من الأساطير المنتشرة عند كثير من العرب والمسلمين، وربما عند غيرهم أيضا: أسطورتا التفوّق والمؤامرة الإسرائيليتان. أسطورتان قد لا تطاولهما ذيوعا وانتشارا إلا أسطورة ال CIA التي تقدّم باعتبارها قدرا لا يمكن ردّه. وهي صورة نافقة راجت تجارتها في السينما خاصة منذ أكثر من عقدين من الزمن، وكان من أهم أهدافها ترسيخ الانطباع بأن ال CIA «وحش هائل لا يمكن الوقوف في طريقه» فما بالك بصدّه، وكأنه ذلك القدر الاغريقي الغاشم الذي يترصد فريسته حتى قبل أن تولد، فهو ينسج خيوط مصيرها في زمن سديم، ويظلّ يتتبعها حتى يجهز عليها في اللحظة المناسبة. وبرغم النكسات المتتالية التي منيت بها ال CIA وآخرها اخفاقها منذ أشهر قليلة في العثور على أسلحة الدمار العراقية المزعومة واعترافها بذلك، فإن بريق هذه الأسطورة لم يخفت تماما. فلهذه الأجهزة قدرة فائقة على تحويل الأنظار من قضية إلى أخرى، وعلى تشويق متتبعي أخبارها، كلما تداركها فتور أو إخفاق ما، فإذا هي تفكّ أنشوطتها وتجدّد فاعليتها في إيهام الناس بأسطورة تفوقها. ولعلّ اكتشاف مخبأ الرئيس العراقي، وعرضه في مشهد سينمائي بائس، مما يؤكد أساليب الخداع المتوخاة في السينما عادة، ولكنها أصبحت من السمات الملازمة لمثل هذه الأجهزة. وقد يبدو مثل هذا الصّنيع طبيعيا في عصر كعصرنا، تتكفّل فيه الصورة بصنع الحدث وإذاعته. على أن الأخطر في هذا كله إنما هو تكريس أسطورة التفوق وحالة العطالة الفكرية وثقافة الإذعان والانصياع عند قليل أو كثير من النخب العربية التي صارت تغيّر مواقعها بأسرع مما تغيّر ثيابها الداخلية، أو عند طوائف أخرى تقنع بأسطورة المؤامرة والغزو الثقافي وما إلى ذلك من مظاهر النكوص الفكري عند زخم التحديث أو عن الحداثة من حيث هي نزعة تقبل بالتعددية الثقافية وتعبير عن روح وثّابة تقتحم المجهول، أو عن قلق مستحوذ. ولكنه قلق يرهف الخواطر، ويغضّ أغلاق النفوس حتى تسخو بمدّخر قوّتها. صحيح ان هناك مؤامرة، ولكنها صارت مكشوفة حتى وإن تقنّعت بألف قناع وقناع. فبين ما نراه وما يقولونه، وبين ما يقولونه وما يصمتون عنه ويحلمون به.. هناك تحوك المؤامرة أفوافها.. ولا هي بالهير وغليف المصري ولا هي بالخطّ المسماري! ولكن شتّان بين هذه المؤامرات المكشوفة التي تستهدف ثقافة الإسلام بقدر ما تستهدف ثروات شعوبه وخيراتها، وتلك التي تتسلّل إلى الثقافة بأقلام عربية، وقد تكون من شدّة الخفاء وإيقاع الدّلسة في الكلام، فلا يفطن القارئ إليها ولا إلى براعة بهلوانها وهو يلوي بالكلام ويخالف به عن جهته والمقصود من استعماله. ومثال ذلك الكتاب الذي عرضت إليه في الباب السالف: «مدخل إلى مشروع الدين المقارن» لنبيل فيّاض. فقد أقرّ الكاتب أن الاسرائيليين يساهمون بعمق في إعاقة تطوّر منطقة الشرق الأوسط معرفيا، وذكر ما حصل له عندما أراد الاطلاع على نصوص يهودية قديمة كتبت في الحقبة الممتدة من دخول المسلمين القدس وحتى سقوط الحكم الأموي، فلم يظفر بضالته من المكتبات «اليهودية» في أمريكا وألمانيا، رغم كل الذي بذله أصدقاؤه من ذوي الاختصاص والخبرة في الموضوع، حتى قيّض له اللّه الباحثة «باتريشيا كرونه» من جامعة كامبردج، فأمدتّه بهذه النصوص. وكل هذا كلام لا غبار عليه. ولكن ما أن نتقدّم شوطا في قراءة الكتاب، حتى يلوي الكلام بعضه على بعض. يقول الباحث إن التاريخ اليهودي، مقارنة بغيره من التواريخ، عرف أكبر كمّ من تقاليد الخرافة. وقد استطاع الحاخامون الحفاظ على المجتمع في أعلى درجاته السكونية. وبالتالي الابقاء عليه في حالة تبعية مطلقة لهم. ولكن مع تسرّب الروح العلمية إلى يهود أوروبا، خلال القرون الثلاثة الماضية، «سقطت الخرافة وسقطت معها سلطة الحاخامين مرة وإلى الأبد» حتى ان نسبة المتدينين بين يهود فلسطين صارت تراوح بين 10 و14 كما يقول. ثم نقرأ بعد ذلك فصلا عن «الصخرة المقدسة» في المعتقد اليهودي وما حيك حولها من أساطير مثل وضع التابوت المقدّس عليها، ثم حوض النّار حين دخل قدس الأقداس في يوم الغفران. وكلّ ذلك منقول عن دائرة المعارف اليهودية. وقد أثبت الكاتب من قبل أنها محكومة بروح علمية! ثم يقحم الباحث إشارات إلى سيرة كعب الأحبار وهو يهوديّ أسلم في عهد عمر على الأرجح وينسب إليه أنه هو الذي حدّد لعمر بناء على طلبه (هكذا!) الموضع الذي كان «الهيكل» مبنيا عليه. وهو الموضع الذي تزعم بعض التقاليد اليهودية أن المسيحيين حاولوا اخفاءه عن الفاتحين. ثم يذكر الباحث أن كعب الأحبار حثّ عمر على بناء المسجد (مسجد عمر) شمال الصخرة، بحيث توجه إليها القبلة بدلا من مكة. لكن عمر رفض هذا الاقتراح، معتبرا انه موحى بميول يهودية. يقول الكاتب: «وما لبث عمر أن وبّخ كعبا بقسوة وجعل قبلة المسجد في مقدمة جبل الهيكل أي جنوب الصخرة». ما يلفت الانتباه حقا أن الباحث يورد كلّ هذا، دون أن يكلّف نفسه عناء مناقشة هذه الأساطير.. ناهيك عن ايرادها على علاّتها، وبعضها مشحون بدلالات دينية يهودية مثل «جبل الهيكل» ولكن صاحبنا يوردها وكأنها مسلمات، ولا يحصرها حتى بين أقواس أو أهلّة أو مزدوجات، على ما جرى عليه البحث العلمي. ويبقى بعد كلّ هذا أمر في غاية الخطورة، فالباحث ألزم نفسه في المقدّمة بالفصل بين الوثيقة الدينية والوثيقة التاريخية. ولكننا نقرأ الكتاب فلا نقف على مثل هذا الفصل، رغم إدراك صاحبنا أن كلّ وثيقة دينية ليست وثيقة تاريخية، وأن كلّ وثيقة تاريخية ليست وثيقة دينية. صحيح ان هذا لا يعني استحالة تقاطع الوثيقتين. ولكنّ السؤال هو: كيف؟ ولم!؟ وهذا ما أغفله نبيل فيّاض أو تغافل عنه، ببراعة بهلوان. على أننا طوّفنا بهذا الكتاب، حتى رضينا من الغنيمة بالاياب.