أود أن أتوارى، أن أختبىء وراء الخطوط المبهمة، أنسج حولي شبكة عنكبوت اختفي داخلها لكي تلفني وتجمع ما تكسر بداخلي وانفصل إلى جزئيات غير مرئية، أريد أن أتوارى عن عيون متوثبة للإطلاع على ما لا أريد أن تراه، لقد تعددت عاهاتي وعجزت عن سترها فالتقطتها هذه العيون الخارقة للحدود والقوانين والحرمات وبدا جسدي المخضب بالجروح عاريا أمام ملايين البشر في كل أنحاء العالم، فاستنكر البعض وتشفى الآخر، واكتفى البعض بخفض البصر في حين دقق البعض الآخر النظر ولم يغمض طرفا حتى لا تفوته لقطة من المشهد. هذا المشهد الذي كنت فيه بطلة أجسم أماني اليائسين من الانتصار والحق والعدل وفي نفس الوقت كنت ضحية البائسين الخائنين الطامعين في حرية مغلولة وديمقراطية متزلفة محكومة بالقوة والغلبة، بينما كنت على خشبة المسرح عارية، لم أعد أشعر بالألم ولا بالغيظ ولا حتى بالقهر مثلما كنت أشعر في بداية سحب الغطاء عن جروحي الكثيرة،جروح لم تلتئم أبدا فكأنها لا تتشكل من نفس النسيج ولا تنتمي الى نفس الجسد، وكنت أضمدها في صمت بلا تأوه وأشد عليها بقوة لأفرغ ما بها من قيح، يعتصر قلبي ولا أشكو فأضع المزيد من الضمائد حتى لا تكتشفها عدسات الأقمار الصناعية اللاقطة والثاقبة، كنت أجاهد حتى أبدو واقفة على قدمي متماسكة أمام وسائل الاعلام المنحازة والمستبلية، المندسة والمستقيلة، وتحت الأضواء الكاشفة والقنابل المضيئة وددت الاحتماء ببقعة ظل أو ظلام لأطهر جروحي الدامية، فقد تبللت ضمائدي من الدماء التي تسللت من كفني وتدفقت من جسدي وسالت على أرضية الركح، إلا أن الأضواء المسلطة باتجاهي حاصرتني بشدة وتعاضدت لكشف ما تحت جسدي العاري فانكمشت على نفسي محاولة أن ألعق دمي، حينها ظهرت صورتي مضخمة على ركح المسرح وعلى شاشات العالم وفي صفحات الجرائد على أني «مصاص دماء».... وفجأة انطفأت الأضواء من حولي وأسدلت الستار الأحمر بل الأسود (هذا لا يهم) في عاصفة من التصفيق طغت على صرختي المستغيثة وا»بغداداه». انتهى في صفاقس 25/4/2003 * من وحي حرب أمريكا على العراق (حرب الخليج الثالثة من 20 مارس الى 9 أفريل 2003).