ولادة الديمقراطية من رحم الاحتلال، اكتشاف عربي أمريكي مشترك ، واختراع مزدوج من أنياب تنهش جسدا وتبحث عن حياته داخل موته، ومن «عقول» سكرانة بوهم الحرية أو ببريق السلطة، والفرضية الثانية هي الأصحّ لمحترفي السياسة، فيما الأولى هي الأليق للقطعان العطشى إلى يوم انعتاق! ونقصد بالتحديد ذلك القطيع الذي يتمثل في أنصاف المثقفين الذين ملأوا العالم العربي ثغاء، واحتلّوا ذلك الفراغ الذي تركه الأجدر من ذوي العقول والنفوس الكبيرة، فراحوا تحت مسمّيات كثيرة وشعارات مبتكرة يروّجون لحلّ لن يأتي ، ويبشّرون لجنة من وسط نار. أما التعلّة في ذلك فعجز الأنظمة «الوطنية» على تحقيق المراد السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي، مع عجز الشعوب عن الإفلات من سطوتها. وهذا صحيح، إلا أنه لا يمكن أن يبرّر الرّهان الأخطر، والمتمثل في الاستنجاد بقوى دولية لا تهمها إلا مصالحها، ولا تأبه لغير منافعها، لتعيد تشكيل الأنظمة والشعوب معا، وهي ترتدي ثوبا تبشيريا على مستوى الخطاب وتحمل الموت والدمار على مستوى الفعل. ومع ذلك يصرّ «القطيع» أن تلك من جهة ضريبة التغيير فكلّ ولادة جديدة تكون عسيرة، وأن مسؤولية الضريبة لا تتحمّلها قوى التبشير وإنّما التركة الثقيلة التي خلّفها غيرها! ومن الطبيعي جدا أن يواصل هذا الخطاب الهرب أمامها، وتبرير ما لا يبرّر، فمن وقع وبالأحرى أوقع نفسه في ورطة الرهان على جلب الحل من خارج حدوده، وعلى ولادة الزهور من بارود الرّصاص، يصعب عليه التراجع وراء، خصوصا أن في الوراء أشلاء ودماء سالت أيضا بسبب خطاب الوهم وتدفقت بسبب تواطؤه، وعندما يصبح مروجو الخطاب شركاء في الجريمة تصعب العودة وتعسر سبلها! ما قادنا إلى هذه المقدمة، هو الموعد القادم، للانتخابات العراقية، والموعد المنتهي منه للانتخابات الفلسطينية. وفي حالة العراق، ها نحن نرى يوميا فضائل الديمقراطية في البلد الذي أجهز عليه بعد أن مات قطرة قطرة خلال سنوات حصار طويلة. وها نحن نتأمّل هذا الخطاب الذي يريد أن يؤسس لديمقراطية «محاصصة»، نريد أن تؤسس لطائفية مقيتة في أقلّ حالات ما تريد، وتريد أن تسطو على بلد لحساب من دمّروه، وهذا ما لا تريد عيون القطيع رؤيته، ففي رؤيته ورطة وحساب. أما في الحالة الفلسطينية، فقد شاهدنا في الأول رئيسها منتخبا لكنه مع ذلك مرفوض، وها نحن نرى ثانيا لا يقلّ شرعية، ولعلّه بمنطق: «الحل عند الآخر» يزيد شرعية عن الأول، ولكننا نرى معه ورغم زغاريد الفرحة بمقدمه عقبات لن يستطيع تجاوزها، وحواجز لن يستطيع القفز فوقها، على الرغم من أن «أبو مازن» هو الأكثر شجاعة (إذا كان في الأمر شجاعة) في البحث عن حلّ سلمي تحسّسه قبل أوسلو بسنوات طويلة، ودفع ثمنه أولا عصام السّرطاوي ثم قافلة كاملة من رفاق له، عرفوا مبكّرا أن الحلّ لن يأتي عبر السّلاح، ولكن أيضا بدون ضمان أن يأتي عبر معسول الكلام الذي رأينا أين قاد منذ مؤتمر مدريد الى حدود وفاة الراحل عرفات! وفي الحالتين العراقية والفلسطينية، لم نشهد إلا رهانات على تسليم مفاتيح البيت الى العدوّ الصّديق، وهذا المصطلح الجديد هو بدوره من صنع عربي «وقّاد»، ومن إنتاج ارتباك نفسي وعقلي بلا شكّ، ولم نر إلا انسحابا كلّيا من مواجهة تعجز بالسّلاح وباللّسان معا. وذلك لسبب بسيط نراه ولا نريد أن نراه، وهو أن عجزنا متمكّن منّا، راسخ فينا، وأن أوهامنا تصوّر لنا أننا نملأ فراغا في الفراغ يزداد ويتّسع، فلا يحوزه إلا الآخر ببطشه وبقدرته على إيجاد العقول والنّفوس المستعدة للسّكر بالوهم والخيالات. وما نخشاه هو أن يظلّ العالم العربي سجينا بين خطاب القطيع، ومزايا الاحتلال، وأن يتكرّر فيه ما لحق بفلسطين والعراق من دمار.