«إنّ مسؤوليّة رجال الأمن حماية المواطنين أينما كانوا في بيوتهم وفي الشارع وفي المهرجانات.. ولكن تحت تعلّة الفنّ يتمّ القذف والسبّ وبثُّ الفرقة وتكريسُ نظرات دونيّة تحقيريّة.. هذا غير جائز ولا يندرج ضمن الحريّة الشخصيّة..». هل هكذا تكلّم زرادشت؟
كلاّ.. بل هكذا تكلّم وزير الداخليّة حسب التصريح المنشور على صفحات الشروق بتاريخ 25 جويلية 2012! كلامُ السيّد الوزير نصفان: نصْفٌ قبل «لكن» ونصفٌ بعدَها.. ولمّا كانت «لكن» أداةً للاستدراك والرجوع والاستثناء فإنّ النصف الثاني من كلامه ينسخ نصفه الأوّل. ومن ذلك قول الشاعر «فصرتُ كأنِّي يوسفٌ بين إخوتي ولكن تعدّتني النبوّةُ والحُسْنُ».. فسلب نفسَه هاتين الصفتين..
هل نفهم من كلام السيّد الوزير أنّه سلَبَ نفسَهُ حمايةَ المُواطنين؟ وأنّ مظلّته الحمائيّة لا تغطّي من يُعارض الحكومة وينتقد السلبيّات ويسخر من بعض الظواهر؟ وأنّ المُعارض المُنتقِد الساخر هو بالضرورة قذّافٌ وسبّابٌ وداعيةُ فرقة؟ وأنّه من ثمَّ ليس مواطنًا ولا يستحقّ الحماية الأمنيّة؟!!
إذنْ لماذا إهدار المال العامّ في تكوين القُضاة والمُحامين ولماذا حقوق الإنسان ولماذا القوانين التي تفرض على السلطة حمايةَ البريء والمُذنِب؟ ولماذا لا يسحل الجميعُ الجميعَ في الساحات العامّة وكفَى المواطنينَ شرَّ التقاضِي وعناءَ المحاكم؟!
هنا نحن أمام استنتاج من اثنين: إمّا أنّ السيّد الوزير يحاول كتابة مونولوغ مسرحيّ ساخر على أمل أن يتبنّاه أحد الممثّلين في مهرجان قادم! وإمّا أنّه جادٌّ في كلامه وهذا يعني أنّه يدّعي في وزارة الداخليّة فلسفةً ويخرج بها من مجال اختصاصها إلى مجال تفتيش الضمائر والمخيّلات! ممّا يثيرُ سؤالين عاجلين: من أين لك هذا يا سيادة الوزير؟ وهل وجدتَ هذه الفكرة بعد عناء طويل أم أنّك نمت ملء عينيك عن شواردها وتركت غيرك يسهر جرّاها ويختصمُ؟!
من حقِّ الوزير أن يكون له ذوقُه الخاصّ. فهو مواطنٌ مثل كلّ المواطنين، على الأقلّ حتى الآن أي قبل أن يُصبح مُقدَّسًا من المُقدّسات! لكن ليس من حقّه كوزير أن يستند إلى ذوقه الخاصّ في التعامُل مع الفنّانين منتحلاً صفة الناقد الفنّي.
وإذا كان عمَلُ هذا الفنّان قذْفًا وسَبًّا وبثًّا للفرقة وتكريسًا لنظرات دونيّة تحقيريّة فلماذا لم يدخل تحت طائلة القانون؟ إلاّ إذا كان البعض يريد أن يتظاهر بالتسامح مُوكِلاً مهمّة الرقابة والحسبة إلى آخرين عملاً بنظريّة التدافع وتبادُل الأدوار؟!
في الحالتين يكون الأمر تقاعُسًا عن القيام بالواجب وتحريضًا عليه وهما كما يعلم السيّد الوزير أمران يدخلان تحت طائلة القانون. لذلك أنصحه بعدم الخروج من مجال اختصاصه لأنّ فيه ما يكفيه، ولأنّ من شأن هذا الخروج أن يجعل وزارة الداخليّة مُتّهمة لا سمح الله، بالتدخّل في الثقافة، وليس بعيدًا أن يُطلق عليها الساخرون اسم «وزارة الدَّخْلَقافَة»!!
والحقّ أنّ الثقافة والإبداع كالإعلام لا يشنّ حاكِمٌ عليهما حربًا إلاّ كان الخاسر. وعلى حُكّامنا الجدد أن يفهموا نهائيًّا أنّ ثقافة هذه البلاد وإبداعها لن يفوّتا فرصةً بعد الآن دون أن يرفعا سقف المُباح ودون أن يطالبا بالمزيد من الحريّة عن طريق الارتطام بحدودها، أحبّ من أحبّ وكره من كره! وليعلموا أيضًا أنّه لم يظهر وزيرُ «دَخْلَقافَة» في بلادٍ إلاّ كان ذلك دليلاً على أنّ تلك البلاد يحكمها الاستبداد.
ولمّا كنتُ على يقين من ذكاء وزيرنا الموقّر فإنّي أرجو منه أن يكثّف من حضور العروض الفنيّة الساخرة تحديدًا لأنّها أفضل دروس تداركٍ في المنهج الديمقراطيّ، فالديمقراطيّة ثقافةٌ ودُربة، وأن يضحك ملء شدقيه لكلّ نكتةٍ، لعلّه يقنع زملاءه بأنّ الضحك رياضة ضروريّة لكلّ من يريد تحسين لياقته الديمقراطيّة.
كما أتمنّى عليه دعوة زملائه إلى الكفّ خاصّة عن استعمال «لكن» في الكلام فهي محمودةٌ عند أهل الأدب مذمومةٌ عند أهل السياسة. قال رؤبة لم تتوسّط «لكن» كلامَ حاكِمٍ إلاّ ضعُفَ الصدقُ في ما قبلها وظهر الكذبُ في ما بعدها.. ورجع ابنُ لقمان إلى أبيه بما سمع من أحدهم فسأله لقمان: هل وردَتْ «لكن» في حديث صاحبك؟ فأجابه: لقد توسّطت كلامَه.. قال لقمان: إذنْ خدعك والله فكلّ ما سبقها نفْخُ ريح!
وإنّك لا تسمع إلى أحدهم يحدّثك عن الحريّة والديمقراطيّة ثمّ يقول لك لكن المقدّسات، لكن استفزاز المشاعر، لكن الأخلاق الحميدة.. إلاّ علمتَ أنّه أبعد ما يكون عن الحريّة والديمقراطيّة والمقدّسات والمشاعر والأخلاق.. وأنّكَ أمام لازمةٍ من لوازم خطاب الطغاة والمستبدّين في كلّ مصر وفي كلّ عصر.