من الكتب التي حملتها معي من سوريا الصّيف الماضي كتاب نبيل فيّاض «مدخل إلى مشروع الدّين المقارن». وقد تعرّفت إلى الكاتب، وهو شخصية مثيرة للجدل، وجلست إليه طويلا في صيدليته بمدينة النّاصريّة القريبة من دمشق. وأمّا الكتاب المذكور فلم أتمكّن من قراءته قراءة متأنّية إلاّ هذه الأيّام. تذكّرته وأنا أتابع مثل كثيرين مفردات هذه الأحداث المتعاقبة في عالم اليوم، ومنها «اتفاقية جينيف» شبه الرسمية (وهو الوصف الأدقّ على ما يبدو) بين الفلسطينيين والاسرائيليين. والحقّ ليس ثمّة أيّة علاقة بين كتاب نبيل فيّاض والقضيّة الفلسطينية. فالكتاب يعالج جملة من المسائل الحضارية الشائكة، بمصطلحات ومفاهيم غير مأنوسة إلاّ عند أهل الذّكر من ذوي الاختصاص في مثل هذه المسائل. ومع ذلك قدح الكتاب في ذهني هذه العلاقة، فهو يعرض في بعض فصوله الى الأساطير اليهودية التي حيكت حول القدس، بل حول التاريخ العربي الإسلامي. بل حول شخصية من أبرز شخصياته هي شخصية الخليفة عمر بن الخطّاب الذي تميّز عهده بالفتوحات العظيمة التي امتدّت شرقا وغربا وشمالا، وقراءة هذه الأساطير وهي مصدر من مصادر المعرفة لاغنى عنه للباحث مما يسلّط الضوء أو بعضه على هذا «الحلّ النهائي» الذي انتهى إليه واضعو اتفاقية جينيف، وبخاصة ما يتعلق منها بمسألة القدس. الكتاب هو كما ألمحت بحث حضاري «علميّ» يقوم على معرفة صاحبه العميقة باليهودية دينا وتراثا ولغة، فضلا عن معرفته بلغات أخرى مثل الانقليزية والألمانية. وربّما اعترض بعضنا على تراكيب فيه غير قليلة ممّا لا تسوّغه العربية. ولعلّها من أثر هذه اللغات أو من أثر الترجمة. ولكنّ ذلك لا يقلّل في شيء من موضوعيته «الجافّة» التي تزعج لا شكّ المسلم الأصولي مثلما يمكن أن تزعج اليهودي الأصولي الذي يتقيّد بالأساطير ويقطع بها على أنّها حقائق تاريخية. في هذا السياق يميّز الباحث بين الاسرائيلي الأصولي والإسرائيلي العالم والعبارة له ليخلص إلى أنّ علماء اليهود يحاولون أن يضفوا صبغة علمية على أغلب وجوه الحياة في الدولة العبرية. من ذلك أنهم لا يقرّون بحقائق تاريخية في سفر التكوين. إذ كيف بإمكانهم إثبات قصّة الخلق مثلا، وهي موجودة بشكل أو بآخر، في ميثولوجيا شعوب «الهلال الخصيب» الذين يعتبرهم اليهود قبل غيرهم «وثنيّين»؟ وكيف لهم أن يؤكدوا أصالة قصّة الطّوفان بعد أن كشفت مصادرها في الميثولوجيا ما قبل التوراتية، مثل ملحمة كلكامش العراقية؟ وهل لهم بالنّسبة الى النبي إبراهيم سوى أن يعترفوا بأنّ النصّ الخاص به في سفر التّكوين، حافل بشتّى التناقضات، وقد بيّنت الوثائق استحالة حدوث القصّة تاريخيا كما وردت في «التّكوين»؟ بل إنّ شخصية النّبي موسى كانت موضوع سجال بينهم، فقد ذهب فرويد في كتابه «موسى والتّوحيد» إلى أن النبي شخصية مصرية تنتمي إلى البلاط الملكي في بلاد النّيل. ووظّف مارتن بوبر ثقافته الموسوعية، ليستنتج أن موسى أسْطَرَةُ تاريخ وليس تاريخ أسطورة. ولكنه لم يستطع أن يحدّد أين تنتهي الأسطورة وأين يبدأ التاريخ. على أنّ المثير حقا في هذا الكتاب هو إشارات صاحبه الى نصوص تاريخية يهودية قديمة، كُتبت في الحقبة الممتدّة من دخول المسلمين القدس وحتى سقوط الدولة الأموية. وهي نصوص وظّفتها الموسوعة اليهودية الحديثة (النسخة الانقليزية) . وقد أوردها نبيل فيّاض كما هي، ولم أفهم لماذا تحاشى التعليق عليها ولم يقارنها بالنصوص العربية التي دوّنت خلال الحقبة ذاتها. من هذه النصوص اليهودية أقتصر على صورة الخليفة عمر بن الخطّاب كماترسمها الموسوعة اليهودية المشار إليها سلفا. وهي صورة «إيجابية» غير عادية تثير أكثر من سؤال. تقول هذه الموسوعة : «عمر ابن الخطّاب هو الخليفة الثاني (634م 644م)الذي فتح فلسطين وسوريا والعراق وفارس ومصر. نظّم عمر الامبراطورية الاسلامية، ووضع للفاتحين الأحكام التي تؤكد مكانتهم الخاصّة (رغم ضآلتهم العددية)، وجعل التقويم على أساس الهجرة، وأرسى أسس النّظام التشريعي، فاعتمدت الأعراف التي أدخلها على الشكلين البيزنطي والفارسي. وباعتباره رجلا بسيط الفهم والسلوك، تبنّى موقفا إنسانيا من غير المسلمين، فاستحقّ لقب الفاروق (الذي يستطيع أن يفرّق بين الحقّ والباطل ). وحسب أحد التقاليد، فإنّ اليهود هم الذين أطلقوا عليه هذا الإسم. وتقول المصادر اليهودية إنّ عمر زوّج ابنة ملك الفرس من بستاني وعيّنه في مركز جالوت (رئيس يهود السّبي). ويُقال ان كعب الأحبار وهو يهودي تحوّل إلى الاسلام، وكان ضمن حاشية عمر حين فتح القدس، دلّ الخليفة على مكان الصّخرة «إيفن شتياه» (حجر زاوية العالم) على جبل الهيكل، فأمر بتنظيف الصّخرة، واستخدم المكان موضعا للصّلاة حتّى زمن عبد الملك. وهذا، بدوره بنى قبّة الصّخرة (التي صارت تعرف شعبيا باسم مسجد عمر) في هذا المكان. وتقول بعض المصادر العربية والمسيحية إن أحد شروط المسيحيين سكّان القدس للإستسلام لعمر، كان تحريم إقامة اليهود في القدس. لكنّ موثوقية هذه المصادر تبدو مشكوكا فيها، لأن اليهود عاشوا في القدس زمن العرب. فقد سمح عمر لليهود بإعادة بناءحضورهم في القدس بعد حقبة 500 سنة. ويبدو أنّه خصّص لهم موضعا للصّلاة على جبل الهيكل (الذي طردوا منه في وقت لاحق). ويعتبر التّقليد اليهودي عمر حاكما خيّرا، ويسمّيه أحد المدراشيم صديق إسرائيل. يقول الطّبري إنّ حكيما يهوديّا أخبر عمر أن قدره أن يصبح حاكم الأرض المقدّسة. وُصف عمر بأنه صاحب شرائع تمييز ضدّ الأقلّيات في أراضي المسلمين، لكنّ هذا الزّعم لا يستند إلى أسس علميّة». هذا النصّ، في تقديري، نصّ ماكر، فهو يرسم صورة مشرقة للخليفة عمر، ويورد إشارات بعضها ثابت تاريخيّا، وبعضها قلق غير متمكّن تدفع صبغة الحدس والتّخمين الغالبة عليه من خلال عبارات مثل «يُقَال» ويبدو» لا إلى الاحتراز منه فحسب، وإنّما إلى حمله على غير ظاهره. والذين يعرفون «التّداوليّة» أو لهم إلمام بها، يدركون بشيء من اليسر، وربّما دون عَنَت يذكر، أنْ لا هدف من هذا النّصّ سوى ادّعاء حقّ تاريخيّ في القدس حتّى لو اقتضى ذلك تمجيد خليفة مسلم وهو جدير حقّا بهذا التمجيد ولكن شتّان بين تسجيل صورة وتوظيف صورة. وما لا يقوله هذا النّصّ أو يقوله مواربة هو الأهمّ : فإذا كان الخليفة عمر «قد سمح لليهود بإعادة حضورهم في القدس.. وخصّص لهم موضعا للصّلاة على جبل الهيكل» فلماذا يضنّ عليهم عرب اليوم بهذا «الحقّ» الذي سنّه أحد أعظم خلفائهم؟! ولا ننسى أن النصّ السالف يستشهد ب «المدراشيم» (جمع مدراش في اليهودية، مشتقّ من «درش» بمعنى «بحث» أو «درس») وهي نصوص تفسّر الكتاب المقدّس، على أساس أنّ له باطنا قابلا أبدا للإستخدام في أيّ ظرف متبدّل. مرّة أخرى أتساءل لماذا يورد نبيل فيّاض نصوصا كهذه دون أن ينفذ إلى بنيتها العميقة، ودون أن يفترض عليها ما ينبغي افتراضه. ولناعودة إلى الكتاب وعودة عليه.. فقد يَتَزَيَّا بالهوى غير أهله.. وقد..