زرت قبل يومين مكتبة جهوية في ضواحي العاصمة مصنفة كمكتبة نموذجية فيها آلاف الكتب والدوريات وتتوسط فضاء جميلا يمكن استغلاله في أنشطة ثقافية موازية في الهواء الطلق، هذه المكتبة التي تكلفت على المجموعة الوطنية بالملايين تفتقر الى شيء أساسي وهو «مكيفات الهواء» ففي غياب مكيفات الهواء خاصة في الصيف التونسي القائض يصبح البقاء في هذه المكتبة ليس فسحة جميلة من الكتاب بل عقوبة قاسية! وفي الحقيقة ليس رواد المكتبة هم المعاقبون فقط بل حتى الإطارات العاملون الذين يجدون أنفسهم في ما يشبه كثيرا عوالم الالماني بيكيت في انتظار اللاشيء مثل مسرحية «في انتظار غودو» فهم مجبرون على البقاء في المكتبة طيلة الوقت الاداري في حين لا يوجد رواد بسبب الحرارة القائضة.
هذه الحالة السريالية ليست خاصة بمكتبة واحدة بل تنسحب على كل المكتبات العمومية تقريبا التي تفتقر لأجهزة التبريد وهو ما يؤثر على أدائها في الوقت الذي من المفروض ان يكون الإقبال خلال فصل الصيف أكبر باعتبار العطلة المدرسية والجامعية التي يتاح فيها للطلبة وللتلاميذ ولرجال التعليم وهم النسبة الأهم من رواد المكتبات وقت كاف للمطالعة والتردد على المكتبة والأخطر في غياب المكيفات في المكتبات العمومية هو غياب مكيفات للوحدات الرقمية التي تم انجازها بالمليارات إذ أن هذه الوحدات تحتاج الى مكيفات خلال الصيف حتى لا تضيع ما تحويه من معطيات.
هذه المعضلة التي تكشف عن ثغرة حقيقية في السياسة الثقافية السابقة التي لم تكن تولي أهمية للتفاصيل ولمسألة الصيانة ليست خاصة بالمكتبات بل تشمل دور الثقافة فأي جدوى مثلا لدار ثقافة في مدينة في الجنوب تكلفت على الدولة بمليار قبل عشرين عاما لا تتوفّر فيها مكيفات وكيف يمكن ان تستقبل عروضا في مدن في الجنوب الغربي مثلا الذي تتجاوز فيه الحرارة الأربعين درجة في الظل؟
وليست دور الثقافة في الجهات فقط التي لا يتوفر فيها تكييف بل حتى دار الثقافة ابن خلدون في قلب العاصمة محرومة من التكييف مما حرم المسرحيين من استغلال مسرح الجيب مثلا الذي يمكن توظيفه في عروض ليلية خلال شهر رمضان وعلى مدى السنة لكنه في وضعه الحالي غير صالح للاستعمال. إن وزارة الثقافة التي ورثت بنية أساسية محترمة عليها ان تهتم أولا بهذه التفاصيل وتصوغ برنامجا للصيانة والتكييف في إطار مناقصة وطنية يمكن ان تموّل حتى من بعض الجهات الدولية المهتمة بالثقافة فالوضع الحالي لدور الثقافة والمكتبات العمومية يحتاج الى معالجة سريعة ويمكن انجاز برنامج وطني لتهيئة دور الثقافة والمكتبات على مدى خمس سنوات مثلا! أعتقد ان هذا من الأولويات التي لا يمكن تأجيلها لأن دور الثقافة والمكتبات بوضعها الحالي غير قابلة للاستغلال طيلة خمسة أشهر على الأقل من ماي الى سبتمبر!