جاء في استمارة حول الحياة المدرسية كانت أعدتها المنظمة التونسية للتربية والأسرة بالمؤسسات التابعة لها أن التلميذ يواجه نسبة 63 صعوبات سلوكية مرتبطة بقلّة التركيز انعدام الثقة وعدم التأقلم والانسجام في المحيط المدرسي والكسل وعدم القدرة على مجاراة نسق الدروس. وأمام هذه النتائج يفترض التساؤل عن الأسباب التي أبرزت هذه الصعوبات السلوكية وجعلت التركيز عند التلميذ يتراجع بصفة ملحوظة. «الشروق» طرحت عديد الأسئلة العالقة على مختلف الأطراف والهياكل ذات العلاقة وبحثت عن الدوافع النفسية لهذا التراجع. فسّر التلاميذ الأسباب الكامنة وراء تراجع تركيزهم داخل القسم أي حين تلقّي الدرس بكثرة اختلاط التلميذ اليوم بدائرة موسّعة من أمثاله ممّا يجعلهم قادرين على إثارة الشغب داخل القسم وبالتالي إضاعة التركيز على الجميع وذلك بالإضافة إلى استعمال الهاتف الجوال وتلقّي للإرساليات القصيرة. وقال أمين الجبيلي السنة السادسة تقنية لا يتجاوز التركيز لديّ أكثر من ساعتين وعندما يلاحظ الأستاذ التّعب على وجوهنا يأمر باستراحة قصيرة لنستأنف الدرس بنفس أفضل. أمّا بلال سليمان تلميذ بمدرسة تكوين مهني قال : في الدروس التطبيقية يمكن أن يصل التركيز لديّ إلى 4 ساعات لكن في النظري لا يتجاوز الساعة والنصف. وأشار إلى أن التلميذ اليوم صار مشدودا إلى الخارج بعديد السلوكات التي تجعله يضيع التركيز لا سيّما منها الذهاب إلى المقهى والتدخين واستعمال المحمول وغيرها. تداخل العوامل اعتبر الأستاذ جمال عبد اللاوي وليّ وأستاذ تعليم ثانوي أنّ التلميذ قلّت نسبة تركيزه في الدراسة نظرا لتزايد الظغوطات التي يتعرّض لها ذلك أن كثرة الواجبات الدراسية مع ضغط الوليّ للحصول على معدّل جيّد مع الدروس الخصوصية ساهمت في إضاعة التركيز عن التلميذ. وأضاف أنّ تلامذة اليوم تشغلهم الفضائيات والإعلامية والمحمول وتبعدهم عن التركيز والمراجعة. وأفاد حامد قويسم وليّ وقيّم عام بمعهد خاص أنّ التركيز لسيت له علاقة فقط بالإطار العائلي أو المدرسي لأنّ أبنائي التوأم يختلفان في التركيز والقدرة على المتابعة رغم أنّ ظروف حياتهم ودراستهم واحدة. ولاحظ أنّ التلاميذ اليوم يرغبون في التمتّع بألعاب الفيديو والأولياء يعتمدون هذه الطرق للضغط على أبنائهم بالحصول على معدّل جيّد. ورأى السيد محمد العزابي مدير مدرسة بالعاصمة أنّ الدراسة لأربع ساعات فترة طويلة جدّا رغم أنّها غير مفروضة من الوزارة وهذه المدّة لا يمكن أن تمرّ بأكملها مع تركيز متواصل بل من المؤكد سيحدث إرهاق وضياع عن الدرس في آن واحد. وأضاف أن الضغط الذي يعيشه الوليّ داخل العاصمة لينعكس على الأبناء غير موجود بالجهات الداخلية. وذكر السيد محسن محمود معلّم تطبيق متقاعد أن السبب الرئيسي وراء تراجع التلامذة يعود إلى تغيير نظام الإمتحانات حيث أنّ التلميذ في الماضي كان يعيش هاجس الامتحان الذي يدفعه إلى التركيز والتفوّق لكن اليوم مع حذف شهادة السيزيام والانتقال الآلي من قسم لقسم قلّ التركيز. وأضاف أن غياب الأولياء عن حياة أبنائهم أيضا بسبب العمل جعل التلميذ يتّجه إلى أشياء أخرى لملء الفراغ كاللعب المتواصل والاهتمام بالتلفزة عوض الدروس. وذكر السيد محسن الدريدي معلّم تطبيق أن تراجع تركيز التلامذة ناتج عن تراجع سلطة المربي على التلميذ واطمئنان التلميذ بأن الدروس الخصوصية أو الأولياء بالمنزل سوف يعوّضون له ما فاته داخل القسم. وأشار إلى أنّ بعض الأولياء يخطئون في حلّ الدروس لأبنائهم بدعوى أنّهم غير قادرين على حلّ الدرس وهذا غير مفيد للتلميذ بل الأصحّ هو تركه يخطىء ثم يقع تصويب الأخطاء. واعتبر أن الحلّ يكمن في كيفية شدّ التلميذ داخل القسم من خلال تنشيط الدرس والتشجيع على العمل المشترك بين التلامذة. أسباب نفسية فسّر الدكتور عماد الرقيق أخصائي في الأمراض النفسية أن الأسباب التي أدت إلى تراجع نسبة التركيز لدى التلاميذ تتمثّل في كثرة الوسائل الترفيهية التي تشدّ التلاميذ إليها والابتعاد عن المراجعة إضافة إلى غياب الولي في حياة ا لتلميذ بسبب العمل حيث يجد الطفل نفسه حرّا ويفعل ما يريد ومتى يشاء إضافة إلى الغياب النفسي الذي يشعر به تجاه والديه وذكر أنّ قلّة التركيز تجعل التلميذ أكثر اضطرابا وبالتالي يدخل في دوامة ضغط من يعوّضه النقص في الحصول على المعلومة؟