نعتقد أنه حان الوقت حتى تجيب المعارضة، خصوصا الغاضبة منها، على السؤال التالي: لماذا يتواصل المشهد السياسي على شكل لا تتمنّاه، ولماذا لا تجد تجاوبا من الرأي العام؟ ونعتقد أنه لن يكون جواب السؤال ذا نفع، إذ ما تمّ اختزاله مرّة اخرى في التعطيلات التي تتعرّض لها كما تقول دائما، وفي عدم استجابة السلطة لمطالبها كما تكرّر. ذلك انه نظريا، لا توجد معارضة لا تجد من منافسيها تعطيلات، الا في حالة واحدة حالة الوفاق معها، وهذا معمول به في الشرق والغرب. فالكلّ يناور والكلّ يسعى الى ان يكون الأوّل! وذلك أنه لا يمكن لسلطة ان تستجيب لمطالب معارضيها (خصوصا المشهرين بها) بدون مقابل، هذا مع بقاء غرابة مثل هذا الطلب في كل الحالات! نعتقد أن المعارضة عليها ان تجيب، إذا ما هي أرادت ان تفهم الحقيقة بالضبط، على السؤال التالي: هل يشرح المشهد السياسي الحالي، شدّة السلطة ام قدرتها على التجدد: ليس فقط على مستوى تجديدها للحزب الذي تحكم به منذ الاستقلال، ولكن ايضا على مستوى هياكل الدولة والنظام الذي تشتغل من خلاله بدرجة اولى؟ لابد من الاقدام بشجاعة على جواب هذا السؤال، ففيه الجزء الكبير الذي يشرح حقيقة المشهد الذي بقدر ما يغضب البعض، بقدر ما تراه الاغلبية واقعيا. ولابد مع هذا من الجواب على سؤال آخر يقول: هل تجدّدت احزاب المعارضة، وماذا فعلت منذ 1987 غير الانشقاقات المتواصلة التي لم ينجح منها أي حزب؟ وهل جدّدت خطابها السياسي وسلوكها بما يجعلها تغري الناس، إما بالانضمام اليها او بالتعاطف معها؟ إنها أسئلة ضرورية، لعل في طرحها وفي الجواب عليها الجواب الحقيقي، تكون بداية الطريق ويحدث التغيير الذي حدث في السلطة ولم يحدث في المعارضة الى الآن، رغم أن الذي يطّلع على ما تقول وما تحتجّ به وعليه يظهرها وكأنها تمثّل شرائح كثيرة في المجتمع، وترتكز على تعاطف كبير معها تلغيه السلطة او تجهضه! هناك مطبّ آخر تغرق فيه المعارضة، وهو احساسها بأن المستقلين عن الاحزاب يعدّون رصيدا لها، وأن الذين يعزفون عن السياسة وممارستها تحت اي شكل، هم من تحصيل الحاصل سند لها. ولا نعرف لماذا يروج هذا الوهم لدى المعارضة، خصوصا أن اغلبية هؤلاء ينتقدون المعارضة بدرجة اولى في ادائها وفي سلوكياتها، ولعلّهم يمتعضون من العمل السياسي بسببها. وإذا كان في هؤلاء من لا يرضى على كل الاطراف، فإن عدم الرضا لا يحجب ما يرونه من مثابرة يومية من السلطة على التجدد الذي يمنحها الشباب، وعلى البناء الذاتي الذي يمنحها الديمومة! وهنا يكمن سرّ المشهد على ما نعتقد صادقين. وهنا يكمن جوهر المسألة كلها كما يرى اي مراقب للواقع. إن التغيرات الكبرى لا تحدث بالاحتجاج، والانتقال من حال الى أخرى لا يكون بالتزام الغضب. إنما السياسة والفعل فيها، قراءة متأنية لما يحدث وليس للذي يجب ان يحدث، وشجاعة كاملة في مواجهة عسر الاسئلة ومواجهة صعوبة الاجوبة.