أصبحتُ ، هذه الأيّام ،عازفا ،مثل الكثير من الناس، عن مشاهدة التلفزيون أو سماع الإذاعة..فكلّ ما تبثّه وسائل الإعلام، كلّ وسائل الإعلام، بات، في هذه الفترة، مصدر إحباط.. وربّما مصدر كوابيس..فلا شيء سوى أخبار العنف، لا شيء سوى حلقات الجدل تمتدّ إلى وقت متأخّر من الليل حيث الوجوه موتورة والأعصاب مشدودة. فوسائل الإعلام، كلّ وسائل الإعلام، فقدت رومانسيّتها القديمة وأصبحت وسائل «متوحّشة» لا تتوانى عن «إيذائنا» في كلّ لحظة بما تذيعه من أخبار أو تبثّه من صور أو تعقده من لقاءات. قديما كنّا نهرع إلى التلفزيون أو إلى جهاز الراديو للاستمتاع، لاقتناص لحظات من الفرح، للترويح عن النفس بل كان جهاز الراديو يقاسمنا سريرنا وربّما وسائدنا وكان جهاز التلفزيون يتصدّر غرف نومنا...بعبارة أخرى كان هذان الجهازان صديقين حميمين نأنس بهما في وحدتنا ونبدّد ببرامجهما وحشة ليلنا. أمّا اليوم فقد تحوّل هذان الجهازان إلى مصدري نكد يعكّران، على مدى اليوم مزاجنا. لهذا كثيرا ما عمدنا إلى توقّيهما وربّما إلى استبعادهما. فالصداقة القديمة التي كانت تجمعنا بهذين الجهازين قد انكسرت هذه الأيّام حتّى بتنا ندير لهما ظهورنا، حفاظا على شيء من توازننا ، على شيء من سكينتنا..
فقد شبعنا نكدا، شبعنا مشاهد مقرفة، شبعنا كلاما عاريا من كلّ معنى. فكلّما فتحنا محطة إذاعية أو تلفزيونيّة فوجئنا إمّا بمناظرات بين الفرقاء السياسيّين حيث ترتفع الأصوات، وتحتدم النقاشات، وإمّا بمشاهد صادمة برع المصوّرون في التقاطها. وفي الحالتين كلتيهما نفقد، عن وعي منّا أو عن غير وعي، شيئا من سكينتنا، شيئا من توازننا، بل ربّما استبطنا بضعا من الصورالصادمة التي تبثّها نشرات الأنباء لتصبح جزءا من ذاكرتنا...حتّى البرامج التي كنّا نسمّيها اجتماعيّة وأصبحت اليوم تعرف بتلفزيون الواقع تحوّلت إلى برامج مربكة ، مزعجة مدار الحديث فيها، في أغلب الأحيان ،عن الجريمة والقتل والخيانات، ومن ثمّ فهي لا تفعل سوى إضافة المزيد من الكوابيس إلى المشاهد والمزيد من التوتّر إلى المستمع.
لهذه الأسباب أصبحنا ندمن التنقّل ، هذه الأيّام ، بين القنوات بحثا عن قناة لا تبثّ حصصا إخباريّة أو سياسية وإنّما تكتفي ببثّ القطع الموسيقية ولا شيء غير القطع الموسيقيّة ، وسيّان كانت هذه القطع عربيّة أو أجنبيّة فنحن مقبلون على سماعها بمتعة وشغف كبيرين...عزاؤنا أن تمنحنا القليل من الفرح..القليل من المتعة..هكذا أخذنا نوطّن النفس على الاستماع إلى الموسيقى ...ولا شيء غير الموسيقى..متخلّين بذلك عن عادة سيّئة أدمنّاها منذ زمن بعيد وهي عادة الاستماع إلى الأخبار في أوقات معيّنة من النهار...
ساعدتنا هذه التجربة، تجربة التخلّي عن متابعة الأخبار، على استعادة شيء من توازننا المفقود واسترجاع بعض من سكينتنا الضائعة. لكنّنا، رغم ذلك، نظلّ نسترق السمع لأنباء الوطن، نتسقّط أخباره. فنحن نريد أن نعرف، نريد أن نفهم. قد نبقى بعض الوقت منفصلين عنه..لكنّنا سرعان ما نتخلّى عن القرار الذي اتّخذنا، قرار العزوف عن متابعة ما يجري، لنعود من جديد نسأل عن أحوال الوطن. وربّما أسعفتنا شجاعتنا فأقدمنا، مرّة أخرى ،على مشاهدة الأخبار ممنّين أنفسنا بالعود من جديد إلى القنوات الموسيقية في أسرع وقت ممكن ...لكنّنا نجد أنفسنا مورّطين، من جديد، في مشاهدة البرامج السياسية فلا نستطيع التخلّي عنها، ومن جديد نعود لنخطّط للهروب من نكد وسائل الإعلام، ومن جديد نعود لننقد برامج التلفزيون والإذاعة التي تحوّلت إلى مصدري كوابيس وإزعاج.. ومن جديد ندمن التنقل بين القنوات التلفزيونيّة بحثا عن عزاء لا يكون ...