من روسيا الى تونس وتحديدا من سان بطرسبورغ الى هذه الأرض الطيبة التي نحبّها.. مسافة حلم.. بل دعونا نقول مسافة حقيقة لا أحلى ولا أجمل منها.. حقيقة عنوانها الأول والأخير إشعاع تونسي اخترق الحدود والحواجز وأسّس لنجاح جديد وتألق أكبر عكس عدة معان مجتمعة، أولها الثقة الراسخة في تونس كبلد قادر على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية إقليميا ودوليا.. وثانيها قدرتنا كتونسيين على رفع التحدي وحشد كل الطاقات والكفاءات بحرفية عالية يحسدنا عليها الكثيرون.. أشهر عديدة مرّت على موعد سان بطرسبورغ عملت خلالها اللجنة المنظمة بجدّ.. وصلت الليل بالنّهار وكانت عند الالتزامات التي قطعتها بلادنا من الناحية التنظيمية.. قاعة رادس متعدّدة الاختصاصات تقف شاهدا على روعة النجاح التونسي الذي لمسناه حتى قبل أن يبدأ المونديال.. نجاح يتأكد أيضا من خلال المجهود الجبار الذي بذل مركزيا وجهويا من أجل تهيئة الفضاءات التي ستحتضن المنافسات وضمان استقبال حار لضيوف تونس والسهر على راحتهم.. إنها مؤشرات على مونديال تاريخي بكل المقاييس.. مؤشرات تطلّ علينا بقوة الاستعداد التي تمّت وبحجم التصريحات التي بدأت تتواتر من الوفود الأجنبية ووسائل الاعلام ولا شكّ أن مثل هذه المؤشرات تسعدنا وتبعث الطمأنينة في نفوسنا نحن الذين عايشنا التحضير لهذا الحدث لحظة بلحظة وواكبنا محطاته المختلفة محطة وراء محطة.. نعم نحن سعداء بهذا التأكيد المتجدد على روعة تونس لكن الرحلة التنظيمية لن تنتهي مع انطلاق الحفل الافتتاحي وإنما ستستمر حتى آخر دقيقة من عمر المونديال وهو ما يفرض مواصلة العمل والتضحية حتى يكون كل شيء على أحسن ما يرام.. إنها مسؤو لية الجميع.. مسؤولية مشتركة لا مجال أمامها للتراخي فمكانة بلد بحاله مرتبطة بهذا المحفل الرياضي الذي اجتذب مئات الاعلاميين والرياضيين والشخصيات الرسمية والمرشح لأن يحظى بمتابعة ما يقرب من مليار مشاهد عبر العالم.. كل تونسي معني إذن بالمونديال أيا كان موقعه داخل لجنة التنظيم واللجان المتفرعة عنها أو متفرجا عاديا في مدارج القاعات الرياضية التي ستحتضن المباريات فالنجاح لنا جميعا وصورة تونس كبلد عصري، متفتح، أصيل واثق من امكاناته وقدرات أبنائه سيكون تحت مجهر ضيوفنا القادمين من وراء البحار.. إننا فقط نذكر بهذا المعطى.. مع إدراكنا لأن التقاليد التنظيمية الراسخة لبلادنا لن تترك مجالا للصدف غير السعيدة وستوفر لعشاق الرياضة فرجة من أعلى طراز. ... إلى أقصى حدود الفرح تحدثنا عن المغامرة التنظيمية ودعونا نتحدث الآن عن المغامرة الرياضية.. عن نسور تونس المطالبين بإسعاد شعب كامل.. لن نطلب المستحيل حتما بل نريد الحدّ الأقصى من الفرح والتألق.. نريد مسيرة وردية تتواصل عبر الدور الأول بإنجازات تدخل سجل الرياضة التونسية من أوسع أبوابه.. التحضيرات التي تمت على امتداد الأسابيع والأشهر الأخيرة أكدت رغبة أبنائنا في الذهاب الى أبعد مدى في هذا المونديال مثلما أكدت أيضا الأجواء المتميزة جدا التي تسود داخل منتخبنا والتي تترجم دخوله مرحلة جديدة ميزتها الأساسية ذوبان الفرد داخل المجموعة.. لا أسماء.. لا نجومية زائفة ومغشوشة.. لا طلبات واشتراطات قبل الإنجازات.. هذا هو منتخب تونس في نسخته الجديدة مع حسن أفنديتش.. الذي أكد في المرحلة النهائية من التحضيرات خصوصا أنه فني محترف بكل ما في الكلمة من معنى.. المباريات الأخيرة للمنتخب كشفت عن روح مختلفة.. عن مرونة لافتة في الأداء وتنوّع كبير بل إن المباراة الدولية مع كرواتيا رغم طابعها الودي أظهرت قدرة منتخبنا على إحراج أفضل المنتخبات العالمية فما الذي يمنعنا من دفع التفاؤل إلى أقصى درجاته وانتظار مفاجأة تعيد الى الأذهان مفاجأة منتخب القدم في نهائيات كأس إفريقيا للأمم.. قطعا نحن لا نعني الفوز باللقب العالمي وإنما الخروج بنتيجة إيجابية أمام فرنسا أو الدنمارك وتحقيق ترتيب مشرف جدا في أعقاب الدور الثاني.. الحلم يبقى مشروعا والحلم لا يعترف بالمستحيل ومثلما كان تنظيم بطولة العالم حلما وأضحى حقيقة فإن حلم المنتخب بل حلمنا جميعا يمكن أن يتحقق. **على جناح الألم خرج صبحي صيود وقبله وليد بن عمر ورغم إدراكنا للأسباب التي حتّمت هذا «الخروج» والألم الذي عاشه المنتخب وعشناه مع هذين اللاعبين في محطات سابقة فإن عزاءنا هو في هذا الجيل الصاعد وفي بقية اللاعبين الذين فضّلوا دفء الرّاية الوطنية على أشياء أخرى..