لا أعرف من هو اللاّتيني الذي أطلق العبارة المأثورة «الترجمة خيانة» لابدّ أّنه شخص ذكيّ جدا... خائن بامتياز أي «خائنة» (باستعمال التّاء للمبالغة على نحو ما نستعملها في «اوية» للكثير الرّواية)، ولكنه صنع بهذه العبارة مشجبا يعلّق عليه الخونة من المترجمين ملابسهم الداخلية أعني خياناتهم! «الترجمة خيانة»... وفي ترجمة هذه لعبارة خيانة وقحة، لأنها في أصلها اللاّتيني عبارة موقّعة، يشدّ قامتها سجع، ويجري في دمها جناس. *** لا يعرف الترجمة الا الذين كابدوها ودفعوا الى مضايقها... حيث عليهم ان يصبروا على الكلمة أو الجملة حتى تختمر، ليحوّلوها الى عجينة لدنة سوداء أو زرقاء، بحسب الحبر المفضّل لديهم... فثمّة كلمات تمشي في نصها الأصلي أعني في رحمها بشكل آلي.... وكلمات تصدر أصواتا رتيبة مثل مشية جندي أمريكي في ثكنة مسيّجة في بغداد أو الموصل... وكلمات تطقطق مثل حوافر الدواب... أو مثل الاسرّة العتيقة... تلك التي كان يقتنيها آباؤنا من سوق الخردة... لتسقط عمدانها في الليل ونحن في عزّ الحلم... وكلمات تنكمش كالأرانب... وعليك ان تكون صيادا ماهرا حتّى تدفعها الى الخروج من جحرها... ويا ويحك إذا أخطأت المرمى... فقد تتلاوى عليك كما تتلاوى الثعابين على بعضها البعض... وكلمات تتدحرج مثل كرة «البولينج»... وكلمات لابد أن تضغط عليها حتى يطفر الحبر منها... ولكنها قد تتورم قليلا... وتقضّي الليل كله وأنت تبحث لها عن مرهم في صيدلية ابن منظور لتطلي به جرحها... وقد يكشّ ابن منظور في وجهك... لانك نغّصت عليه نومته الأبدية... ثم تتذكر أنهم اقتلعوا لسانه بالملقط وقدّموه للكلاب... فهو منذ تلك اللحظة مصاب بالحبسة مثل حكام العرب عاجز عن الكلام... ثم تجلس الى مكتبك ثانية، وقد طويت «لسان العرب»... تقوّم جملة محدودبة... وتشدّ قامة أخرى تكاد تنكفئ... أو تخلع عن استعارة نظّارتها البلاغية السميكة... أو تحرر كناية من أسر المتنبي... حتى اذا استوى لك النص... ضحكت وأنت تعتذر لنفسك ذلك الاعتذار اللائق: «ولكن الترجمة خينة»... ثم تندسّ في فراشك... ولا تكاد تغمض عينيك حتى تطل عليك الكلمات بعيون اوسع من الرعب في عيني طفل فلسطيني او عراقي... الكلمات التي لا تستطيع أن تشير الى الأرحام التي أسقطتها. *** الترجمة ولادة قيصرية... رجل وامرأة ينام كل منهما في سريره، وهو يحلم بالآخر... ومع ذلك ينجبان ولدا خائنا... وقد يكبر الولد ويدرج... ولكن بلسان مزدوج مشقوق كلسان الحية... بسبب الغواية الأولى عندما زيّنت لآدم وحوّاء أن يذوقا الثمرة المحرّمة... وقد يقضي الولد وقد كبر شبابه متسكعا في لندن أو نيويورك... حتى اذا اندلعت الحرب المقدسة على الارهاب... طار الى بلده العراق... فقد قيّض له الصقر الامريكي رزقا يقتات منه... هو يدرك لا شكّ ان الترجمة خيانة... وأن كل المترجمين متورطون في الخيانة، فهي الشيء الوحيد المشترك بينهم... ولكن لا أحد منهم جال بخلده يوما أنّ الترجمة يمكن أن تقتل... أو أن تكشّ في وجهه كما تكشّ الحيّة وتخرج لسانها المشقوق كما لو أنها تذكّر الانسان بالغواية الأولى... *** كتب الشاعر الأنجليزي «درايدن» في مقدمة ترجمته لملحمة فيرجيل واصفا عمل المترجمين: «نظلّ عبيدا نعمل في حقل انسان آخر، نزرع العنب، ولكن النّبيذ لصاحب الأرض»... ذلك أنّ الترجمة خيانة... ولكنها في عراق اليوم أصبحت على ما يبدو خيانة مضاعفة... نوعا من «أكل لحوم البشر» بحسب الطقوس البدائية الغابرة حيث يرى الآكل أنه يمتصّ ما في الميّت من قوّة وحيوية، ويلفظ ما لا يصلح له... ثم يكتشف أن الآكل مأكول... وأنّ للترجمة ضحاياها، مثلما للحرب ضحاياها... *** الترجمة حصان طراودة الخشبي يلفظ ما في جوفه من كلمات مدجّجة بالسلاح... ولكن في ركن ما من أحشاء الحصان تبقى كلمة تقاوم كل ترجمة: «عراق ليس سوى عراق»... ورحم الله بدر شاكر السياب... وحمى شعره العظيم من كلّ ترجمة!