هل يعقل بعد حوالي نصف قرن من الاستقلال ان تكون المكتبة الوطنية، قسم الدوريات، وهي الوحيدة بالبلاد، غير قادرة على استقبال روادها من الباحثين والاساتذة الجامعيين. انني اتكلم، بمرارة ، من موقع الشاهد والمعاين فأقول بأن ظروف البحث بقاعة المطالعة سيئة للغاية بالرغم من ان هذه المؤسسة لا تعمل الا حصة واحدة في اليوم، من الثامنة صباحا الى الثانية بعد الزوال، فأجهزة التبريد والتكييف تكاد تكون معطلة كامل السنة، والبناية شديدة البرودة على عكس البناءات الادارية الاخرى. فعندما تدخل الى قاعة المطالعة في الشتاء يجب ان تكون حاملا لأغطية صوفية مكثفة جدا ويجب عليك ان تقطع حصة المطالعة كل ساعة وتمشي مدة الزمن حتى لا يتجمد الدم في عروقك ثم تعود الى مقعدك. اما في فصل الصيف فحدّث ولا حرج اذ يمنعك العرق المسترسل والحرارة الشديدة داخل قاعة المطالعة من مواصلة البحث بشكل طبيعي. والغريب في الامر ان مكاتب المسؤولين بهذه الدار مجهزة بأجهزة التبريد والتكييف وبالتالي فاعتقد وللأسف، انهم لا يحسون بمعاناتنا نحن الباحثين والواردين على هذه المكتبة من كل الجنسيات والأعمار والدرجات العلمية وبالأمس القريب خاطبني فرنسيان باستياء قائلين: هذا لا يليق بمكانة تونس المعروفة بتشجيعها على البحث العلمي. كما اذكر طُرفة اخرى وهي ان باحثا امريكيا مصابا بالروماتيزم لم يتمكن من قضاء اكثر من ساعة بقاعة المطالعة واستغرب كيف يتمكن الانسان من البقاء ساعات بهذه المكتبة اللهم الا اذا كان مع موعد مسبق مع الطبيب اما زملائي من الباحثين والاساتذة الجامعيين التونسيين فإن البعض منهم اصبح لا يأتي الا لتصوير بعض الوثائق لمدة قصيرة خوفا من عواقب البقاء طويلا بهذه القاعة (تخيلوا لو كانت هذه القاعة تشتغل كامل اليوم!). ان الخلل في اجهزة التكييف والتبريد في هذه البناية مزمن، وان الاصلاحات التي وقعت سابقا ومرارا تحتاج الى تدقيق نظرا لما يقال حولها من اقاويل. لكن المهم والملح والمستعجل هو ان تعود هذه الاجهزة للاشتغال على قاعدة سليمة حفاظا على مصداقية مكتبتنا الوحيدة بالبلاد، وعلى اشعاع تونس الثقافي. * علية العلاني (استاذ بكلية الآداب منوبة)