شكّل بعث المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الألكسو للجائزة العربية الكبرى للتراث حدثا ثقافيا بارزا نهاية الأسبوع الماضي، وقد كان هذا الحدث محور الحديث مع الدكتور محمد العزيز بن عاشور. أشرف الدكتور محمد العزيز بن عاشور رفقة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة والتراث والفنون في قطر على منح الجائزة العربية الكبرى في التراث . «الشروق» التقت على هامش هذا الحدث الدكتور محمد العزيز أبن عاشور في هذا الحضور حول الجائزة ومأساة تهويد القدس في ذكرى الاغتصاب الاسرائيلي .
بعث الجائزة العربية الكبرى للتراث وتأسيس إدارة قارّة للتراث في المنظمة إنجازان كنتم وراء احداثهما .لماذا هذه الجائزة ولماذا إدارة التراث ؟
الاهتمام بالتراث نتيجة وعي بأهميته باعتبار اختصاصي أوّلا فأنا قبل أن أتولّى حقيبة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث كنت مدير بحوث في الأثار والتاريخ برتبة أستاذ جامعي في المعهد الوطني للتراث وكنت أشرفت في إطار البحوث الأكاديمية على صيانة مواقع من بينها موقع سيدي بوسعيد وكنت أوّل تونسي تحصّل على جائزة الأغاخان الكبرى للعمارة الإسلامية تتويجا لما قمت به والحمدلله من صيانة لمدينة سيدي بوسعيد التاريخية ولما قمت به في كامل أنحاء الجمهورية عندما كنت وزيرا .
بالنسبة للألكسو الأهتمام بالتراث يندرج في هذا السياق وهو الوعي بأن التراث عمود فقري للذات وفي الوقت نفسه التراث يمكّن أصحاب القرار والمجتمعات العربية عموما من الدّخول في الحداثة لماذا ؟لأنّ التراث هو الوحيد القادر على إعطاء صورة حيّة على الماضي وعلى التاريخ وإعطاء صورة موضوعية على ماضينا العربي وهو ماض يتصّف بالتنوّع ويتّصف بالتعايش بين الحضارات ويتّصف بتراكم التأثيرات والأشكال التراثية والمعمارية والعمرانية والزخرفية وكل ذلك في ظلّ الحضارة العربية الإسلامية التي اتّصفت لوحدها بظاهرة حضارية رائعة هي القدرة على تحقيق التعايش بين الحضارات والمعتقدات والأديان والثقافات .
هذه قيمة أساسية في الحضارة العربية الإسلامية وتجسّدت بالخصوص في مدينة القدس التي تحمل قيم التعايش بين الأديان السماوية الثلاثة حسب الترتيب الكرونولوجي اليهودية والمسيحية والإسلام وهذا التعايش تحقّق في تلك المدينة بفضل خصوصيات الحضارة العربية الإسلامية وبالتالي التراث له كل هذه الأبعاد، البعد الأكاديمي، البعد الوطني والمحلي والبعد الوجداني فبطبيعة الأمر وبصفة تكاد تكون طبيعية اهتمت الألكسو بهذا الجانب وهو إبراز مكانة التراث في المنظومة الفكرية والأكاديمية والسياسية في الدول العربية .
خصصّتم برامج لمدينة القدس وأطلقتم حملة لحمايتها وإنقاذ التراث الفلسطيني .كيف تقيمون ما قامت به المنظمة في عهدكم من أجل مدينة القدس ؟ الرضا مستحيل لسبب الوضع السيّئ جدا للقدس الشرقية رغم أننا نعتبر أن القدس هي مدينة واحدة ولكن في عيون القانون الدولي القدسالشرقية مصنّفة كمدينة محتلة من السلطات الإسرائيلية ورغم هذا الوضع القانوني فقد ازدادت أو ارتفع نسق الاستيطان في القدسالشرقية نفسها والأخطر من كل هذا هو المحاولات الإسرائيلية المتكررّة لطمس البعد العربي في التراث الفلسطيني وهو ما يعرف بالتهويد .نحن لسنا عنصريين والحضارة العربية الإسلامية هي التي أسست لمفهوم التعايش واحترام الأديان لكن هناك مشروع لطمس البعد العربي في فلسطين واصطناع تراث اسرائيلي مزعوم وهناك محاولات إسرائيلية لوضع مجموعة من المعالم المفتعلة سميت بقائمة اسرائيل في التراث الانساني !
لكن بفضل تظافر الجهود تمكنا من التصدي لكل المحاولات الاسرائيلية لوضع المعالم العربية على قائمة اسرائيلية ونجحنا في التصدّي للمحاولات الاسرائيلية المتكررة لوضع القدس على قائمة اسرائيلية .
والآن الحمد لله القدس موجودة ضمن القائمة العربية للتراث الانساني، ومع ذلك نحن لسنا راضين عمّا تحقق على مستوى المنظمة لكن لابد من التذكير بأن هناك موقفا صارما جدا من سلطات الاحتلال الاسرائيلية ضد حتى زيارة القدس، وعندما تشرّفت بافتتاح تظاهرة القدس عاصمة للثقافة العربية بحضور سيادة الرئيس محمود عبّاس اضطررنا الى تنظيم الحفل في بيت لحم وليس في القدس لأنّ السّلطات الإسرائيلية منعتنا منعا باتا من الدّخول الى القدس وتأثّرت جدّا عندما رأيت قبّة الصخرة من مكان مطلّ على القدس .
حقيقة هذه أشياء متّصلة بتوازن قوى عسكرية لفائدة اسرائيل وبالتالي نشعر أن هناك نقصانا من قبلنا لكن هو نقصان مجبرون عليه ورغم عدم التوازن بين القوى العربية والاسرائيلية حققّ الأخوة الفلسطينيون نجاحات لا يستهان بها في القدس وفي الأراضي المحتلة بالصمود على الأرض واتخاذ الاجراءات الكفيلة بصيانة التراث العربي في القدس بالتعاون مع الألكسو والدول العربية وتتشرّف الألكسو بأنّها تمدّ الأخوة الفلسطينيين بما يحتاجونه من مساعدة قدر المستطاع وتتشرّف بأنّها هي الجسر الرابط في مجال صيانة التراث والمعالم الفلسطينية بين الفلسطينيين والدول العربية والسلطات الفلسطينية .
ومن بين الفائزين مثلا في الجائزة الكبرى للتراث في دورتها الأولى التي تشرّفت بتسليمها بمعيّة معالي وزير الثقافة والتراث والفنون في دولة قطر الأستاذ حمد بن عبد العزيز الكواري مشروع «إيوان» في غزّة المحاصرة التي يسعى الإسرائيليون الى فصلها عن العالم وعن الجسد الفلسطيني لأنهم في حالة عزلة وحصار لكن الصمود متواصل والحمد لله.
التراث اللامادي يمثّل ثروة كبيرة في العالم العربي لكنّها في الغالب مهملة ومهددة بالانقراض مثل الحرف والصناعات التقليدية والموروث الشفوي.. هل لديكم مشروع في هذا الاتّجاه؟
التراث اللامادي جزء هام جدا من منظومة التراث وإحياء الصناعات التقليدية وخصوصياتها لسببين، السبب الأول أن صيانة التراث أمر مطلوب ومفروض على منظمة كالألكسو وكل وزارات الثقافة في الوطن العربي لدورها في التشجيع على الاهتمام بالتراث ثم للسبب الثاني الذي لا يقل أهمية عن الأوّل وهو أن إحياء التراث التقليدي يساهم في تحقيق غايات التنمية في الدول العربية بخلق مواطن شغل للشباب في إطار عمل جميل فيه خصوصيات ومختلف عن السائد والمتداول وثانيا يمكّن إحياء التراث اللامادي من النهوض بالسياحة الثقافية، فلابد اليوم من منتوج سياحي جديد غير الشواطئ والشمس والصحراء وعلى الدول العربية أن تتّجه نحو السياحة الثقافية وهي كفيلة بتمكيننا من مواجهة المنافسة الشرسة الموجودة في هذا المحيط العربي سواء من جهة المتوسط أو من البحر الأحمر أو الخليج العربي فهذا أمر مهم جدا ثمّ إن إحياء الصناعات التقليدية يساهم في الاقتصاد المحلي بما يمنحه من جودة لأن تراكم الأجيال يمكن الحرفي من القيام بعمله طبقا لمواصفات تحقّقت عبر تراكم التجارب وبالتالي يستطيع الانسان أن ينتج أعمالا على درجة عالية من الجدوى أي أن تكون لنا في الوطن العربي صناعات تقليدية مطابقة للمواصفات العالمية كما نجد في فرنسا اليوم وهي الصناعة التقليدية الفاخرة التي تمثل موردا كبيرا في الاقتصاد الفرنسي وعلينا إحياء هذه الصناعات لأننا نحن العرب بدأنا قبل غيرنا في تحقيق هذه الغاية في العصور السابقة كان المنتوج العربي كبيرا في الخزف والفولاذ والجلد والنسيج وكل الصناعات التقليدية ووصلنا الى القمم في هذا المجال ولا بأس من أن نساهم في إحياء هذه الصناعة التقليدية الرفيعة.