النائب محمد علي: حملات التجييش لن تثني النواب عن دورهم    النجم الساحلي - محمد مفتاح يخلف نورالدين حفيظ في تدريب فريق الكرة الطائرة    بين طبرقة وعين دراهم: حجز كمية كبيرة من أقراص أدوية للأمراض المزمنة وإيقاف مهرب    سوق الأضاحي: نقص في العرض وأسعار فوق المليون !    بطولة الرابطة الاولى : تعيينات حكام مباريات الجولة 27    معلومة غير سارة لمن يملك ايفون 17!    هام: الجمارك الليبية تتحرك...إيقاف امرأتين في قضية تهريب أقراص مخدرة باتجاه تونس    الإمارات تنسحب من "أوبك" و"أوبك+"    الرابطة الأولى: بشرى سارة لجماهير النادي الإفريقي في الدربي    تونس تُدين الهجمات المسلحة في مالي وتُعبّر عن تضامنها الكامل    قسم الدواوين والمنشآت يدعو الى مراجعة عميقة ل5 مشاريع قوانين تتعلق بلزمات الطاقات المتجددة وفتح نقاش وطني حولها    تسجيل أطفال سنة أولى: شنوّا تعمل إذا ما تحصّلتش على المدرسة الّي تحبّ عليها؟    42% من المؤجرين لا يصرّحون بالأجور في تونس    نسبة الضرر في حوادث وأمراض الشغل: كيفاش تتحسب التعويضات في تونس؟    لقاءات فكرية وعروض فنية في انتظار رواد معرض تونس الدولي للكتاب يوم الاربعاء 29 أفريل 2026    البنك الإفريقي للتنمية يطلق برنامجا لدعم إنتاج الهيدروجين الأخضر في إفريقيا    مرصد الإقتصاد يحذّر من 'مخاطر' مرتبطة بمشاريع امتيازات الطاقة المتجددة    وكالة احياء التراث والتنمية تنظم تظاهرة " يوم أوذنة للدراجات" يوم غرة ماي 2026 بالموقع الاثري بأوذنة "    مباراة مستقبل سليمان والنادي الإفريقي في الكاف    ألاء الصغير تصنع الحدث وتمنح تونس الذهب    سيدي بوزيد: 45 طفلاً منتفعا ببرنامج دمج الأطفال المصابين بطيف التوحد خلال السنة التربوية الحالية    تأجيل النظر في قضية "الجهاز السري"    بحضور 106 نواب..انطلاق جلسة النظر في اتفاقيات لزمات انتاج الكهرباء    الحماية المدنية : 602 تدخلات خلال الأربع وعشرين ساعة الفارطة    خبير قانوني يكشف: هذه العقوبات التي قد تواجه حسام السيلاوي    شباب تونس يكتبون المجد في البطولة العربية لألعاب القوى للشباب    مشروع قانون جديد للطاقة المتجددة يثير الجدل في تونس : ما معنى ''نظام اللزمات''؟    انطلاق تسجيل مواليد 2020 للسنة أولى: وهذه شروط تسجيل مواليد ال3 أشهر الأولى من 2021    متابعة/ جريمة تطاوين الغامضة: وكيل الجمهورية يفجرها ويكشف..#خبر_عاجل    فاجعة تهز هذه الجهة: مقتل فتاة واصابة والدتها في "جريمة غامضة" تمتد خيوطها إلى سوسة..#خبر_عاجل    "أوكتافيا، كوشاك، وفابيا".. أيقونات سكودا العالمية في قلب قابس بمركز "MTS" الجديد لشركة النقل..    كلب في الشارع ينجم يهدّد حياتك وحياة عايلتك... انتبه!    أعراض السكري: علامات تظهر عند الاستيقاظ صباحًا    دراسات جديدة تكشف أن هذا النبات قد يخفض الtension خلال أسابيع    الجمعية التونسية لأمراض وجراحة القلب تُعلن قرب إطلاق السجل الوطني للداء النشواني القلبي    تأجيل محاكمة المتهمين في ملف "الجهاز السري" إلى موعد لاحق    تسريبات حول مقترح إيران لوقف الحرب.. ترامب يحسم موقفه..    ''نجدة'' تُنقذ التوانسة...اليوم الجلطة ماعادش تستنّى    صادم: عائلة هذا الفنان العربي المشهور تتبرأ منه بعد فيديو مسيء للدين    لطفي بوشناق يلجأ إلى القضاء على خلفية "حملة تشويه" استهدفته... و الأستاذ أحمد بن حسانة يكشف التفاصيل    إندونيسيا: قتلى وجرحى في حادث اصطدام قطارين    الترجي الرياضي التونسي يسحب ثقته من لجنة التعيينات    شنّوة القنوات الناقلة لمباراة باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2025-2026؟ وكيفاش تتفرّج فيها عبر الإنترنت؟    رفضا لمشاريع اللزمات: جامعة الكهرباء تدعو النقابيين للمشاركة في الاحتجاج أمام البرلمان    طقس اليوم: تقلبات جوية بعد الظهر    مناوشة بين القوبنطيني ومكرم اللقام بسبب "ولد اختو" الحكم فرج عبد اللاوي    مقترح إيراني جديد على طاولة ترامب    بينهم مصريون وسودانيون.. مصرع 38 مهاجرا قبالة سواحل ليبيا    النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تنظم يومي 1 و2 ماي بالعاصمة المنتدى الثامن للصيدلة والمنتدى السابع للصحة الرقمية    افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن... على درب الالتزام والانفتاح    لطفي بوشناق للشروق: "لا تُرمى بالحجارة إلا الشجرة المثمرة"    الدورة 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم غد الثلاثاء    عاجل: معروضات ممنوعة في معرض تونس الدولي للكتاب    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    أولا وأخيرا .. «اسمع وفلّت»    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحاليل الشروق : هل «النهضة» قادرة على إعادة إنتاج منظومة الحزب الواحد؟
نشر في الشروق يوم 11 - 05 - 2012

هناك من المؤشرات ما دفع بالعديد من المتابعين لنشاط حركة النهضة في السلطة وضمن فضاءات وأطر الحياة السياسيّة للتخوّف من إعادة انتاج نفس المنظومة السياسيّة الّتي حكمت تونس لأكثر من 50 سنة والتي كان عنوانها هيمنة الحزب الحاكم على مختلف مفاصل الدولة والمشهد السياسي.

البعض من العقلاء السياسيين، والمختصّين كذلك، يتساءل عن المصلحة الّتي ستكسبُها حركة النهضة من وراء تمشّ مماثل يُكرّس عقلية الانفراد بالسلطة والقرار الوطني وتهميش الخصوم السياسيين وينتهي بفشل المسار والخيبة السياسيّة على غرار ما حدث لحزب التجمّع المنحل وغيره من الأحزاب الّتي انفردت بالحكم في العديد من دول العالم ، ولئن اتّضح من خلال عدّة تصريحات لقيادات «النهضة» ما يؤكّد رفض ذلك التوجّه والانصراف رأسا لبناء تجربة سياسيّة تعددية قوامها الديمقراطية ومدنية الدولة ومؤسساتها ورفض تداخل الهياكل الحزبيّة مع هياكل الدولة ويضرب أولئك مثلا في نجاح تجربة «الترويكا» الحاكمة في توليف مزيج سياسي متنوّع يجمع بين الإسلامي(النهضة) والاشتراكي (التكتّل) والعلماني الحداثي (المؤتمر) ، لئن اتّضح ذلك فإنّ تصريحات أخرى من قياديين آخرين في النهضة بل وحتى بعض الممارسات تُوجد فعلا نوعا من التخوّف من إمكانيّة فرض واقع سياسي جديد يذهب بتونس نحو استنبات نظام جديد برأس واحدة سواء تحت غطاء النظام السياسي البرلماني أو نظام إسلامي مهيمن.

ومع الإقرار بأنّ لا مصلحة ل«النهضة»- أو أيّ حزب آخر في إعادة صياغة نظام سياسي بحزب واحد مهيمن لأنّ الخسارة مؤكّدة في مثل كذا توجّه يحرم البلاد من حالة التنوّع السياسي والثراء ، بل إنّه ربّما يكون من باب «الغباء السياسي» أن يسير حزب مّا في أجندة لتأبيد وضع هيمنة بقدر ما يُفقد الحياة السياسيّة طعمها فإنّه يؤدّي في النهاية إلى تآكل البُنى الحزبيّة والهياكل والنظريات والمرجعيات لأنّ غياب المنافس مدعاة لا فقط للانفراد بالرأي والقرار بل أيضا سبب مؤكّد للخمول والركود وغياب القدرة على مواصلة التجدّد والتغيّر، لقد عمل الحزب الدستوري ومن بعده حزب التجمّع لأكثر من 50 عاما هيمن وتسلّطا وانفردا وفعلا ما شاءا وفي الختام انتهيا إلى «لا شيء».

السؤال المهم في طرح مثل هذه الإشكاليّة في اعتقادي هل بإمكان حركة النهضة أو غيرها من القوى امتلاك القدرة على إعادة إنتاج منظومة الحزب الواحد؟ الجواب قد يكون صعبا وغير يسير، فإذا سلّمنا بفرضيّة توق «النهضة» وأنصارها إلى الهيمنة والتي تبقى حاليا في باب قراءة النوايا، فإنّ معطيات عديدة لن تُسهّل على «النهضة» وأنصارها بلوغ ذلك «الحلم»، فليس فقط طبيعة التحوّل الّذي حدث في تونس والّذي يتّجه فعلا ليكون «ثورة شعبيّة» ضدّ منطق الهيمنة والتهميش والإقصاء، فمن هذه الزاوية فإنّ «الثورة» لن تُنتج واقعا ثارت من أجل تغييره وتبديله وقلب معادلته بعد أن أبرز عجزه وعدم قدرته على تحقيق الاستمراريّة وبعد أن تآكلت مختلف زواياه وأركانه وتشتّت مكوناته.

ليس فقط منطق الثورة بل أيضا هناك مسائل أخرى ، منها أنّ مصير شتات المعارضة ( وبالأخص منه الكتلة الدستوريّة) سيسير حتما إلى التوحّد وتصعيد «قوّة بديلة» عن السلطة القائمة اليوم وحزبها الأغلبي أي حركة النهضة، وربّما في هذا الباب سيكون من باب التعامل البرغماتي أن لا تُعطّل «النهضة» بروز قطب معارض قوي ومهيكل وأن يتعفّف قياديوها وأنصارها عن النبش في تركة الماضي ومنطق تصفية الحسابات مع خصوم الأمس والنظر إلى المستقبل أكثر من الالتفات إلى الماضي.
نعم، في الماضي هناك رداءة وهناك سلبيّات عديدة، هناك جرائم وهناك ضحايا وخسائر وإضاعة للكثير من الوقت، لكنّه من الغبن السياسي أن يُنظر إلى ذلك الماضي على أنّه كتاب أسود مظلم عدمي مليء بالنتوءات والسلبيات لا غير.

ومن تلك المسائل أيضا ما هو ناجم عن اقتران الوضع المحلي بوضع إقليمي ودولي مفتوح ومتشابه يرنو إلى تعزيز أركان الحريّة والديمقراطيّة والكرامة، وضع خبر أنّ «الهيمنة» السياسيّة باب إلى الخراب المادي والاقتصادي والفكري والحضاري أيضا ، إذا لم تكن أنظمة الهيمنة في المنطقة العربيّة هي المُنتجة للتطرّف والإرهاب؟ ألم تكن تلك الأنظمة «الفاسدة» هي الّتي تقف خلف فشل المنظومة التنمويّة وجرّت وراءها الآلاف من جحافل المهاجرين غير الشرعيين من دول الجنوب إلى الضفّة الشماليّة للمتوسّط؟.

ونظريا، قليلة هي تجارب الانتقال الديمقراطي الّتي لم يحدث في طور تشكّلها تعايش بين النظامين السياسيين القديمين، وفي صورة الحال نظام أوّل أو قوّة سياسيّة تقودها النهضة ونظام ثان أو قوّة سياسيّة موازية من الرحم النقي للتجربة السياسيّة السابقة أي «الكتلة الدستوريّة» المدعوة إلى إجراء عملية فرز داخلها وتحقيق النقد الذاتي المناسب والقابل بجديّة لطبيعة المرحلة الّتي أفرزت صعود خصمها السابق إلى سدّة الحكم.

فهواجس «الهيمنة» ومحاذيرها تتجاوز أفق حركة النهضة إلى أفق تاريخي ، يستحضر التجربة السياسيّة التونسيّة، وإلى أفق إقليمي ودولي أضحى اليوم أكثر تشابكا وترابطا دفاعا عن الحريّة والشفافيّة والتنمية العادلة ، وإلى أفق إنساني يرى «الإسلام» شأنا عاما لكلّ البشر ويتطلّع منه ممارسة سياسيّة مدنيّة وحضاريّة لا تقتل الاختلاف والتنوّع وترفض الإرهاب والتطرّف وسفك الدماء ونشر الأحقاد باسم الدين والتديّن.

وفي المحصلة ، فإنّه وعلى افتراض أنّ «النهضة» قد انخرطت بعد في سياق لإنتاج منظومة حزب واحد مهيمن فهي لن تمتلك القدرة على تجسيد ذلك على أرض الواقع فالموانع كثيرة ومتعدّدة ، وكلّ هذه الموانع واقعيّة وموضوعيّة ولا يُمكن لأحد تخطّيها لا أخلاقيّا ولا سياسيّا، إذ أنّ انتاج «منظومة هيمنة وفساد جديدة» هي في المحصلة غباء للواقفين خلفه وهي أيضا غباء للثورة وغباء للشعب كذلك، والشعب التونسي لم يكن يوما غبيّا ونحسبُ أيضا أنّه لا «النهضة» غبيّة ولا «الثورة» أيضا غبيّة».
إنّ القول برغبة طرف سياسي في «الهيمنة» في واقع الحال هو قول عقيم فيه الكثير من الاستخفاف بتضحيات التونسيين لعقود طويلة من أجل بناء سياسي ديمقراطي تعددي عادل وشفّاف للكل فيه حظ دون إقصاء أو تمييز.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.