بقلم الاستاذ : جمال الدين بوغلاب تلازمني صورة ويُؤرقني الموقف. أما الصورة فلسيف جدّي المعلّق على حائط البيت. قالت امرأة في «القرية» من ذلك «القرمطي» الذي يتباكى على دم «عثمان»! من قال إن الخيانة تنجب غير الخيانة؟ وهو الموقف. ما نعيشه العرب اليوم لا يُنتج «سيوفا» ربما أثبتت «الطّفرة» خطئي.. لكن هكذا هي الأشياء عقلا حتى إشعار آخر. كانوا جيلا للألم أما نحن فجيل للسباحة. والشهود عيان. في زمن الأبواب الموصودة والأسوار العالية يتقدم العرب ورأس مالهم كما نسمع ويُخبرنا الغير نسب مرتفعة للجهل المركّب والأميّة. وفكر غيبي وتغييبي وقدريّة معطّلة ومرجئة شاخت لها العقول بعد أن أنيخت لها الإبل. وبين هذا وذاك مزاولة للعقل والتدبّر بالوكالة... تأتي الواحد منا سائلا فيحيلك على الفقيه والمرجع وليت المسألة بقيت كذلك فالدّارج اليوم في كثير من الأمصار والأقوام سلسلة «عنعنة» و»إسناد» واختلاف رواية وتصحيح وصحاح. في حين أن أصل المسألة وسؤالها: ما هو موقفك فيما علمت؟ زمانا ومكانا. لذلك تقدّم غيرنا وتكلّسنا. يمكنك أن تتزوّج بالوكالة وهذا جائز قانونا ويمكنك أن تبيع وتشتري بواسطة أما أن تفكّر وتعتقد فذلك لن يتسنّى الا بما أوتيت فردا وليكن النّتاج خطأ، لا بأس المهم «خطأ العاقل» ولا خطيئة «الدراويش». وذات المنهج لسبب أو لآخر أعتمد في «تدبّر شؤون الرعاية ومعارضة السلطان». ربّما تجلّى من المسألة باب ولكن غابت أوجه وهي الأهم فقد قلنا في رأي سابق: جيّد أن يكون لك موقف وأحسن منه أن يكون نتاج إعمال عقل مع الواقع والنص والأحسن أن يكون الموقف موقفك. فنحن أقوام حتى لا أضع مصطلح «أمة» كدال إبّان مغيب «المدلول عليه» أصدقاؤنا كثر ولا بدّ من تنزيل المواقف والمصالح في مناخ قابل لما نقول وندّعي، لا محيط رافض بحيث لا نستعدي أحدا. وهو ما لا نقوم به اليوم. وإلا ما هو التفسير «لتفجيرات» اسطنبول وغير ذلك وفير. فهذا المنطق غير منتج، متأزّم لا يترك إلا «البواقي» والدماء وهو ما لا يخدم الغرض ففنّ إدارة الصراع له أوجه وأصعدة تختلف تماما عن فنون إدارة المعارك والقتال. والارتكاس في دائرة الفعل وضدّه ونتاجه. ولئن كان جزءا من حقيقة فيزيائية منطقية فإنه قد يوفّر ويمهّد لفرصة يستثمرها «العدو» والخصم الحضاري والانساني. بحيث نكون قد خسرنا بشيء كل شيء. لذا فإن اللازم الضروري هو «إتاحة» بل «انتزاع» لمجالات العقل من طرف كل أحرار هذه الأقطار حتى لا تصيبنا شظايا هذا الدمار إن لم نقحم فيه عنوة أو سهوا. وبمجرّد نظرة استقرائية يتبيّن أن العدو رغم ضيق أفقه له قدرة على المناورة. يؤسفنا ألا يعتمدها أصحاب «القضيّة». فركوب الكيان الصهيوني لحدث تركيا دال لا يجب المرور عليه ببساطة. فمنطق الأشياء يقتضي أن الحدث وقع في دائرة سيادة دولة وفي حدود إقليمها وطال مواطنيها بصرف النظر عن المرجعية العقائدية وإذا بالكيان الصهيوني ينبري مغاضبا ومطالبا ومدينا لعالمنا العربي الاسلامي. وهو ما يعيد طرح السؤال حول ما يسميه «البعض» سلاما وجوارا. فالمجاورة تقتضي معرفة حدود «الأملاك» وفي القانون الدستوري لا يمكن الحديث عن دولة الا إذا توفّرت أركان ثلاثة: إقليم وشعب وسيادة. والكيان العبري الى يوم الناس هذا غير معلوم الحدود. من أين والى أين؟ أمن «رفح» الى رأس الناقورة والجولان ومزارع شبعا ووادي عربة أم الحدود المضروبة على النقد والمكتوبة في توراتهم؟ والشعب من هو؟ أهو المقيم في حدود فلسطين 1948؟ أم كل من هو يهودي في العالم؟ وهذا الاستنتاج الأخير هو الراجح وإلا فما هي أسباب هذا التدخل في شؤون الآخرين. وما تهجير «الفلاشا» ويهود «أوروبا الشرقية» وعقد الصفقات مع البقيّة الا دليل اضافي على صدقيّة الاستنتاج. بحيث سيظل المطروح تدخل سافر في شؤون الجميع. والمبرّرات كثر. وهو ما يحمل في مكوّنات الحل أسس فشله كبديل ومبرر لاسقاط تاريخي وحضاري. وهي نقطة أخرى تجعل من هذه الحلول المملات غير قابلة للتسويق رغم الدعايات والتّنميق عالميّا. وآخر المواقف في ذات المسار للنائب الألماني «مارتن هومن» الذي اضطر الى تقديم استقالته لأنه «قال» جزءا من هذه الحقائق التي تصب في خانة الموقف الشعبي الأوروبي عن الدولة الأكثر تطرفا وإرهابا في العالم. رغم وضعيّة التبني والقوامة التي يتولاّها القرار الأمريكي اليوم للحركة الصهيونية في العالم اليوم. وحتى الموسيقى والقيتارة ضاقوا بها ذرعا والموقف الذي كان للموسيقار اليوناني الشهير الذي اهتزت له أرجاء مسارحنا وطربنا له «ميكيس ثيودوراكيس» واضع اللحن الشهير «زوربا» قال «إن اليونان واليهود شعبان يشتركان في أن ليس لهم أقارب» ونحا باللائمة على ما يحدث اليوم ويحدثونه وأردف بأن هذا هو أصل الشر فقامت أركان أعمدة الدنيا وكانت أزمة بين اليونان والآخر. ولو قُدّر لهذا الرجل وكان سياسيا لتم عزله والحالة ما ذكر وأنه صاحب وتر ونغم وحس انساني فإن المأمول تكميمه وترهيبه حتى يصمت. وحتى لا تكمم أفواه وتُسلب إرادات يظلّ السؤال المفعم بالحرقة والحيرة. ماذا يفعل العرب بمقدراتهم المهدورة؟ وماذا ينتظرون؟ ومن ينتظرون؟ هل نحن في حالة احتضار؟ ربما ولكننا لا نعتقد في موت الشعوب فهي خرافة لا تُصدّق ولن يتم المرسوم ما دامت لنا أقلام وقدرة على «القراءة» الجوهر الأزلي الرسالي. إننا لم نمت ولم ننم بل مجرّد «سكرة» وعارض «وهن». إننا لم نقف بين «لا» و»نعم».