حقّقت القضية الفلسطينية خلال اليومين الأخيرين، انجازين نوعيين: فقد تقابل موسى عرفات رئيس الاستخبارات العسكرية مع نظيره الاسرائيلي بعد ان رفع شارون الحظر عن قرار عدم اتصال مسؤوليه بالمسؤولين الفلسطينيين ثم هرعت أعداد من الشرطة لشمال قطاع غزة حتى تحول دون ضرب المستوطنات المتاخمة! وبمقاييس السلام الذي هو على «المقاس» يصبح هذين الحدثين إنجازين، وبمقاييس «الواقعية» السياسية الجديدة يصبح ضروريا الوقوع في تمجيدهما، ومن يرى العكس يصبح متّهما بالارهاب، وفي أقل الحالات باللاّمسؤولية! نحن لا نشكّ لحظة ان القضية الفلسطينية تمر بمرحلة تاريخية دقيقة، كما لا نشكّ انها كانت كذلك منذ ولادتها أي ان هذا الوصف الذي يظن أنه يحمل بين ثناياه «جدّة» هو في حقيقة الأمر من باب القديم الذي يعاد لا أكثر ولا أقل. ولا نشك لحظة ان القضية الفلسطينية ومنذ الانتفاضة الأولى، وهي تعيش فتوة متجددة ومقدرة فوّارة، وذلك بعد أن أمسكت لوحدها بزمام أمرها وتخلت نهائيا عن أمل نصرة اشقاء لم تأت ولن تأتي إلا في شكل خطابات أو مزايدات أو هزائم، كما وقع لكل الأنظمة التي وضعت على أكتافها أوزار هذه القضية التي تنوء بحملها الجبال. هذه أشياء كلها معلومة ومعروفة، لكننا معها نشك أن الحل السياسي لهذه القضية سيكون ممكنا بالشروط العربية والفلسطينية، خصوصا بعد ذلك الخطاب الشهير لجورج بوش الابن الذي أجّل فيه عزمه على إقامة دولة فلسطينية من سنة 2005 إلى سنة 2009 (وكنا للحقيقة متأكدين تماما أنه سيؤجل، كما نحن الآن متأكدون تماما ان تاريخ 2009 سيجد في طياته ما يلغي العزم ثانية) والذي ألغى فيه القرار 242 بتأكيده على عدم ازالة كل مستوطنات الضفة وعلى عدم واقعية طلب العودة! وإذا كان يجب أن نصدق أمريكا واسرائيل كما يدعونا لذلك خطاب الواقعية، فلماذا يشترط علينا هذا الخطاب أن لا نصدّق إلا الشروط الأمريكية والاسرائيلية ومطالبهما تجاه الفلسطينيين؟ بمعنى لماذا يجب علينا أن نصدّق أن الطرفين على استعداد لحلّ إذا ما استجاب الفلسطينيون للشروط. ولا نصدّق ما يقولونه من ان الدولة الموعودة لن تكون على قاعدة الشرعية الدولية وقراراتها، ولن تكون كما نعتقد دولة عاصمتها القدس، توفر حق العودة لكل من تشرد، وتكون قادرة على الحياة كدولة كاملة السيادة. لماذا نصدّق أنه إذا منعت السلطة الفصائل من ردود فعلها القاتل على الموت الاسرائيلي المتربص، فإنها ستتنازل وتحاورها، ولا نصدّق ان بوش قال بصريح العبارة ان ازالة كل مستوطنات الضفة غير واقعيّ؟ إن هذا الخطاب الملكي أكثر من الملك، خطاب «توريطي» بطبعه يعتقد أنه بإمكانه أن يخرج القضية من الورطة التي أرادها فيها «السلاح». فيما هو يحملها في الحقيقة إلى ورطة أخرى، ورطة الرهان على تفاوض سقفه محدّد سلفا، وموازين قواه معلومة، ونهاياته واضحة. وبالتالي فإذا كانت المقاومة (التي أصبحت أسماؤها تتنوّع من عنف إلى ارهاب) تمثل ورطة، فإن خطاب الواقعية بدوره يمثل ورطة مماثلة تأسيسا على أنه لن يوصل إلى شيء! لا يمكن للقضية الفلسطينية أن تظل على الدوام قابعة تحت اختبار دولي ومنتظرة لشهادة استحسان منه. ولا يمكن أن تظل اسرائيل الطرف الأقوى في منطقة الشرق الأوسط كلّه، في عيون المجتمع الدولي الطرف الأضعف، هذا نفاق وكذب وبهتان صادر عن دول إما منحازة تماما لاسرائيل أو عاجزة تماما عن فرض القانون عليها. وبالتالي فإن هذا الامتحان المتواصل للقضية الفلسطينية هو من باب تلك القاعدة الشهيرة التي تم اعتمادها في هذه القضية، قاعدة إدارة صراعها وليس حلّه، لا أكثر ولا أقل! لذلك لا يمكن للحلّ أن يأتي إلا بمواءمة فلسطينية ذكية وحازمة بين المقاومة والتفاوض تتفق حولها كل الأطراف، ولا تكون منفلتة لا في هذا الاتجاه ولا في ذاك إذ يجب أن تكون الغاية من أي ممارسة أو فعل، تقريب الهدف الوطني المنتظر وليس ممارسة أو فعل بغرض تواصل حركة صراع أو استسلام بلا هدف ملموس وبلا سبب قويّ. وليهنأ الخطاب «الواقعي» فلا أحد يريد العنف من أجل العنف، ولا أحد يتمسك بالموت أكثر من تمسّكه بالحياة، بل لكي يزيد هذا الخطاب هناءها نحن نضع أمامه هذا القول الحدث: إذ روي أن داود بعد أن رأى أنه يشيّد هيكلا سيعبد فيه الرّب ويمجّد، أخبره اللّه أنه لن يكون له هذا الشرف، بل هو سيكون لولد من صلبه. ولما سأل خالقه لماذا؟ قال الرب لأن يديك ملطّخة بالدماء يا داود. قال أو لم يكن ذلك جهادا في سبيلك؟ قال له بلا ولكن الذين قتلهم كانوا أيضا عبادي! إن هذا الذي نرى ليس مقدمات سلام ولا سعي إليه، إنا لا نرى في الصورة إلا ترويضا لسلطة وقيادة وشعب وإنهاكا نفسيا لهم حتى يرضوا في الأخير بأي حلّ يوفر لقمة عيش عوض أن يعيد المسجد الأقصى.