يقول الشاعر منصف مزغني في معرض سخريته من بعض الذين يكتبون شعرا رديئا : «سكتنا لهم عن ظلمهم للخليل فوضعوا أيديهم على سيبويه» (رواها محمد البدوي) ولسنا هنا لنقاش رأي القائل أو موقفه من الشعراء المبتدئين فصديقنا الشاعر منصف لم يدع بأنه وريث شرعي للخليل ابن أحمد ولم ينصب نفسه وصيا على أمة سيبويه إلا أنه، في اعتقادنا، أطلق هذا التعليق القاسي دفاعا عن حياة الشعر بيننا وانتصارا لجمالية القصيدة وسلامة اللغة العربية. بداية، لا يعنيني موقف الذين لم يتحمسوا لرأيي فهو مجرد رأي، ولا اتهام الذين تدربوا فقط على قتل المعنى وشنق اللغة ونحر الشعر، لأنني في أول الأمر وآخره لا أكتب حبا في استفزاز البعض ولا نبشا في الفضائح وخدشا في الكرامة الأدبية وانما أثير موضوعا من حقنا أن نتحدث فيه ومن واجبنا أن نغار على الشعر ونهرب به من دوائر التهميش حتى يتبقى لنا جمهور على قلته يحب الشعر ويديم حياته وفي ذلك منفعة للشعراء المبتدئين أيضا. صحيح أن الساحة الشعرية متخمة بالشعر وبالموائد الشعرية وبأصناف متنوعة من الخليط المكتوب والممزوج بحيث أصبح من الصعب جدا على الناقد مهما تناثر شَعرُه غضبا أن يفرز النصوص نثرها عن شعرها أو أن يبتدع لبعضها جنسا أدبيا يليق بما حملت إذ أن الكثير مما ينشر تحت جناح الشعر لا يصلح للقراءة في ركن الإعلانات في جريدة منسية ولا يمكنه أن يقنع أمة تربت على حب القصيد. قد يتمسك البعض بحرية القول وبالقول الحر وقد نتهم بالاقصاء أو باحباط الآخرين وللوضوح فقط ولا للمزايدة نعلم ما عانينا طيلة عقود في سبيل الشعر وحرية الشاعر وندرك بمسؤولية اننا لا زلنا نتدرج على سلم الشعر ولم ندع أبوة ما ولكن من حقنا أيضا أن نسأل من يتهمنا عن رأيه في النصوص المنشورة في السنين الفائتة وعن الجمالية في الشعر وعن الصورة الشعرية وعما بعد الحداثة وعن آخر حروب العرب وعن سقوط بغداد وضرورة نصب المفعول به وكسر المجرور، لا أستطيع القول أن لحرية النشر وسهولته ضلعا في تدني مستوى المطبوع لأن الناشرين في بلادنا يدركون مساحة تحركهم ولم تبادر أية دار بتبني الأدباء طوال مسيرتهم الابداعية كما تفعل بعض دور النشر في البلدان الغربية ولا أستطيع القاء اللائمة على مانحي التأشيرة لأن مستوى النص لا يعنيهم في شيء، تبقى اذن قيمة النص رهن أخلاق الشاعر وثقافته ودرجة وعيه بما يكتب. وكم أود بالمناسبة أن أذكر البعض بأن الشاعر ضمير الأمة ونائبها الذي لا تزال تثق به وتوكل اليه حالها كلما ضاقت بها السبل وبأنه لا يكتب من فراغ بل يبقى همزةالوصل بين الإنسان والكون يعبر عن المألوف بغير المألوف ويصنع من اللغة لعبة جميلة يحلم القارىء بامتلاكها. وان الشاعر مطالب أكثر من غيره باكتساب التجربة وبامتلاك الحد الأدنى من المعرفة والثقافة مخافة أن يخلط بين القصيدة الشعرية وبين العصيدة الشعيرية.... خذ على سبيل المثال تلك المجموعة وادفع خمسة دنانير ثمنا لصفحاتها المائة وتسلّ بعدّ سطورها... انها 168 سطرا شعريا فقط بما في ذلك السطر الذي يحمل كلمة واحدة أو بعض النقاط المتتالية... اعد توزيع الصفحات بمنطقية العرض والطلب وبدون استبلاه القارىء، ستكتشف مثلي ان الشعر هو الذهب المكتوب لأن ثمنه فاق ثمن الدراسات العلمية حتى تلك المتخصصة في ابادة البشرية أو في تأمين حياة الأرض ومن عليها.... أو دعني اقترح عليك ما قمت به في احدى ورشات الشعر.. تناولت خمسة نصوص نثرية وأربعة نوص شعرية كلها منشورة في كتب وحاصلة على الإيداع القانوني وحاملة لترقيم دولي. أعدت توزيع النوص بصريا على الورق وقدمتها مكتوبة بطريقة أفقية متشابهة ومرقمة الى المشاركين التسعة في ورشة الشعر ووضعت النصوص جانبا. وطلبت منهم تصنيف الفقرات وفرز شعرها عن نثرها. ثم جمعنا الآراء وعدنا الى النصوص الأصلية فكانت النتيجة أن اعتبرت كل الأصوات (72 صوتا) وعلى سبيل المثال فقرة من رواية زيتونة الدم القديم لمحمد طاهر الضيفاوي شعرا. وفعلت عكس ذلك وبنسبة كبيرة مع فقرة من قصيدة لسوف عبيد ومع أخرى لعبد السلام لصيلع ولم يستطع المشاركون في الورشة، وهم شعراء اليوم والغد أن يفرزوا الشعر عن النثر. وقد لا نعيب عليهم إذا علمنا أنهم خلطوا بين الشعر العمودي والشعر الحر وبينهما وبين قصيدة النثر ولم يتعلموا صناعة الصورة الشعرية ولم يأخذوا من الشعر الحديث سوى ما سهل ابتلاعه وخف نقله في اطار التناص ومجاراة الموضة الشعرية مستحثين الخطى نحو النجومية ومكاتب النقاد.