طلعت من دمشق في الساعات الماضية دعوة لعقد اجتماع يضم الدول العربية «المجاورة» لاسرائيل وذلك بغية تنسيق المواقف وانعاش مبادرة السلام العربية كسقف اجمع عليه العرب وطرحوه سبيلا لتحقيق السلام الشامل والعادل. والواقع ان هذه الدعوة السورية تضع الاصبع على جرح عربي نازف... تمثل في انصراف كل بلد عربي في السنوات الاخيرة الى خدمة ما يراه قضاياه ومصالحه بصفة انفرادية وهو ما اصاب التضامن العربي في مقتل وحوّله الى مجرّد وعاء فضفاض لا حول ولا قوة له... ومن افرازات هذا الواقع الرديء غياب اي تنسيق حتى في القضايا المشتركة وهو ما يسهّل انفراد الاطراف الاخرى بنا سواء كانوا اعداء أو شركاء... وكذلك افراغ الكثير من المفاهيم من مضامينها وفي طليعتها الامن القومي العربي والعمل العربي المشترك... وحين نصل الى ساعة الحساب نجد ان كل العرب خاسرون... فرادى خاسرون وجماعة خاسرون... ونجد ان المستفيد دوما هو اسرائيل وكل الاطراف الدولية الاخرى التي من مصلحتها الان ان تتعاطى معنا متفرقين سياسيا. وقد كان الصراع العربي الصهيوني اكبر الساحات التي تضرر فيها العرب بسبب فرقتهم وتشتت مواقفهم وتوزعها على مسارات تبدو في الظاهر متفرقة، لكنها في الجوهر واحدة... لأن السلام العادل والمتكافئ واحد لا يتجزأ ولأن الأمن القومي العربي واحد لا يتجزأ ولأن المصلحة العليا للشعوب العربية واحدة لا تتجزأ... ولأن قضية فلسطين تبقى ومهما عصفت بها رياح الفرقة والتجزئة قضية قومية تهم كل العرب من المحيط الى الخليج وتسكن عقل ووجدان 300 مليون عربي يألمون لكل شهيد يسقط ولكل حجر يهدم ولكل دمعة ألم وقهر تذرف... وقد جرّب العرب السير في طريق المسارات المنفصلة ودفعنا الفاتورة بالجملة وبالتفصيل... والعقل السليم والحرص على المصلحة وانقاذ ما يمكن انقاذه باتت تدعونا الى لمّ الشمل مجددا وتوحيد الرؤى والجهود لبلوغ الاهداف المشتركة وسد الطريق على كل محاولات الاستفراد بنا طرفا بعد طرف وأكلنا واحدا بعد واحد... ومن هنا تكتسب الدعوة السورية اهميتها وتأتي لو كتب لها النجاح ورأت النور قريبا بمثابة اعلان عودة الروح للتضامن العربي الذي يتجاوز الكلمات والاقوال الى المواقف والافعال... وبمثابة عودة الروح للتنسيق في القضايا المصيرية للأمة طالما ان حاضرنا واحد ومستقبلنا واحد... وطالما انه لا فكاك من حكم التاريخ والجغرافيا. وتأكيدا، فإن هذا الجهد الخيّر، لو كتب له النجاح سيكون بمثابة المنعرج في العمل العربي المشترك في هذا الظرف الدقيق بالذات... والذي يتسم بتعدد التحديات والمخاطر التي باتت تقرع ابوابنا بالحاح والتي عصفت بسيادة واستقلال بلد عربي عزيز علينا هو العراق... وباتت تهدد اقطارا عربية اخرى وتخضعها للضغوط والابتزاز وأشياء أخرى... كما باتت تهدّد بتمرير الحلول الشارونية متى انفردت اسرائيل ومن وراءها بالشعب الفلسطيني. وسوف يكون من القصور تصور انه بامكاننا مواجهة هذه التحديات فرادى ومتفرقين لأن المطروح باختصار شديد هو تذويب مقومات هويتنا تمهيدا لصهرنا جميعا في مرجل ما يسمى الشرق الاوسط الكبير... وامام مخطط في هذا الخبث والدهاء لن ينفع دكّ الرأس في الرمل، كما لن تنفع اوهام ومشاريع الحلول الانفرادية... لأننا لن نجني منها اكثر من السراب.