تجارب التحالف .. لماذا تجهض مبكرا ؟ بقلم : صالح عطية لعلّ السؤال الذي لم يجد إلى الآن جوابا شافيا عنه هو: لماذا تفشل التحالفات بين الأحزاب السياسية عندنا فيما هي تستقيم في تجارب أخرى، مشرقية ومغربية؟ والحقيقة، أن هذه المسألة ليست وليدة الأيام أو الأسابيع الأخيرة، إنما هي تعود إلى ثمانينات القرن المنقضي، عندما بدأت إرهاصات التحالف تظهر في مشهدنا السياسي وتتبلور بصورة تدريجية، سواء من خلال ما يعرف ب "مبادرة ال 150" التي كانت شكلا من أشكال التحالف القائم على مرجعية سياسية ذات لون إيديولوجي واحد، هو اليسار النشيط في تلك الفترة، أو ما سمي ب "الترويكا" التي اختزلت لفيفا من الاتجاهات القومية واليسارية، قبل أن ترتبط عمليات التحالف بالاستحقاقات الانتخابية، كما هو الحال في انتخابات العام 1989، أو 1994، ثم تجددت بكيفية وأهداف مختلفة في استحقاقات العام 2004 و2009.. بالطبع، تخللت هذه العناوين البارزة، محاولات أخرى قليلة، سواء فيما بين تيارات يسارية أو تلك التي جمعت فلولا من اليسار واليمين، لكنها كانت أشبه بتلك التحالفات التي تولد ميتة، بحيث لم يكتب لها النمو ولو لفترة قصيرة لأسباب سياسية وإيديولوجية وعقائدية يطول شرحها في هذه الورقة.. الغريب في أمر التحالفات التي جرى "تجريبها" في تونس منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، هي أنها تنشأ ثم سرعان ما تختفي، هكذا من دون مقدمات أو حتى خلافات أساسية بين أطرافها من شأنها تبرير هذه النهايات غير السعيدة.. لكن الأدهى من ذلك، هو أن هذه التحالفات تتمخض عنها في كل مرة حالة تشرذم وخلافات صلب الأحزاب، تكرس مزيدا من الضعف داخلها، تبدأ ببعض الأصوات التي ترتفع من هنا وهناك، التي تطعن في "نزاهة" الأمانة العامة، وتشكك في "ممارستها الديمقراطية"، وتبحث لها عن "مطبّات" في طريقة إدارتها للحزب، ضمن سيناريو لتغيير المعادلات داخل الحزب، واستبدال أسماء بأسماء أخرى، في أقصى الحالات.. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل المشكل في الأحزاب ذاتها، أم في صيغة التحالف وتفاصيله ومكوناته، أم في المناخ السياسي ذاته، أم في غياب تقاليد تحالفية في بلادنا؟ ثمة في الحقيقة عدة ملاحظات يمكن أن تفسر "فشل" محاولات التحالف هذه، من بينها : - أن جميع أحزابنا ذات مرجعية إيديولوجية (عقائدية) ، بمعنى أنها تقوم على أساس "النقيض" للآخر.. وهذا لا يمكن أن يقيم تحالفا أو عملا جبهويا.. - لذلك تبدو أحزابنا غير قادرة على التمييز بين الجانب المرجعي في ممارساتها وتحالفاتها، والأفق التكتيكي (المرحلي)، الذي يقتضي تنازلات وقدرا من المرونة السياسية في المواقف.. - وجود تباينات عديدة تشق هذه الأحزاب، تخص تحليلها للواقع وميكانيزماته، والعلاقة بالسلطة، والحزب الحاكم، ومن شأن هذه التباينات أن تعطل أي تحالف يقتضي في الحدّ الأدنى قدرا من التوافق في الرؤية السياسية وفي كيفية تحديد الموقف من مجريات الشأن السياسي.. ربما كانت هنالك مرات قليلة، التقت فيها الأحزاب على "أجندة" لمرحلة محددة وظرفية سياسية خاصة، وتجاوزت خلافاتها وتبايناتها، لكن في هذه المرات المعدودة، اصطدمت ب "إملاءات" المناخ السياسي واشتراطاته وسقفه الضيق حقا، لتفشل بعض هذه المحاولات التحالفية رغم أنها لا تمثل خطرا على المشهد السياسي.. من المؤكد أن من أسباب الفشل في صياغة أي من التحالفات بين هذه الألوان أو تلك، أن هذه الآلية في العلاقات بين الأحزاب لم تتحول إلى جزء من الثقافة السياسية المتأصلة في مرجعياتها، كما أنها ما تزال تثير التخوفات لدى بعض الأطراف السياسية، إلى جانب كون المناخ السياسي العام قد لا يكون قادرا على استيعاب مثل هذه الصيغ من التعامل السياسي والحزبي، أو أنها لم تنضج بما فيه الكفاية.. حقا، المسألة تستحق الكثير من النظر والتمحيص.. جريدة الوطن( العدد 152 – 28 أوت 2010 ) لسان حال حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي