تزامنا مع دعوة الغنوشي لعقد جلسة: تعزيزات أمنية مكثقة أمام مقر البرلمان    مخزونات سدود باجة: نسبة امتلاء عامة في حدود 61 %    كلام هشتاغ..الإنقاذ !    حدث اليوم..الدستور أولا... أم الانتخابات..خلافات ليبيا تتصاعد    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    كورونا: 25 حالة وفاة و9800 إصابة جديدة    جديد الكوفيد .. 5 وفيات جديدة في مدنين    أطعمة تساعدك على انقاص الوزن    بداية من اليوم.. توقف العمل بالمؤسسات الصحية العمومية بنابل    أزمة أوكرانيا..الغرب يتوعّد بوتين وموسكو تهدّد ب«تدابير مناسبة»    تركيا: سجن صحفية بتهمة "اهانة الرئيس".. وأردوغان يصف تصريحاتها ب"الجريمة"    خطف الأنظار في أمم إفريقيا...حكيمي: سأتحدث مع ميسي ونيمار حول الركلات الحرّة !    بعد صمت طويل اثر الفشل الافريقي...رياض محرز يعد الجماهير الجزائرية بالترشح للمونديال    الفيفا تدعم خزينة الجامعة بمبلغ 6 مليون دينار    دراسة حول نوايا الهجرة لدى الأسر    طبرقة ..القبض على عصابة لسرقة الأسلاك الكهربائية    بنقردان القبض على متشدد ديني مفتش عنه    قفصة ..ضبط شخصين بحوزتهما كمية من الذهب المهرب    القاصة والناقدة هيام الفرشيشي ل«الشروق»: جمعيات تونسية مختصة في تكريس ثقافة الوليمة!    الروائي منجي السعيداني في بيت الرواية : أنا... حفيد الجاحظ!    محاورات مع المسرح التونسي للدكتور محمد عبازة (12)    قف .. وليمة الذّئاب    برنامج جسور التجارة العربية الإفريقية    تقرير منظمة الشفافية الدولية حول مؤشر الفساد .. تونس في المرتبة 70 عالميا والسادسة عربيا    سرطان البروستات... الأعراض وطرق الكشف المبكر    مع الشروق..الوحدة الوطنية... صمّام الأمان!    كأس امم إفريقيا: برنامج الدور ربع النهائي    الشرطة تلقي القبض على ''مدّع للنبوة''    الأستاذة سلسبيل القليبي تعلق على دعوة الغنوشي للاحتفال بذكرى ختم الدستور    شبهة مواد إشعاعية في سيارة بسوسة: النيابة العمومية توضح    بتهمة ''الاعتداء على أمن الدّولة الاقتصادي''...إيقاف شخصين في بنزرت    الصافي سعيد: نادية عكاشة، تلقت إشارة بأن عليها أن تخرج    الخطوط التونسية تطلق رحلة جوية في اتجاه مطار اسطنبول بعد فتح مدارجه    النادي الصفاقسي : هيئة تسييرية بقيادة المنصف السلامي    قيس سعيد يعبر لاتحاد الشغل عن عرفانه بنضالات النقابيين تزامنا مع إحياء ذكرى الخميس الأسود والاتحاد يسعى لجعل 26 جانفي يوما وطنيا    توقيع ميثاق للتعايش المشترك بين الأديان في تونس    هام: ادخال تعديلات على موسم "الصولد" لهذه السنة    عاجل: بسبب مادة مشبوهة في سيارة أستاذ..اخلاء هذا المعهد من التلاميذ..    يوسف الزواوي: مباراة بوركينا فاسو ستكون صعبة على المنتخب الوطني التونسي    المنتخب التونسي لكرة القدم : تحليل سلبي للعابدي وايجابي لبن رمضان وبن حميدة    ايقاف وال سابق في ولاية القصرين    وصف القطاع بالكارثي: اتحاد الفلاحين يدعو إلى الانطلاق قريبا في خوض تحركات وطنية وجهوية    هذا ما تقرّر في حقّ التلميذ الذي طعن صديقه أمام مدرسة اعداديّة بالمنستير    صفاقس: تسجيل 4 وفيات و809 اصابات جديدة بفيروس "كورونا" مقابل 432 حالة تعافي خلال ال24 ساعة الاخيرة    غوغل يحتفل بذكرى ميلاد سندريلا الشاشة العربية    أبشروا يا توانسة...أسوام البقري باش تزيد    رسمي في تونس : وزير الاقتصاد يوقع برنامج جديد    كأس أمم إفريقيا(الكاميرون 2021):ترتيب الهدافين الى حد الآن    زيادة الإعدامات في إيران.. أرقام ووقائع تُثير انتقادات دولية    طقس الاربعاء 26 جانفي 2022    في الدورة ال5 للملتقى الدولي "شكري بلعيد للفنون": رسم جداريات غرافيتي عملاقة وتركيز مجسم للشهيد    ''حقيقة طلاق منى زكي وأحمد حلمي بسبب فيلم ''أصحاب ولا أعز    نوال محمودي تتعرّض لتهديدات بالقتل (صور) #خبر_ عاجل    زهير بن حمد وداعا صاحب التوقيعتين.    البورصة السياسيّة..نزول..عثمان بطيّخ ( مفتي الجمهورية)    علّقوا حبلا في باب منزلها: نوال المحمودي تتعرّض للتهديد بالقتل    ما هي الطريقة الكركرية التي أثارت ضجة في تونس؟    تحصينات حمودة باشا (1)...تونس تعلن الحرب على البندقيّة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لست حاكيا ولا مراسلا حربيا للقضية الفلسطينيّة
محمود درويش : حاورته : رشأ التونسي
نشر في الشعب يوم 16 - 08 - 2008

لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقوداً ، هكذا أصدر القدر حكماً على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ، ليصبح لساناً لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها . والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما ، وعبركلمات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.
ولد محمود درويش في قرية «البروة» بالقرب من عكا، قرية لا يذكر منها إلا شبه أحلام ، هناك بترت ذكرياته وهو في السادسة من عمره. حين استيقظ فجأة في إحدى الليالي حالكة السواد ، يحمله أهله نحو المزارع وعلى صوت إنفجارات تقترب أكثر فأكثر ، متسترين من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم عصابات الهاجانا .
ويعي الطفل محمود درويش نفسه في مكان اسمه لبنان ، وفي هذا البلد الذي أحب يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين... وهي الكلمات التي شكّلت مع ضياع أرضه وطفولته إحساسه بهذه الأرض ، وإحساسه بأنه لاجيء فلسطيني سيعود يوماً ما .
وعاد .... عاد متسللاً في عامه السابع عشر عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول:
«قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل ، وفي الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل : أأنا الآن في فلسطين الموعودة ؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، و أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت».
وأصبح محمود درويش يحمل لقباً جديدا هو: «لاجئ فلسطيني في فلسطين»، لقب جعله مطاردًا من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية ، لأنه متسلل ، وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي ، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية ، و نتيجة ذلك صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) ، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول : «مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار»، وهي الفترة التي بدأ درويش يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، و كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش.
وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظوراً عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، وكأنه أراد بذلك أن يكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته.
إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة
و سُجن محمود درويش في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات /1961/ 1965 1967 لكن شهرته تجاوزت جدران سجونه وحدود معتقلاته ، وفي مطلع السبعينات وصل ثانية إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان . وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي.
هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات ، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره «عرفات» مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!.
يذكر «زياد عبد الفتاح» أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول : «قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة : «مديح الظل العالي» فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة . وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض ، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر . وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال «ماجد أبو شرار» في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده : «أصدقائي.. لا تموتوا». كذلك موت الرسام ناجي العلي الذي رغم إشاعات خلافات بينهما كان يكن له الكثير من الحب والإحترام .
أقام محمود درويش في بيروت منذ مطلع السبعينيات ، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكاز ، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فهناك أصدر في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين . وأثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة . فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة «مديح الظل العالي»، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها . وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت ، معتقداً عدم أهميته بالنسبة للصهاينة ، لكنه وبعد عشرين يوماً من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية ، فاستطاع الخروج من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين.
في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فكان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: «إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي ، وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص»
عاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين ، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي ، ومازال يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية ، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته : أوراقه وأقلامه .
رحلة الإبداع «مع الشعر مجيئي ... مع الشعر رحيلي»
«إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟»هكذا أجاب درويش ، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين ، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه ، وزيارة وفد الأدباء لفلسطين تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي . وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع : تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة ، وليس شعرا نضاليا أو دعويا ، هكذا تمكن درويش ، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين ، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.
هل الشعر وسيلة أساسية للتعبير ؟
الشعر ليس فقط وسيلة ، الشعر واللغة قبل ذلك ، لأن علاقة الشاعر باللغة ليس من أجل إيصال شحنة أوفكرة أو غموض أو وضوح ، على شذوذ اللغة أن توصل وأن توضح ما هو غامض في وجودنا الداخلي ، ولكن أيضاً على اللغة أن تكون غرضاً في حد ذاتها في العملية الشعرية ، الكلمات ليست فقط أدوات إتصال وليست أرقاماً ، وإلا كنا نستغنى عن الشعر وعن التعبير المباشر عما نريد ، عن مطالبنا أو عن شهواتنا أو عن رسالتنا . لكن في العملية الشعرية اللغة هي أيضاً مادة عمل وأيضاً غرض للعمل .
تتميز نصوص محمود درويش بشفافية وجمالية اللغة ، والقصيدة هاجس آني ، فمن أين تأتي لمحمود درويش القصيدة وكيف يذهب إليها محملاً بأدوات اللغة ؟
القصيد وسواس وهاجس ملح ونمط حياة ، وطريقة تفكير في الوجود ، كل هذه العدة السابقة لتكون القصيدة في النص لا تحقق إلا إذا توفرت هذه الشروط ، وكل شاعر يراقب هذا التحقق بطريقة مختلفة ، وليس هناك نظام واحد لكيفية تحول الحلم والهاجس الغامض والفكري إلى نص شعري ، ولكل شاعر طريقته للوصول إلى المنطقة التي يلتقي فيها الواقعي بالأسطوري ، التاريخي بلا تاريخي ، المطلق بالنسبي ، كما ليس هناك نظام ، ولكن هناك وحي ، ليس بالمعنى الديني للكلمة ، بل نقطة مع الأمل ،
وكأن ثنائية الكتابة تحمل لك ألما وفرحا في آن واحد وكأن العملية فترة حمل ومخاض ؟
نعم فترة الحمل والمخاض فترة طويلة وعسيرة ، ولكن في الشعر ليس هناك عملية قيصرية، العملية القيصرية تقتل الوليد الشعري ، صحيح أن النص الشعري يقوم على ثنائية ألم / فرح ، لكن كل عمل إبداعي تعامل قاس مع الأمل ، والفرح ليس مصدراً للشعر ، الفرح ليس ملهماً للشعر، لأننا لانحتاج إلى تكوين واقع آخر ما دام الواقع متحققاً ، الألم هو دافع أكثر للكتابة الشعرية ، أغلب النصوص المهمة في تاريخ الإنسان الأدبي هي نصوص مأسوية ، ولكن الفرح هو فرح الإبداع الجماعي ، لتحقق جمالية النص الشعري وإنجاز الشعر فيه في شكلها الذي هو القصيدة ، والفرح الوحيد هو الفرح الإنساني بالقدرة على الخلق والإبداع ، فهذه الثنائية متعايشة ومتفارقة في نفس اللحظة ، الباعث مؤلم والإنجاز هو الذي يسبب الفرح الإنساني ، أي قدرتنا أن ننجز من هذا الألم ومن هذه التراجيديا الإنسانية نصوصاً جميلة ، الجمال هو الفرح والجمال لا يتحقق إلا بعد أن يكون الألم قد دخل في مناطق النص الشعري وأنجز قصيدة أو لوحة أو قطعة موسيقية جميلة .
هل سبق أن ألغيت أو مزقت قصيدة كتبتها ؟
هذا سؤال يسمح لي بأن أشي بسر وهو أن ما أنشره من شعري الذي أكتبه لا يتجاوز الثلث ، والباقي أحذفه ، لأنني لا أريد أن أقلد نفسي ، ومن المعروف أن الشعراء أو الكتاب يقفون أمام حيرة التقليد لأن الأدب الإنساني مليء بإنجازات إبداعية عالية يصعب على الشاعر الذي يريد أن يكتب فوق هذه الكتابة ، لأن كل كتابة هي كتابة فوق كتابة ، وليست كتابة على بياض ، يصعب عليه أن ينجو من تأثير النصوص السابقة التي تجلس تحت نصه من الظهور في نصه الخاص ، الجهد الكبير هو كيف نهضم المعرفة الإنسانية والإبداع الإنساني وكيف تظهر في شعرنا وفي كتاباتنا الجديدة من خلال صوتنا الخاص ، فحيرة التقليد فيها جاذبية وإغراء شديد ، وعلينا أن نتدرب دائماً على كيفية التخلص من النص الذي يؤثر فينا تأثيراً مباشراً ، وأعطي مثلاً : عندما قرأت الشاعر الكارييبي ديرك والتر شعرت أنني لا أستطيع أن أكتب لمدة سنة كاملة ولم أكتب لمدة سنة كاملة بسبب تقاطعات الرحلات التاريخية في نصه وفي نصي ، وبسبب قوته الطاغية، وأيضاً أنني شعرت أن هناك شاعراً في العالم يكتب نيابة عني ، لأن أي قصيدة جميلة تكتب تريحني من أن أكتب قصيدة ، إذن يجب أن ندرب أنفسنا تجاه طغيان جمالية نص جديد علينا ، وعلى كيفية خلق مسافة والإبتعاد عنها ، هذه نقطة أساسية في التربية الشعرية ، لكن هناك تدريب آخر : كيف ننجو من إغراء تدريب أنفسنا ، قد أكتب كتاباً ناجحاً فيلقى صدى واسعاً وقبولاً لدى الناس فيغريني هذا بأن أكتب بهذه الطريقة ، علي أن أدرب نفسي كيف أتحرر من سجن نجاحي لأن أي نجاح في آخر الأمر هو سجن لأنه ينمط صورة الشاعر لدى القاريء ، والقاريء يطالب الشاعر بأن يكتب هكذا ، علي دائماً أن أتمرد على نفسي وأن آخذ في تمردي أيضاً الذائقة الشعرية التي وافقت على هذا النص إلى نص آخر ، إذن علاقتي بالقاريء هي علاقة أسعى دائماً من خلالها إلى الحصول على إعترافه بي كشاعر وإعترافة بخياري الشعري الجديد ، أي أن إعتراف القاريء بجديدي هو عملية شاقة وصعبة وتحتاج إلى ثقة متبادلة ، إذن علينا أن ننجو أيضاً من تقليد الذات .
رغم المسيرة والتجربة الشعرية المتميزة هل مازال بامكانك أن تتأثر بشاعر ؟
أنا دائم التأثر بالشعراء الذين سبقوني بطبيعة الحال والشعراء الذين يجايرونني ، والشعراء الذين هم أصغر سناً ، ومعرفتي الشعرية ومراقبتي الشعرية وإصغائي الشعري مفتوح على كل التجارب وفي كل الأزمنة ، والتأثر هو نوع من التفاعل والمراقبة الدقيقة للمشهد الشعري العربي والعالمي ، وما دمت أراقب هذا العالم فهذا يعني أني مازلت راغب في أن أتعلم ، ولكن إذا أغلقت ذاتي على نصي وأجريت قطيعة مع ما يجري خارج نصي من نصوص أخرى ، هذا يعني أنني أفترض أنني بلغت الكمال الشعري وأنني وصلت إلى تعريف جوهر الشعر الذي يبقى غامضاً دائماً ويبقى غموضه شرطاً في الإستمرار في السعي نحو الوصول إلى غيري ، الشاعرية هي السعي دائماً نحو تحقق الشاعرية في القصيدة ، فإذا لم أتأثر يعني أني تحجرت وتكلست وقطعت التفاعل مع نبض الحياة ونبض الزمن ونبض الجديد في التجربة الشعرية الإنسانية ، وأنا دائم التأثر ولكن تأثري يأتي عن طريق هضم ومراقبة الجديد والتعلم منه ، وأشعر دائماً عندما أكتب نصي أنني أكتب للمرة الأولى ، وأدخل إلى إمتحان الكتابة كطالب يذهب إلى إمتحان يقرر مصيره التعليمي ومصيره في الحياة ، ولا أخفي بتاتاً أنني أتأثر لكن لا أقلد بطبيعة الحال ، التأثر نوع من التفاعل وإنفتاح النفس الداخلي فينا على الخارج المتحرك والمتطور .
ما رأيك بالمشهد الشعري اليوم ؟
المشهد الشعري اليوم مشهد متنوع ، وتتعايش فيه كل أزمنة الشعر العربي منذ الجاهلية حتى الآن ، وكل أشكال التعبير الشعري من العمودي إلى النثري ، تتعايش وتتصارع أيضاً وهذا شيء صحي ، فكل أنواع الخيارات الشعرية ، ومحاولة الأبناء الدائمة لقتل الآباء شرط اساسي للتطور ، هناك حرب أهلية لكنها حرب بالكلمات ولفائدة العملية الإبداعية ، من هنا لا نستطيع أن نتكلم عن مشهد واحد ، كل التاريخ الشعري العربي يتعايش في هذه اللحظة الراهنة ، ولكن حصل شيء اساسي ، وهو أن الشعر العربي الحديث قد ترسخ وحصل على شرعيته من الذائقة العامة ، لم نعد نناقش حول الخيارات الشعرية ، هل تكتب شعراً جديداً أوعمودياً ؟ هذه المسألة حسمت وتكونت حساسية شعرية جديدة لدى القاريء أيضاً الذي يصغي لإيقاع الزمن وإيقاع اللغة الحديثة ، ويقبل على حياته الجديدة برؤية مختلفة ، إذن تكرس الشعر العربي الجديد ، لكن هناك محاولات للتجاوز المستمر ، محاولات لتخطي المنجز الشعري وهذا جيد ، لكن من الظواهر السلبية الفوضى المعيارية في الحياة الشعرية العربية ، لأن الكتابة هي حق أي إنسان ولكن ليس كل ما يكتب ينشر ، فهناك فوضى نشر وفوضى للنشر تجعل القاريء تائهاً بين ماهو شعر وما ليس شعر ، وتجعله حائراً بين ماهو شاعري في القصيدة وما ليس شاعري ، وسبب غياب هذا المعيار هو توقف الحركة النقدية العربية الجديدة، عن تحقيق الشعر الحديث من مفاهيم ومعايير، بالحكم على الشعر ولاشعر في الكتابات الحديثة ، تكون بذلك تيار لتأسيس تيار شعري حديث يراقب الشعريات الجديدة، ويصنع معايير للقاريء للحكم لا كقيمة فنية فقط ، ولكن لإجراء طريقة قراءة للنص ومدى شرعيته الجمالية ، وهناك أيضاً أسئلة حول علاقة النص بالواقع ، وكيف يتشكل الواقع في النص ، وكيف يكون النص واقعاً لغوياً مضاداً ، الكثير من الأسئلة تحتاج إلى نقد جديد لكي نعرف الحدود بين الشعر والنص ، والحدود بين الشعر واللاشعر في داخل القصيدة نفسها ، ويمكن أن تكون هذه الفوضى صحية أو لا صحية إذا إستمرت في نشر فوضاها ، خاصة أن القاريء أصبح حائراً أمام إدراك الشعر وتميزه عن اللاشعر .
ذكرت ضمن الأجناس الشعرية قصيدة النثر التي مازالت اليوم مطروحة على النقد العربي الحديث لتحديد مفهوم هذا الجنس ، وإعادة النظر في التسمية ، هل هو جنس عربي جديد ؟ أم أنه ينتمي فعلاً إلى الشعر ؟ أسئلة كثيرة يثيرها مجرد الإسم
هذا النوع من الشعر ليس حديثاً ، هو شكل موجود في الكتابات الأولى ، موجود في النص القرآني والتوراة ، النثر الذي يتقدم منا بصفته حاملاً لشاعرية كبرى موجود في الكتابات القديمة ، في كل نثر نجد شعرية محققة الشعر .
بما أن هذا الجنس نثراً لماذا يسمى قصيدة ؟
كثير من الأسئلة تحتاج إعادة النظر فيها ، وأنا أتمتع بقراءة الكثير من النصوص التي تسمى قصيدة النثر وأرى أن هذه التجربة تفتح رؤية جديدة ومتسعاً فضائياً للمخيلة والسرد الإنشادي الملحمي ، يجب أن تخرج منها القصيدة التي ربطت نفسها بلقطة سينمائية أو صحفية ، أي يجب أن لا تكون محبوسة في تعريفها الشائع وهي أنها عبارة عن لحظة مكثفة ، وأنا أصغي لهذه القصيدة وأتعلم منها ، وهي أيضاً تشكل فينا إعادة نظر إلى رتابة إيقاعها ، فإذن هي تجربة لا بد من خوضها ولابد أن تناقش مأزقها التي وصلت إليه ، وهي تعترف أنها وصلت إلى مأزق ولابد من النقد أن يسهم في وضع هذه التجربة في جنسها الأدبي وفي علاقتها بالشعر .
إ ذا كان الشعر تكرس والجدلية حسمت فماذا عن الجدل القائم حول مصطلح الحداثة ، أليست الحداثة مربوطة بشرطها التاريخي ؟
نعم الحداثة مربوطة بشرطها التاريخي ، ولكن علينا أن نفهم أن الحداثة هي منظومة كونية لا تتعلق بالشعر وحده ، ونحن العرب نستعير مصطلحاً ونستهلكه دون أن نكون مساهمين في صياغته ودون أن يكون مستوى تطورنا التاريخي مطابقاً للخضوع لمتطلبات هذا المصطلح ، ولكن هل يبقى الشعر في إنتظار أن يكون المجتمع حديثاً ، طبعاً لا ... على الشعر أن يطور نفسه ويدخل في حداثته الناشئة من داخل تاريخه الخاص ، فإنفتاحه على التاريخ والعناصر الصالحة بأن تبقى جديدة في العملية الشعرية هي شرط في تحديث شعرنا تحديثاً سليماً وليس مشوهاً . طبعاً الحداثة هي مثال شرط تاريخي ، وتحتاج منا إلى إعادة تقييم وإعادة بناء جسر القطيعة التي تمت بين المصطلح كمفهوم غربي وبين سياق الشعر العربي الذي لا يمكن أن يتطور إلا من داخله في علاقته أيضاً بحداثة الآخرين .
- الحديث عن نثر محمود درويش يكاد يكون مغيباعن الساحة النقدية مع أنك ابتدأت بنشر نتاجك النثري منذ فصدر لك «شيء عن الوطن» ثم توالت الكتابات النثرية مثل «يوميات الحزن العادي» و»وداعا ايتها الحرب وداعا ايها السلام» و»ذاكرة للنسيان» و»في وصف حالتنا» و»عابرون في كلام عابر» فضلا عن الرسائل المتبادلة بينك وبين سميح القاسم. هل لديك مفاضلة بين الشعر والنثر ؟
الجمالية قد تتحقق احيانا في النثر اكثر من تحققها في الشعر لكن ذلك لا يلغي الفارق بين الكتابة النثرية والكتابة الشعرية.وتحقق الشاعرية في النثر اكثر من تحققها في القصيدة احيانا او غالبا لا يهدم سياج القصب الدقيق والمرن بين الكتابة الشعرية والكتابة النثرية على الرغم من المحاولات البارعة لالغاء الفوارق بين الاجناس الادبية وتوحيدها في عملية واحدة هي الكتابة، وأنا أرفض المفاضلة بين النثر والشعر لان لكل منهما جماليته ، أليس النثر هو حقل الشعر المفتوح. أليس الشعر هو نثر الورد على الليل ليضيء الليل. ولدينا مثلاً هو نثريات الكاتب والشاعر والصحافي اللبناني سمير عطالله إنه أحد القلائل الذين يتميزون حتى في تعليقهم السياسي بشاعرية تميزه عن تشابه الرمال السائد .شاعرية تسأله في كل مرة : هل أنت حقا ناثر؟
في كتابك ذاكرة النسيان يعطي نصك النثري بعداً أسطورياً للأحداث ، وتحاول في النص نفخ الحيوية في اللغة ، هل حديثك عن البحر إزدواجية ، هل هو بحر الشاطيء ؟ أو بحر الشعر ؟ هناك شبه محاولة لتحرير الكاتب من قيود اللغة ومن القيود الأخرى ؟
هذا النص الذي كتب في يوم واحد من أيام حصار بيروت هو نص شعري مكتوب بالنثر ، نص ملتبس إلى حد ما لأنه ممتلك بشاعرية ، ولم تتحقق هذه الشاعرية في أي قصيدة من قصائدي ، لكنه كجنس أدبي ينتمي إلى السرد ، السرد النثري ذي النفس الشاعري ، وأردت في هذا الكتاب أن أشهر اللغة كقوة قادرة على أن تتصدى لقوة المادة القاتلة ، لقوة الحصار والحديد والفولاذ والقذائف ، وأمام مشروع تدمير وجود كامل وواقع كامل ، كان على اللغة أن تشهر كامل تاريخية جماليتها وقوتها وإبتكاراتها وقدرتها على الخلق وخلق ذاكرة ، وخلق عالم مضاد لهذا العالم كقوة شحن داخل الكلمات نفسها ، صحيح أن هناك بعداً أسطورياً ، لأن أحد عناصر مشروعي الشعري هي أن أحاول أن أسطر الواقع أي أن أحول الواقع إلى مستوى أسطورة جديدة بمواد خام ينتجها الواقع نفسه ، لأن الواقع عندما يدخل في النص الأدبي ويبقى كما هو فهو يكسر النص ، فعلينا أن نمنحه قدرة التكون الأسطوري وليس الإتكاء على أسطورة سابقة ، طريقة كتابة النص هي طريقة أسطورية بلمسها العناصر التي كونت الأسطورة ، وكذلك العناصر التي تكون هذا الواقع الأسطوري المضاد للواقع العيني الموجود ، وشخصياً أحب هذا الكتاب كثيراً ، وكثير من القراء يفضلونه على مجمل شعري لأنه قصيدة نثر كبيرة إلى حد ما ، ومستفيد من كل الأجناس الأدبية ، السرد والهذيان والبعد الميتافيزيقي والسيرة الذاتية والحوار ، مجموعة من الأجناس الأدبية في شكل إلى حد ما جديد ، لا أريد أن أقيم عملي ، لكن أعتقد أنه يجب أن يقرأ وتبحث مكانته في النثر العربي وليس من الشعر العربي ، وأرى أن كتابة النثر بشكل عام هو تعبير عن فائض الشعر الذي لا يدخل في القصيدة ، فهناك مساحة تحرك وتنفس خارج نظام القصيدة لا يجد شكله إلا في مثل هذه الكتابات التي نسميها السرد الشعري أو السرد النثري الشعري وليس كتابة شعر .
عند قدومك إلى تونس قيم النقاد والشعراء مجموعة أعمالك وخرجوا ببيان يحمل سؤالين : ضرورة الشعر وإرتباط الشعر بأسباب الحياة . مبررات هذه الضرورة وإمكانية تحقيق هذه المبررات . كيف كان شعورك ؟
شعرت بكثير من الحرج ، كنت أتمنى أن يكون البيان عاماً وأن يتكلم عن المشهد الشعري العربي بعيداً عن وضعي كعينة ، والموضوع يقتضي مني التواضع ، فأنا لست وحدي في المشهد الشعري ، أنا عازف على آلة صغيرة في أوركسترا جماعية ، وكل ما ينتجه أي شاعر يضيف إلى هذا المشهد الذي أرجو أن يكون نشيداً منسجماً ومتصاعداً ، هذا لايلغي أن ماحصل هو نوع من أنواع الإعتراف النقدي ، لأن تجربتي كانت متروكة للإهمال ولقراءات مسبقة ، أي أن الصور الشعرية بقيت على مجال التحقق النقدي خارج التعامل مع الحداثة الشعرية ، أو مع العملية الشعرية بذاتها بعيداً عن إرتباطها بالقضية الفلسطينية ، كنت منمطاً ومسجوناً في موضوع مقدس ، أي لم يقرأ نصي الشعري برحيله الجمالي أو بتوسع نطاقه الجمالي عن موضوعه الوطني كما قرأ في قفصة ، فورشة العمل الذي قام بها نقاد جادون كان تأسيس شديد العمق ليس لقراءة شعري وتحريري من النمطية وتحرير صورتي من صورتي في الذهن العام ، المشهد النقدي العربي متروك للفوضى ، لهذا رحبت بهذه العملية لأنها ستضع المعايير الضرورية لتصنيف وتبويب المشهد الشعري ، التصنيف والتبويب الضرورين حتى ولو كان هذا العمل يخص شاعراً آخر ، فإنه سيطالني ، لأنه يجب أن يعمم التأسيس وأن يتحول إلى حركية لا تتعامل مع الشعر وحده ولكن مع الشعر لمكانته وحضوره في الثقافة العربية كسؤال ثقافي كبير .
وماذا كان شعور الطفل في محمود درويش ؟
أيضاً شعور حرج و:انهم يتحدثون عن شخص آخر ، كأنني البحتري أو المتنبي .
منذ إستقرت قضية القضية إنفجرت أشعار محمود درويش ، أي منذ إحدى عشر كوكباً ، هناك إنفجار شعري أدبي وإنفجار الأنا ، كنت تتوجه آنفاً كمجموعة لمجموعة ، في الكتابات الأخيرة الفرد هو الذي يتوجه إلى مجموعة ؟
إذا أتيح لي أن أكون ناقداً لشعري للحظة واحدة فإنني أشير إلى أن تاريخ التطور النوعي بدأ مع مع مجموعة « هي أغنية هي أغنية « وبعدها « ورد أقل « و « أرى ما أريد « ثم « أحد عشر كوكباً « ثم « لماذا تركت الحصان وحيداً « أي أن لهذا المنعطف تاريخياً أو مع بدايات بعض قصائد « حصار البحر « علاقة الفرد بالجماعة ، علاقة يكثر اللغط حولها في النقد العربي وفي تنظير شعراء شبان غير مدججين بأدوات نقدية عالية ، وهذا يعود إلى أن الأنا مع الجماعة علاقة ضدية وليست علاقة تكامل وجدلية ، ليست هناك أنا نظيفة متحررة من الجماعة ، كل أنا فيها خليط من الجماعة وكل جماعة إنعكاس الأناوات ، وأنا مرتاح من هذا التوتر ولا أشعر بأي تناحر بين الأنا والجماعة . لكن السؤال : كيف تعبر الأنا عن نفسها أو عن الجماعة إذا كانت تنصب نفسها ناطقاً علنياً وشرعياً بإسم الجماعة ، فهذا يكسر إلى حد ما حدود إختصاص العمل الشعري ، على الجماعة أن تتبطن في الأنا وعندما أبحث عن أناي وأروي قصتي كما رويتها في كتابي ، هل كانت قصتي وحدي أم قصة مجموعة أطفال مثلي ، أينما ذهبت سأجد هذا السجال أو الجدلية أو الترابط بين الأنا والجماعة ، على أنا الشاعر أن لا تتقدم بصفتها ناقداً بإسم الجماعة ، عليها أن تتكلم عن الذات التي إمتزجت فيها الجماعة بطريقة باطنية وطريقة سرية وطريقة غير سياسية ، فأنا فعلاً شديد النزوع نحو ذاتي ، ليس كإختيار أخلاقي أو إجتماعي ولكن كإختيار شعري لأن الخارج كله والواقع كله لا يتحقق إلا إذا مر عن طريق الأنا ، وهذه الأنا تنتجه من جديد ولكن بطريقة مختلفة ، بطريقة جدلية ، تخرجه كنص إبداعي ، ألجأ إلى هذه الذاتية لا كنرجسية رومانسية الفارس أو العاشق ، ولكنه مكان حميم لإحتفاء الذات ، لقد إشتقت إلى أن أضفي إلى ترسبات وتقاليد وموروث هذه الأنا ، وعندما أراقب فيها أجد تاريخاً وأجد حقولاً وأجد فيها جماعات ، ولكن لا أخاطب بصفتي واحداً يخاطب الجماعة، الجماعة كلها تتوحد في صوت والصوت لا يذوب ، وهذه الوحدة لا تقتل الذات الشاعرة التي هي شرط من شروط الأنا ، وأؤكد أنه لا خوف من هذه العلاقة إذا كانت علاقة سليقة وحرة وطوعية وغير قابلة لمتطلبات الخطاب العام ، لأن في وسع الأنا أن تنتج خطابها ولكن إذا وجد فيه إلهام مايصلح لأن يكون خطاب لمجموعة أناوات أي جماعة ، فهذا ما يطمح أي شاعر أن يحققه ، أن لا أكون أنا وحدي ، أن أكون ملايين ، وهذا يعطيني إحتفالية وقدرة للذات لإكتساب شرعيتها التعبيرية .
هل هذا يدل على نضج الأنا ؟
هذا يدل على نضجي أنا ، لأن هذه الأنا ليست منفصلة لا عن تاريخ تطورها ، ولا عن تاريخها الإجتماعي ، والنضج معنى الخيار الجمالي الشعري ، عما تسعى هذه الأنا ؟ تسعى إلى أن تعيد إبداع الوجود الإنساني شعرياً أو تعيش وجودها الشعري .
ألا تبدو قصيدة برتولد بريشت خارجة بعض الشيء عن الخط العام للقصائد المدرجة في كتابك « لماذا تركت الحصان وحيداً « هل تنطوي على قصائد محمود درويش المشاكس فكرياً وسياسياً ؟
ترددت كثيراً في إدراج هذه القصيدة في هذه المجموعة لأن صوتها مختلف ، لكنني وضعتها لأسباب قد تكون تاريخية ، فحادثة ثماني وستين في حياتنا القومية والثقافية والشعرية حادثة لا تنسى ، توقفت عن كيفية إستحضار الحادثة ، هل أكتبها بلغتي الآن ؟ أم أستعيد أدوات التناول المباشر التي كنت أتناولها أثناء وقوع الحادثة ، خشيت أن أعطي لذلك الجرح جمالية تجعله جرحاً حاملاً للإنفعال ، وربما أحمل من الخبث ما يمكنني أن أترك هذا النتوء حاملاً لنتوء شعري أيضاً ، لذلك غامرت وإستحضرت اللحظة المباشرة لوقوفي أمام المحكمة العسكرية ، ولكي لا يكون هذا النص نشازاً نسبته إلى بريشت كي يكون هو الشاهد المستعار على رواية تلك الحادثة ، لكن هل كان لذاك النص أن يدرج في تلك المجموعة أم لا ؟ لا أدري . ربما كان مكانه مكاناً آخر ، ولكن القصيدة على كل حال جميلة ، أليس كذلك ؟
بالتأكيد. ، مارأيك بعلاقة الشاعر بالناقد وعلاقة الناقد بالشاعر ؟ هل لا بد من إطلاع الناقد على تصورات الشاعر وممارسته لأعماله الشعرية ؟
أرى أن تخصص الناقد لدراسة شاعر معين كمؤشر على عنصر أساسي للمشهد الشعري وكمؤشر على لحظة تاريخية ، أو ما نسميه تيار أفضل من تبعثر الناقد على دراسة أكثر من شاعر ، إلا إذا كان ذلك خاضعاً لدراسة المقارنة ، ولكن أرى أن الشاعر الواحد يحتاج إلى أكثر من ناقد يتخصص في عمله كعينة أو كبعد إشعاع لحركة الشعر المعاصرة عربية كانت أو عالمية
هل يمكن أن يكون الشاعر ناقداً ؟
هذا خيار متروك للشاعر وعلاقته بنصه ، هل يريد أن يؤسس تياراً على مستوى الوعي والمعرفة ، أم يريد أن ينشغل أكثر على الكتابة الإبداعية ، الشاعر لا يريد أن لا يصل نصه بدون تبشير نظري أو نقدي من قبله ، يلجأ إلى هذا الأسلوب كي يجند لنصه أدوات نقدية ، وهذا متروك للشاعر نفسه ، لكن أخشى إذا تحول الشاعر إلى ناقد فإنه لا يستطيع إلا أن يكون ناقداً لشعره ومروجاً لخياره الشعري وفرضه كحقيقة أدبية مطلقة ، هذا هو خطر أن يكون الشاعر ناقداً لشعره فقط ، لأنه إذا إختار هذا الخيار الشعري فمن حقه أن يختار نظرية نقدية تروج لهذا الخيار وتكرسه كخيار أفضل ، ومع ذلك هناك بعض الشعراء إستطاعوا أن يكونوا نقاداً ذوي حدس عالي لحركة الشعر في عصرهم ، لا يمكن أن نمر على ت . ي . س . إليوت بإعتباره شاعراً كبيراً فقط ، فهو أيضاً ناقد كبير ، وكذلك الشاعر العملاق الإيطالي والناقد الكبير مونتاي ، وهناك أيضاً النقد المتميز الذي يكتبه أكتافيو باث المكسيكي ، إذن بوسع الشاعر أن يكون ناقداً ولكن عليه أن يتحلى بتسامح ثقافي عال، وأن يقبل تعايش خياره الشعري مع خيارات الشعراء الآخرين لكي نستطيع أن نتعامل معه .
و لم يولد محمود درويش في فلسطين هل يكون له وزن مختلف في الشعر العربي ؟
هذا سؤال إفتراضي ويمكن أن يطرح على أي شاعر في العالم ، وأي لحظة في التاريخ ، فلا نعرف ماذا كان سيكون شكسبير لو ولد في الحجاز ، لا يمكن أن نطرح هذا السؤال على القاريء الإنكليزي ، ولا أعرف ماذا كنت سأكون لو ولدت في الدانمارك ، كل شاعر هو نتاج ظرف تاريخي ، نتاج ثقافة معينة مفتوحة على ثقافات إنسانية أخرى ، وأنا إبن شروطي
كيف نستخرج من هذه الشروط نصاً شعرياً يحمل جماليات مستقلة نسبياً من مكان ومكونات ولادته ؟
في تلك الحالة تصبح القصيدة نصاً إنسانياً يخاطب الإنسانية فنياً في أي زمان وأي مكان ، أما لو لم أكن فلسطينياً فماذا أكون ؟ أنا فعلاً لا أعرف ولا يمكن لأحد أن يعرف
أنا نتاج تلك الأرض ونتاج عناصرها وطبيعتها.
ربما يكون الرد أسهل إذا إرتأيت أنك من خلال شعرك أصبحت شاعر الجميع ، كل الشعر ملك كل مواطن عربي فالألم واحد ؟
أنا نتاج تلك الأرض ونتاج عناصرها وطبيعتها ، نتاج حركة التاريخ فيها ، ونتاج لقاح الحضارات والثقافات فيها ، وأنا أستوعب كل تلك الثقافات على أساس أنها عنصر مكون لثقافتي ، هذا النتاج كله ملكي ، فأنا تعبير عن كل هذا الإختلاف وعن كل هذه الأبعاد في الزمن وفي التاريخ ، ولكن هذا لايكفي لكي يكون النص الشعري ملكية جمالية إنسانية ، فلو كان تعبيري الشعري محصوراً في وصف أطراف الصراع والصراع وحده لسقط النص أتوماتيكياً بعد سقوط هذا الصراع ، أي أنا لست حاكياً ولا مراسلاً حربياً للقضية الفلسطينية ، وأنا أتكلم عن إنسانية هذه الأرض وإنسانية إنسانها ، وعن نزوعه الإنساني نحو تحقيق قيم من حقه أن يتمتع بها ، وهي الحرية والإستقلال وإبداع حياته ومصيره كما يشاء ، أي الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية وهو جانب عملي الشعري وليس الجانب الوصفي لوثائق تطوارات هذه القضية ولا جانبها العسكري أيضاً ، فمجال عمل النص هو القدرة على كشف جماليات الحياة في تلك الأرض بحيث تتحول هذه الجماليات إلى ملكية إنسانية عامة ، ولا نستطيع حينذاك أن نقول أن هذا الشاعر فلسطيني وهذا الشاعر سوري وهذا الشاعر تونسي ، يصبح النص الجمالي يخاطب ما فينا من هشاشة الإنسانية وقوتها أيضاً ونزوع نحو الحرية والإبداع .
لست مراسلاً صحفياً لكن نصك أصبح سرداً تاريخياً لواقع سياسي وإجتماعي وعاطفي وإنساني يؤرخ حسب حلقات في سلسلة متواصلة من مجموعات محمود درويش ؟
هذا السرد وهذا التاريخ لعلاقة الفلسطيني بتراجيدته هو أحد مستويات قراءة نصي وليس المستوى الوحيد ، فليس هناك في العالم الأدبي الإنساني نص مطلق ، هناك نص ينتج من ظروف محلية ، والمسألة تتوقف على الكمية أو النوعية الإنسانية الجمالية التي يحملها النص المنطلق من ظروف محددة ، وأحد مستويات قراءة نصي هو فعلاً سجل نفسي وثقافي للإنسان الفلسطيني وعلاقته بماضيه وحاضره ومشروع صياغة مستقبله ، ولكن هذا لايعني أن قصيدتي بقيت في مكانها ولم تستطع أن تصوغ إستقلالها النسبي عن مكوناتها ، وبقيت قصيدة محلية ، أما إذا كانت في النص مستويات أخرى إنسانية وجمالية تفتح أسئلة ومقاربة لقاريء آخر ولزمن آخر فهذا يعني أن القصيدة قد نجحت .
شخصية محمود درويش عن قرب تحمل من براءة الطفولة ما يجعلها شخصية متميزة جداً ، هل تختفي هذه الطفولة عندما ينفجر الشعر ؟
لا أدري إن كانت تختفي أم تنتقل من خجلها وتمارس حريتها الوحيدة الممكنة بتلك العلاقة السرية بين الشاعر وفضاءات اللغة وطاقاتها ، على أن تقدم في النص المكونات التي كانت سرية في شخصية ذلك الطفل ، ومن المعروف أن الأطفال شريرون ، وهم مزيج من صور براءة ليست أكثر من قناع لأنه يملك القدرة على اللعب والتخريب ، ربما لا أكون طفلاً عندما أكتب ، وإن كنت أحياناً أستعيد الطفولة لوظيفة واحدة ، وهي أن أحيي دهشتي الأولى أمام تلقائية الأشياء ، مهما تعامل الشاعر مع أسئلة وجودية كبيرة ومع قضايا كبيرة ، يبقى الطفل فيه ضرورياً من أجل أن يكون لقاؤه بالأشياء لقاء المرة الأولى ، دهشة الطفل هذه وتسميته للأشياء هي أحد أبعاد العملية الشعرية الأساسية .
لو لم تكن شاعراً ماذا كان يمكن أن تكون ؟
كنت أتمنى أن أكون رساماً أو موسيقياً ، الأغلب موسيقياً أعزف على قيثارة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.