...هل غاب النظام الرسمي العربي عن مسرح الأحداث وغدا بالتالي مشلول الارادة حيال التحديات التي يفرضها الراهن السياسي الكوني؟ وهل هذا الغياب المؤلم مرده عدم وجود خيارات سياسية ازاء ما يحدث، ام انه نتيجة حتمية لضغوط السياسة الامريكية وسياسة عسكرة واحتلال العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي لا قبل له بها!؟ ثم أليست الاخطار المحدقة بالوطن العربي في كافة بلدانه اكثر خطورة من مرحلة بداية القرن العشرين، فما تطلبه واشنطن كل يوم عبر التعليمات المتلفزة لا يختلف كثيرا عن التعليمات والفرمانات السلطانية التي كانت تصدر عن الباب العالي!؟ ان من يرصد الاوضاع بدقة وموضوعية في مختلف البلدان العربية يتوصل الى نتيجة مفزعة فالجامع الوحيد بين هذه الدول يكاد يكون عجزها جميعا في الحرب والسلم، في الإنماء والبناء والتطوّر في الحد من تعمّق الفجوة بين تخلفها والتقدم الزاخم في عصرنا ونمو الحضارة الإنسانية التي شيّد لها العرب مداميك راسخة في الاستبداد والعداء للديمقراطية و»كل رأي» ومحاولة تجويفها ووأدها الى ان نمت لها جذور وتقاليد وتحوّل الناس تبعا لهذه التداعيات من مواطنين احرارا الى رعايا خانعين... حقائق تنمو وتطرح كل شيء للتساؤل... وقائع تبرز وتعطينا صورة قاتمة عن محتوى مصيرنا... شواهد كثيرة تتجمع كجزء من الدليل على نكوصنا.. كل هذا والمواطن العربي يعيش في امل اجوف و ضرير . وكل هذا ولا احد يهتز من قتامة المشهد! وكل هذا ايضا، وليس في خواء الايام الموّلدة لليأس والإحباط من يقرأ او حتى «يتسلى» بمطالعة هذا المصير! انكشف اذا النظام العربي بشكل سافر، وانكشفت آلياته في العمل العربي المشترك ازاء تجدد العدوان الصهيوني الغاشم في فلسطين واجتياح المدن والمؤسسات الفلسطينية وتدمير البنية التحتية لانتفاضة الشعب الفلسطيني الاعزل من السلاح... ووقف العمل المشترك كسيحا خاويا بما لا يمكن القول معه ان ثمة نظاما عربيا مدركا ادراكا مبكرا لطبيعة التهديدات التي يمكن ان تخترقه في اي وقت، فلا يوجد مثلا اي تصور استراتيجي لدى اطراف هذا النظام لشكل وطبيعة التهديدات المختلفة الموجهة لكل دولة عربية على حدة، ناهيك عن تلك التهديدات الموجهة لإجمالي الدول العربية مجتمعة ذلك في الوقت الذي تتسم فيه التحديات والمخاطر التي تواجه الامة العربية بالحدة والتزامن والترابط ورغم التداعيات الدراماتيكية التي تشهدها الامة العربية: حصار فلسطين، سقوط بغداد، تهديد سوريا..فلم تتحرك الارادة السياسية العربية لمواجهة هذه التحديات والمخاطر كما لم يتم الاتفاق حول حجم وتنظيم القوة العربية المسلحة المشتركة (*) اللازمة للدفاع عن الامن القومي العربي او اية دولة تتعرض للعدوان: العراق.. سوريا.. فلسطين.. وهو الامر الذي يمكن القول معه ان ما يقع من تهديدات واختراقات هو مجرد نتاج لافتقار العمل العربي المشترك لمعناه رغم استمرار الحديث عنه. ما اريد ان اقول؟ اردت القول ان نظامنا العربي بنكوصه الذي يلفه من الشرق الى الغرب، ومن الشمال الى الجنوب يعطي انطباعا سياسته الرسمية العقيمة التي كأنها لم تولد من اي تكوين، او من اية مقدّمات الامر الذي يكرّس النكوص ويزيد في اتساع الشرخ ويوحى بالتالي بوجود ازمة عامة يضطرنا طابع الشمول فيها، الى تفكيكها كي لا يخفي عن اعيننا ما في تنوعها من اسباب قد تكون اكثر انباء بما نحن فيه اقول هذا دون وجل او خجل طالما ان السياسات العربية ولأسباب متداخلة تسير ضد المنطق: حيث هناك حالة من التشتت في الامكانات والقدرات وحالة من التخبط والتناقض في المواقف والسياسات، اضافة الى الصراع العلني احيانا والخفي احيانا اخرى بين النظم العربية والقادة العرب، وكذا غياب التكامل بين مختلف خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية... قلت هذا بكل اسف وألم وانا اعتقد بشكل صارم ان هناك محددات اقتصادية وثقافية وسياسية ومجتمعية اخرى كان على الدول العربية ان تراعيها خلال صياغتها لشكل وطبيعة وأسلوب العمل العربي المشترك، ذلك ان هذا العمل ليس مجرّد آلية للنظام العربي فحسب ولكنه تعبير عن درجة الوعي بالهم الاستراتيجي ومدى وحدته او تشتته كما ان الاتفاقيات او المواثيق والقرارات قد لا تعني الكثير دون ارتباطها بالمفهوم الشامل والموحد للنظام العربي، والبعد الاستراتيجي للعمل العربي المشترك، ولنأخذ مثالا على ذلك كيفية معالجة اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول العربية والدول المتقدمة. وايضا مع بعض الدول الاقليمية المدعومة دوليا «اسرائىل» وهنا تبدو الحاجة الجماعية الى الجهود الاضافية لتدبير بدائل مستمرة لعملية التنمية ومواكبة ثورة المعرفة العلمية والتكنولوجية للحاق بركب التقدم العالمي وتفادي تعريض الامن القومي في دوائره المختلفة للخطر... خلاصة القول ان النظام العربي الذي كان يعيش حالة شديدة من الانكشاف الاستراتيجي والاضطراب والتفكك بسبب تراكمات عديدة مختلفة المصادر وجد ذاته بعد 11 سبتمبر في حالة من المناعة الضعيفة في لحظة تاريخية متخمة بالتحديات المتكاثرة ولكنها لحظة مفعمة بالفرص لقيام مشروع نهضوي عربي يعيد صياغة اسس النظام العربي ويعزز موقفه دوليا. وعلى المشروع النهضوي العربي بالمعنى الشامل والمرن لهذا المفهوم ان يتجه بداية نحو الاهتمام بترتيب البيت العربي بشكل مواز ومتزامن مع اتجاهه للتعامل «الجديد» مع الخارج. والمطلوب بداية العمل على تشجيع ثقافة الحوار والمنهج النقدي في الخطاب العربي بغية التخلي عن منطق الترحيل التلقائي للمسؤولية عن مشاكلنا نحو الغير وبغية اسقاط هاجس المؤامرة المستمرة وعقدة الاضطهاد الدائم من طرف الغير لتفسير حركة الأحداث والإنسدادات والتعقيدات التي تتسم بها قضايانا ومشاكلنا... وهنا اختم: ان الوطن العربي في حالته الراهنة، واذا ما استمرت هذه الحالة فسيبقى ولاشك منطقة نفوذ امبريالي وسيظل الكيان الصهيوني المصطنع قائما بفعل واقع العرب ذاته، لان الامر ببساطة ليس منوطا بما تملك من امكانيات وبعدد السكان، بل بانتاج قوة ارادة فاعلة كلية، وانتصار فكرة الانسان الحرّ في ارجاء الوطن العربي.. * محمد المحسن الإدارة الجهوية للتعليم تطاوين * إشارة متعمدة الى معاهدة الدفاع العربي المشترك «المنسية» التي كان من الممكن في حال تطبيقها ان تجنب الأمة ولو جزءا من تداعيات العدوان على العراق..