتم التغيير من ذاته، وبالتالي فيجب علينا قبل أن نبحث عن كيد العدو أن نعرف ما يقع من جانبنا نحن يكون أقسى علينا من كيد العدو. * ولكن كيد الأعداء فاق كل التوقعات هذه المرة؟ أقول لك ما قاله اللّه تعالى في القرآن الكريم الذي لا يذكر أبدا الداء دون أن يوضح لنا الدواء وربما يظهر ذلك في آية واحدة «وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن اللّه بما يعملون محيط»، والصبر هنا ليس صبر الأبي الذي يكظم غيظه إلى أن يعد عدته لرد الكيد، ولكن أيضا الصبر الجميل والتقوى الشاملة لما يجب أن يكون. * ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك في مواجهة قوة كبرى مثل الولاياتالمتحدة الأمريكية؟ أقول بصراحة كاملة ان ذلك التحول يمكن أن يتم في لحظات.. نعم يمكن أن يتم التحول من الضعف إلى القوة، ومن الركون والدعة إلى الانطلاق. * السؤال لازال قائما.. كيف؟ لن يتحقق ذلك إلا بأن نعرف: من نحن، وماذا نريد؟.. يجب علينا أن نعرف رسالتنا في العالم، ونعمل على مراجعة جميع أمورنا وامكانياتنا، كما ان علينا أن نكون مؤمنين بأن الغرب وأمريكا ليسوا آلهة.. وعلينا أن لا نجعلهم آلهة للكون ونبحث عن مصادر قوتنا في ثقافتنا وحضارتنا بدلا من ذلك الوضع المتخاذل والمخزي، وأؤكد لكم ان لدينا القدرة على تجاوز ذلك الوضع ويجب ان نعلم تماما أن الدفاع عن ثغور الأمة في العراق وفلسطين واجب على كل عربي. * هناك هجوم صريح حاليا على كل ما هو قومي في سبيل تنفيذ مشروعات مثل الشرق الأوسط الكبير، كيف تنظر في ذلك الاطار إلى القومية العربية والناصرية كمشروع يواجه المخطط المستهدف للمنطقة؟ دعني أقل لكم ان الناصرية كانت المبادرة الجدية الأولى في مواجهة المشروع الامبريالي للسيطرة، وأرى أنها الظاهرة الوحيدة التي قدمت للعرب شيئا مهما وكانت الوقفة العربية الأولى الصامدة والشجاعة أمام الاستعمار، وهي مازالت مطلوبة وقائمة وضرورية لأن ذلك الاستعمار مازال موجودا وكامنا منذ الحروب الصليبية، كما ان أهداف الناصرية مازالت قائمة من أجل التحرر والاستقلال، لقد كانت الفترة الناصرية مرحلة ابداع تحول معها الغرب إلى موقف الدفاع، ان عبد الناصر كان الانطلاقة الأولى نحو الوحدة.. والمواجهة مع الاستعمار أو النظام العالمي على نفس النحو الذي سبق وحددته، ويمكننا حتى الآن متابعة مسيرتها.